11/08/2005 

التفسير العلمي والإعجاز العلمي

** كثر الجدل في قضية العلاقة بين العلم والدين، وأنتم تفرقون بين “الإعجاز العلمي” و”التفسير العلمي”؟ فما الفارق وما فلسفتك في هذا التمييز؟

* التفسير العلمي للقرآن الكريم هو محاولة بشرية لفهم دلالة الآيات الكونية في كتاب الله، وهي آيات تمثل ثلث القرآن الكريم في أكثر من ألف آية قرآنية كريمة، وقلت: إن هذه الآيات لا يمكن أن تفهم فهما صحيحا في إطار اللغة وحدها.. نعم القرآن الكريم نزل بلغة عربية، ولكن اللغة وحدها لا يمكن أن تعطي للإنسان القدرة على أن يفهم دلالات الآيات الكونية؛ لأن الآيات الكونية تتحدث عن أشياء وظواهر كونية لا يمكن أن تفهم إلا في إطار ما حققه العلم من إنجازات في فهم هذه الظواهر.

إذن فالتفسير العلمي محاولة بشرية لحسن فهم دلالة الآية الكونية، ونحن نحرص في التفسير العلمي على أن نوظف كل الحقائق العلمية المتاحة، لكن بما أن العلم لم يصل لكل الحقيقة في كل أمر من الأمور تبقى قضايا كثيرة عند حدود الظن، ويقف فيها العلم عند حدود النظرية أو الفرْض، فإذا لم يصل العلم إلي الحقيقة في قضية من القضايا التي تتعرض لها الآيات فأنا لا أرى ضيرا أبدا في توظيف النظرية السائدة أو الفرْضية السائدة حتى أفهم دلالة الآية، وإذا ثبت بعد ذلك أن النظرية كانت خاطئة فلا يمس هذا من جلال القرآن الكريم أو ينال منه في شيء؛ لأن التفسير عمل بشري يصيب فيه الفرد وقد يخطئ.

أما الإعجاز العلمي فهو موقف تحد نتحدى به الناس كافة؛ مسلمين وغير مسلمين، بأن كتابا نزل قبل أربعة عشر قرنا على نبي أمي -صلى الله عليه وسلم- في أمة كان غالبيتها أميين، وهذا الكتاب يحوي حقيقة كونية لم يصل إليها علم الإنسان إلا منذ سنين قليلة، ولم يكن لعقل أن يتخيل مصدرا لهذه الحقيقة الكونية في هذا الزمن السحيق إلا الله الخالق سبحانه وتعالى.

لذلك أقول: إنه لا يجوز لنا في الإعجاز العلمي أن نوظف النظريات والفرضيات، بل لا بد من توظيف الحقائق العلمية الثابتة القاطعة التي لا رجعة فيها، إلا في حالة واحدة وهي حالة الآيات التي تتحدث عن الخلق بأبعاده الثلاثة (الكون، الإنسان، الحياة) لأن الخلق عملية غيبية غيبة مطلقة لم يشهدها أحد من الإنس أو الجن، ولأنها لا تقع تحت إدراك الإنسان فلا يمكن أن يصل فيها بالعلم الكسبي إلى حقيقة أبدا، وهذه الأبعاد الثلاثة يدور فيها الإنسان في مدار النظرية والفرض، وتختلف هذه الفروض والنظريات باختلاف مفسرها وواضعها؛ هل هو مؤمن أم كافر، موحد أم مشرك، جاد أم هازل، سعيد أم شقي، وكل هذا يظهر في صياغة النظرية والفرضية.

ويبقى للمسلمين نور من الله سبحانه وتعالى في آية قرآنية أو في حديث شريف، ما يعيننا على أن نرجح نظرية ونرتقي بها إلى مقام الحقيقة، لا لأن العلم الكسبي قد أثبت علميا أنها حقيقة ولكن لظهورها في كتاب الله أو سنة رسوله؛ لأن الله هو خالق الكون وأدرى بصنعته من كل من سواه.

** هل يمكن أن تقدم لنا نماذج أو أمثلة توضح هذا التمييز؟

* مثلا يقول الله عز وجل: )وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ(، وفي تفسيرها قال الأقدمون: هو انصداعها عن النبات، وهذا صحيح حيث نضع البذرة في الأرض ونرويها فتنتفش التربة -بإذن الله وما أودعها من خصائص- وتزيد في الحجم وترتفع لأعلى وترق حتى تنشق وتفسح الطريق للنبتة الجديدة الطرية المنبثقة من البذرة، ولكن بعد الحرب العالمية نزل العلماء إلى قيعان البحار والمحيطات فوجدوا أن قيعان الأرض متصدعة بشبكة كبيرة من الصدوع تتراوح أعماقها من 64 إلى 150 كيلومترا وتحيط إحاطة كاملة بالأرض… وهذا بعد جديد للتفسير لم يكن معروفا زمن الوحي والتفسير، قابل للتغير مع الزمن.

أما الإعجاز العلمي فنجده مثلا في قوله تعالي: )والبحرِ المسجورِ(، والمسجور هو المتقد نارا، ثم يأتي العلم الآن ليثبت أن كل قيعان البحار والمحيطات مسجرة تسجيرا خفيا بالنيران.

ومن ناحية الارتقاء بنظرية من النظريات وجعلها حقيقة علمية نجد قوله تعالى: )أَوَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ(؛ وهو ما نجده في نظرية تفسير نشأة الكون بالانفجار العظيم، وهو ما يرتفع بهذه النظرية إلى مصاف الحقيقة.

الحقيقة العلمية والحقيقة القرآنية

** ما طرحته يثير إشكالية يجب التوقف أمامها؛ فما هي “الحقيقة العلمية” وما تعريفك لها؟ وكيف يمكنك وضعها بإزاء “الحقيقة القرآنية”؟ وكيف تفرق بين “الحقيقة العلمية” و”الحقيقة القرآنية”؟

* كثيرا ما يخلط الناس بين قضايا كثيرة.. القرآن الكريم ليس كتاب علم أو هندسة أو طب أو فلك، ولكنه كتاب هداية من الله للإنسان في القضايا التي لا يستطيع الإنسان أن يضع لنفسه فيها أي ضوابط؛ مثل قضايا العقيدة وكلها غيب، وقضايا العبادة وكلها أوامر، وقضايا الأخلاق والمعاملات وكلها سلوكيات، وهذه هي رسالة القرآن الأساسية.

أما ما جاء في القرآن غير ذلك؛ من إشارات كونية أو ذكر للأمم السابقة..، فكل هذه نماذج تأتي لتأكيد الفكرة الأساسية، وهي أن هذا الكلام كلام رب العالمين، وأقول إن الآيات الكونية في القرآن الكريم لم ترد للإنسان من قبيل الإخبار العلمي المباشر؛ لأن الله تبارك وتعالى يعلم أن العلم من المجالات التي يستطيع الإنسان أن يصل إليها بعقله وبجهده منفردا؛ فالقرآن الكريم هو بيان من الله تعالى للإنسان في القضايا التي لا يستطيع الإنسان أن يضع لنفسه أية ضوابط.

الحقيقة القرآنية هي غيب لا يمكن أن أصل إليه، أو أمر إلهي لا يمكن أن أحاكيه، أو ضابط أخلاقي سلوكي لا أخالفه، ما عدا ذلك من حقائق لا بد أن أرجع فيه إلى العلم الكسبي.

** لكن هناك مشكلة أساسية في تعريفك تتجاهل أن العلم في أبسط تعريف له هو “القابلية للخطأ” أو هو “الفرْض الذي أثبتت التجربة صحته”، وهذا مختلف تماما عن “الحقيقة القرآنية” التي هي “إطلاقية” و”نهائية” لا تقبل البرهنة عليها أساسا حتى يمكن أن نصفها بالصحة أو الخطأ؟ فكيف يمكن أن تطابق بين حقيقتين لا علاقة بينهما أصلا؟

* هذا كلام يقوله غير العلميين؛ لأنهم يتخيلون أن العلم كله فروض ونظريات، صحيح أن العلم يبدأ فروضا لكن الفروض قد ترتقي لتصبح نظرية، وترتقي النظرية لتصبح حقيقة، ثم تصبح الحقيقة قانونا، وإذا وصل العلم لمستوى الحقيقة فلا رجعة فيه ولا جدال.

** إحدى سمات العلم أنه تاريخي وله مراحل أو طبقات، فما كان حقيقة يوما ما، صار غير ذلك، وما هو فرض الآن ربما يتحول لحقيقة علمية يوما ما، وهناك ما يعرف بتاريخ العلم، بينما الحقيقة القرآنية مطلقة بمجرد نزولها من عند الله، وفي لحظتها، فهي متجاوزة للتاريخ، هي في كل لحظة حقيقة غير قابلة للاختبار أو المراجعة أو إعادة النظر، فما العلاقة بين الحقيقتين وكيف أمكنك المطابقة بينهما؟

* أقول هنا إنه إذا وصل العلم التجريبي أو الكشفي إلى مصاف الحقيقة أو القانون أصبح حقيقة يقوم عليها الدليل.

** هل تصل الحقيقة العلمية إلى حقيقة يجب الإيمان بها ؟ هل نؤمن بالحقيقة العلمية مثلا؟

* طبعا طبعا.. وهل تشك في كروية الأرض الآن؟.

** وإذا قلت لك –فرضا- إنني لا أومن بحقيقة أن الأرض كروية فما رأيك؟ وما حكمي؟

** لا شيء!

** طبعا ستصفني بالجهل.. لكن ماذا إذا قلت: إن الله ليس واحدا (تعالى سبحانه علوا كبيرا)؟

* هذا كفر طبعا!

** إذن أنت تتفق معي أن هناك مستويين للحقيقة، وأنه لا يصح أن نتكلم عن تطابق بين الحقيقة العلمية والحقيقة القرآنية؟

* ولكن يا أخي تبقى الحقيقة حقيقة، الحقيقة هي كل أمر يقوم عليه الدليل ويدعمه البرهان وتؤكده الحجة ويقبله العقل السليم.

** هذا فيما يخص الحقيقة العلمية يا سيدي، ولا بد أن نفرق دائما بين العلم والنص الديني، العلم نسبي وتاريخي وطريق الوصول إليه التجربة والحكم على حقائقه بالخطأ والصواب، أما القرآن فهو مطلق لا تاريخي طريق الوصول إليه الوحي فقط، كما أن الحكم على حقائقه بالإيمان والكفر فهو لا يقبل البرهنة عليها أو تجريبها!

* أريد أن أقول إن القرآن نزل لنا لنفهمه، فالقرآن ليس طلاسم؛ فهو بيان من الله ونزل في حدود طاقة القدرة الإنسانية وهو غير متجاوز لقدرة الإنسان.

** عفوا.. القرآن يمكن أن يتجاوز قدرة الإنسان؛ على الأقل في فترة معينة، فهو -مثلا- نزل على أهل الصحراء والبدو، ومن المنطقي أن يصعب عليهم فهم بعض الأشياء التي يفهمها أهل عصرنا مثلا، على الأقل وفق منهج الإعجاز العلمي الذي تتبناه! فما تدعو له الآن لم يكن واردا أن يفهمه أهل البدو والصحراء! والله يفتح على الناس في كل زمن بفهم جديد، والقرآن لا تنقطع عجائبه ولا يَخلق على كثرة الرد.

* رسالة القرآن المحددة هي الدين، وركائز الدين أربع، أساسيات أربعة؛ هي العقيدة، العبادة، الأخلاق، المعاملات، هذه القضايا صاغها الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه صياغة محكمة منضبطة لا تقبل التأويل، فمثلا (أقم الصلاة) تعني إقامة الصلاة وليس لها معنيان، و(كتب عليكم الصيام) تعني كتب عليكم الصيام، وهكذا (وآتوا الزكاة) و(لله على الناس حج البيت).. فهذا يفهمه البدوي ويفهمه أستاذ التفسير.. هذا ما أريد قوله.. لب القرآن الكريم قضايا محكمة واضحة الدلالة لا تحتاج إلى جهد بشري حتى يفهمها الإنسان، ولكن الذي يحتاج إلى جهد هو الإشارات الكونية وذكر الأمم السابقة والقضايا النفسية والقضايا التربوية.

** كيف يمكن أن تتحول الإشارات الكونية التي كنا نفهمها في إطار الدعوة الإلهية للتفكر والتدبر في خلق الله، لتصبح إعجازا علينا الإيمان به كحقيقة منتهية رغم أننا عرفناها وفق ما قرره علماء هذا العصر أو غيره؟ هل يمكن أن تتحول الاكتشافات العلمية إلى مطلق لا بد أن أومن به؟ أتفهم مثلا أنه إذا ثبتت حقيقة علمية يمكن أن نجد إشارة قرآنية لها أن تكون مما يزيدنا إيمانا بالله وما جاء به الوحي، لكن كيف يمكن أن تتحول إلى مطلق: مثلها مثل النص لا حيلة لنا أمامه سوى الإيمان به؟ ألا يؤدي ذلك إلى تطابق النسبي والمطلق؟ وكيف يمكن لنا أن نزعم تطابقا بين نص طريقه الوحي وآخر طريقه أفهام واجتهادات البشر قابلة للتغير؟

* يحدث جدا وبمنتهي السهولة.. وما المشكلة؟.. القرآن حمّال أوجه بنص كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، بمعنى أن الآية القرآنية ترد بألفاظ محددة يَفهم منها أبناء كل جيل معنى من المعاني، وتظل هذه المعاني تتسع مع اتساع المعرفة الإنسانية في تكامل لا يعرف التضاد.. والقرآن يدعونا إلى تدبر النص القرآني )أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا( و)أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا(.. نحن مطالبون بنص القرآن أن نفهم هذه الآيات ونتدبرها وألا نحفظها دون فهم، لنفهم الحقائق الكونية التي وراءها، لكن فهمها أو عدم فهمها لا علاقة له بإيمانك.

** ما تفعلونه أنتم يعطي للحقيقة العلمية إطلاقية ليست لها، وإنما للآية التي طابقتم الحقيقة عليها، فأنا أومن بأن عسل النحل فيه شفاء للناس؛ لأن القرآن يقول: )يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ(، وليس لأن العلماء اكتشفوا بتجاربهم أن العسل فيه شفاء.. الإطلاق والتسليم يجب أن يكون للنص وليس للحقيقة العلمية كما أفهمه من كلامكم.

* ولو أثبت العلم هذا الشفاء فهل يضر هذا بالقرآن أم يدعمه؟

** لا يهمني أن يثبته العلم أو ينفيه!

* مقاطعا: لماذا تتهرب من إجابة السؤال: ماذا لو أثبت العلم هذا؟

** ولو أثبته فسأقول: إن ثبت فهذا ما قال ربي وصدق الله، ولكن هذا حين يكون من نص قطعي الدلالة كما في هذه الآية.

* وهل يدعم القرآن أم يضره؟

** هذا لا يدعم القرآن ولا يضره!

* محتجا: لا لا.. هذا عندك أنت!

** في كل حديثك يبدو وكأنك تؤمن وتؤكد على فكرة أن الحقيقة العلمية يمكن أن تكون ثابتة ومطلقة ألا يتنافى ذلك مع كون العلم متغيرًا؟

* العلم يمكن أن يتغير في مرحلة الفروض والنظريات، لكن إذا وصل العلم لمرحلة القانون فلن يتغير، مثل: 1+1=2.

** وهل هذا علم؟

* نعم هذا علم.. علم الرياضة.. وهذه حقيقة مطلقة.. وكذلك وصول العلم إلي كروية الأرض وقياسه لأقطارها.. هذه حقيقة علمية لن تتغير أبدا!

** ألا يمكن أو يحق إعادة النظر فيما يسمى “حقائق” علمية؟

* لا.. لا يعاد النظر في الحقائق العلمية، لكن يعاد في الفروض والنظريات أو عند الكشف عن حقائق جديدة.

** لكن هذا يوقف حركة العلم!

* بالعكس.. لا يوقفها.. إطلاقا.. بل يضبطها؛ فالعلم إذا وصل إلى مرحلة القانون انتهى لأنه يكون قد وصل إلى أقصى ما يمكن الوصول إليه وممكن أن يصل إلى الحقيقة المطلقة.

** ما رأيك في القول بأن الاتجاه الذي تمثله يمثل تأثر الإسلاميين بروح وفلسفة الحداثة الغربية، حيث الإيمان بالعلم وإطلاقيته وأنه –العلم- مدخل الدين، بحيث لا بد للنص من علم يدعمه؟

* الآيات التي يحتاج الإنسان في فهمها إلى معارف علمية هي الآيات الكونية فقط، أما الآيات المتعلقة بالدين بركائزه الأساسية فلا يحتاج فيها إلى فهم اللغة، أما الآيات الكونية فلا يمكن أن تفهم فهما صحيحا في إطار اللغة فقط، وليس معنى هذا أننا نفرض العلم على القرآن.

الإعجاز العلمي.. ودلالات المعجم اللغوي

** هناك خطأ منهجي يقع فيه دعاة الإعجاز العلمي يتمثل في الخروج على دلالات المعجم القرآني التي كثيرا ما تكون دلالات توقيفية، فالقول بالإعجاز العلمي في قوله تعالى: )فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ(، باعتبار أن القرآن سبق العلم في تقرير أن الذرة هي أصغر وحدة في المادة يتجاوز المعجم الدلالي لألفاظ القرآن الكريم والذي اعتمد عليه المفسرون في كل عصر من أن الذرة هي التراب أو النمل، ونحن في النهاية محكومون بدلالات الألفاظ وقت نزول القرآن؟.

* المفسرون فسروا هذه الآية في حدود علمهم وقتها وبلغة عصرهم، ولم يعرفوا أن الذرة هي أصغر كيان للمادة حتى إنك لا تراه!.

** ولكن ماذا لو جاء بعد زمن من العلماء من اكتشف أن هناك وحدة أقل وأصغر من الذرة؟

* لا.. لا يوجد شيء كهذا!.

** أنت الآن تحكم وتصادر على العلم بمعايير هذه اللحظة رغم أنه يمكن أن يتغير ويتبدل بعد زمن طال أو قصر؟

* هناك قضايا إذا أثبتت ثبتت، فإذا وصل العلم إلى مرحلة الحقيقة أو القانون فلا تستطيع أن تضيف له شيئا، ويمكنك البحث في اتجاه آخر وستجد آلاف القضايا الأخرى تستحق أن تبحث، لكن القضايا التي وصلت إلى الحقيقة ليس لها أو فيها إضافة.

** لكن هذا تجاوز خطير للدلالة المعجمية لألفاظ القرآن يمكن أن يؤدي للعبث بها.. نعم يمكن أن نتكلم عن فهم متجدد ومتغير للآيات ومعاني الألفاظ، ألسنا محكومين بالمعجم الدلالي لكلمة ذرة على أنها حبة رمل؛ فالقرآن يفهم بلغة عصره، فبهذا الإعجاز العلمي يكون مدخلاً لكسر المعجم اللغوي؟

* لا يكسره أبدا.. بالعكس، فأنا إذا لم أفهم اللغة فهما صحيحا فلن أستطيع فهم الإعجاز العلمي، فإذا لم أفهم من اللغة ما معنى نطفة أو مضغة أو علقة أو عظام أو كسوة العظام لحما فلن أفهم ما هي دلالات الآية، فاللغة شرط أساسي لفهم دلالات الآيات.. لكن أنا لا أقف عند حدود اللغة وحدها؛ لأننا إذا وقفنا عند حدود اللغة وحدها فلن نصل إلى الفهم الصحيح للآية. فأنا لا أستطيع أن أقف عند فهم الأقدمين.

** أنا لا أقصد فهم الأقدمين، ما أقصده هو المعجم الدلالي للألفاظ وقتها؟

* لا بد أن أستخدم اللفظة بدلالتها في المعاجم بدقة شديدة حتى أفهم الإعجاز العلمي، لكن كل التفاسير القديمة خلطت بين النجم والكون وكذلك بين الضياء والنور.. وقضايا كثيرة العلم يحسمها الآن، والقرآن الكريم فصل فصلا كاملا بين الضياء والنور في مئات الآيات.

** لكن هل يكون الفهم الجديد ذلك بالقفز على الدلالة اللغوية؟

* لا.. هذا ليس قفزا على الدلالة اللغوية.

** اسم الذرة التي تتحدث عنها هي (الأتومي atomy) اختير بالمواضعة بين الناس وكان يمكن أن يسميها العلماء -أو المترجمون على الأصح- بأي اسم غير الذرة!

* لكن الذرة موجودة في اللغة وفي القرآن.

** الذرة التي في اللغة وفي القرآن كانت تعني التراب أو النمل؟

* لا.. كان يقصد بها أصغر شيء ولكنهم ضربوا النمل والتراب كمثل، الله يقول: )سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ( فهل معنى هذا أن أظل متوقفا عند تفسير ابن كثير طول عمري؟!.. هذا مستحيل، إذا فعلت ذلك فسأنعزل عن زماني وعصري وهذا غير مطلوب، أنا لا أتجاوز اللغة أبدا، فأنا أوظف اللغة قبل التفسير العلمي؛ لأن اللغة أساس، لكن في القضايا الكونية يجب أن ألجأ إلى العلم أيضا.

** أعود للسؤال ثانية ألا تتفق معي أن الإعجاز العلمي بهذه الصورة هو أحد تجليات التأثر الإسلامي بالحداثة الغربية، من حيث الإيمان بالعلم كمطلق واتخاذه أساسا لتفسير النص وربما دليلا له؟

* لا يا أخي.. أنا أحد أقدم من تحدثوا بالإعجاز العلمي ولم أتأثر بالحداثة أبدا؛ لأنني رجل مؤمن إيمانًا عميقًا بالله وبأن القرآن هو كلام الله تعالى وبرسالة خاتم المرسلين.. ولا توجد حداثة أثرت فيَّ على الإطلاق، أين هي الحداثة؟ فهل لكوني أستخدم وأوظف حقائق علمية قائمة يفسر هذا على أنني تأثرت بالحداثة؟.

** سؤال يبدو غريبا: ما أهمية الإعجاز العلمي؟

* أولا يفيد المسلم في فهم دلالة الآيات فهما عميقا، ويثبت له صدق القرآن الكريم بالإشارة إلى هذه الحقيقة ويزيد الإيمان في قلبه ويزيده يقينا بالقرآن الكريم، ويدعو غير المسلمين لقراءة القرآن الكريم من مدخل الآيات الكونية كما حدث مع عشرات العلماء، مثل موريس بوكاي وكيت مور وكثير من الذين أسلموا.

العلم والهداية.. ووجه العلاقة بينهما

** وهل تؤمن بأن العلم يمكن أن يكون سببا للهداية؟

* طبعا فالعلم والمعرفة سبب للهداية.

** كيف؟

* لو ثبت لعالم غربي حقيقة كونية لم تكن معروفة قبل 100 سنة مثلا، وأن هناك كتابا قبل ألف وأربعمائة سنة يتحدث عنها فسيقنعه هذا بجدية هذا الكتاب وسيدفعه لقراءته، وقد يكون ذلك مدخله للإيمان.

** وما رأيك في القول بأنه لا علاقة شرطية أو طردية أو من أي نوع بين الإيمان والعلم وأن الثابت أن أكثر أهل العلم غير مسلمين، بل وربما غير مؤمنين من الأصل؟

* لا لا.. عفوا.. أنت تخلط بين قضيتين مختلفتين.. أولا: نحن في العالم العربي نعاني من ازدواجية خطيرة في التعليم، فنحن نخرج علماء لغويين وشرعيين على أعلى مستوى، لكن لا يعرفون شيئا عن معطيات العلوم الحديثة، ونخرج علماء مدنيين على أعلى مستوى لكنهم لا يعرفون دينهم، هذا الفصل هو الذي أدى الى هذا الكم الكبير من المثقفين غير المتدينين.. في نفس الوقت نرى في الغرب أن الصراع الذي قام بين الكنيسة ورجال العلم واضطهاد العلماء وقتلهم وسجنهم وتعذيبهم.. جعل العالم ينطلق بعيدا عن العقيدة وجعل الناس هناك ترفض التعامل إلا مع المادي الملموس المدرك؛ فعزل الغربيين عن الدين وعزل المتعلمين عندنا عن الدين وعزل أهل الدين عن العلم.. هذا هو سبب الأزمة التي نمر بها، وما كان للعلم أن يعادي الدين أبدا.

** ومن قال ذلك؟ أنا لم أقل معاداة العلم للدين؟ بل قلت إنهما مجالان منفصلان؛ أي من طبيعتين مختلفتين؟

* لا..لا.. أبدا.. هذا الخلط راجع لازدواجية التعليم.

** ليكن.. هل لي أن أتعامل مع النص الديني كما أتعامل مع معطى علمي؛ أي من خلال المشاهدة والتجربة والبرهان؟

* إذا كان النص آية كونية أتعامل معه بالتجربة والمشاهدة والبرهان، وهناك مثال في الحديث النبوي الصحيح: “كل بني آدم يبلى عظمة إلا عجب الذنب” هذا الحديث وضعه كل علماء الحديث في غريب الحديث وشككوا فيه، ثم نفاجأ بأن عالما ألمانيا “هانز سبيمان” حاز جائزة نوبل 1935م حقق هذا الحديث تجريبيا علميا دون أن يعلم به؛ إذ لاحظ أن هذه العظمة يخلق منها في الجنين كل أعضاء الجسم وأنها لا تبلى أبدا، فأعطوه جائزة نوبل، وكذلك ما جاء في قوله تعالي: )فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ( في سورة النحل حيث يثبت العلم صحة هذا القول.. أليس هذا دعما للآية الكريمة؟!.

** إذا صحت هذه الحالة ألا يكون الإيمان هنا إيمانًا بالآية وما قاله الله تعالى وليس إيمانا بالعلم؟

* طبعا.. طبعا.. لكن يوجد من هو غير مؤمن بهذا ولا يؤمن بالقرآن أصلا، وأنت مطالب بتبليغه ودعوته إلى الإسلام “بلغوا عني ولو آية”.. ووسيلتي في الدعوة أن أحلل له العسل وأثبت له صحة الآية، وبالفعل فقد حللوا وأثبتوا صحة هذه الآية.

** فهل ترى أننا إذا جمعنا العلماء في المجالات العلمية المختلفة وشرحنا لهم الآيات الكونية فسيكون هذا سببا في إسلامهم؟!

* طبعا.. طبعا فأنا أشبه المعرفة الإنسانية بشكل هرمي قاعدته العلوم البحثية التطبيقية.. لا احتقارا لها ولا استهانة بشأنها، ولكنها هي وسيلة الإنسان لإعمار الأرض، وفوقه تأتي رسالة العلوم بمعنى استنتاج الحكمة من الشواهد المادية في الكون، فلا أستطيع أن أكتفي بالقول إن هذا الكون الشاسع دقيق البناء محكم الحركة، بل يلزم أن أشير إلى أن هذا الكون لم يوجد نفسه، بل لا بد من موجد عظيم.. وهذا الموجد العظيم لا بد أن يكون مغايرا لخلقه لا يحده المكان ولا يحده الزمان ولا تصنعه المادة ولا تشكله الطاقة، وفوق هذه العلوم الإنسانية كلها؛ لأن الإنسان مخلوق مكرم والمتعلق بالمكرم مكرم، وفي قمة الهرم وحي السماء وهو بيان من الله للإنسان في القضايا التي لا يستطيع الإنسان أن يصل فيها إلى الطريق الصحيح.. وكل مثقف عليه أن يتخصص في شريحة من الشرائح، لكن لا يجوز له أن يعزل نفسه عن بقيتها.. ومأساة العالم هذا العزل.

الحقائق العلمية والقرآنية وحكم رفضها

** ماذا لو رفضت – كمسلم- هذه الحقائق العلمية ولم أومن بها؟

* عزلت نفسك عن زمانك ودفنت رأسك في الرمل.

** هل لهذا حكم شرعي؟ هل يمكن أن أكفر مثلا؟!

* لا.. ولكن صرت جاهلا!

** لكن ماذا لو جئت فضيلتك وطابقت إحدى هذه الحقائق العلمية بحقيقة قرآنية لما تراه من “إعجاز علمي”، ثم جئت أنا ورفضت هذا الكلام؟!

* إذا كان تفسيرًا علميًّا فلا مشكلة لأن التفسير يتعدد ويتغير.

** لا.. أنا أتحدث عن الإعجاز العلمي وليس التفسير؟

* الإعجاز العلمي لا ينقض!

** على سبيل المثال إذا أنا رفضت نظرية الانفجار العظيم لتفسير نشأة الكون التي ترى أن القرآن سبقها ويؤيدها، ألا يضعني هذا في مأزق ديني؟ وما الحكم هنا؟

*.. وهل هذه النظرية الوحيدة القائمة في تفسير الكون؟!!.. هناك مئات النظريات في تفسير الكون، ولكنني اخترت هذه النظرية لأن لها رباطًا بالقرآن الكريم(!!).

** ألا يعني ذلك إلغاء وتجاهل النظريات العلمية الأخرى بمبررات دينية؟

* طبعا.. طبعا.. بناء على وضوح نص الآية.

** إذن فقد حدث التطابق وصرت أنا ملزما به ما دامت الآية واضحة وتؤيد هذه النظرية.. كيف لي أن أعارضها؟!

* أنت لست ملزما بشيء.. لكن بالرجوع إلى الآية )أَوَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ(. نجد أن تفسير الآية في كتب التفسير جاء بدائيًّا وسطحيًّا، ولا يقدم أي شيء من الحقيقة، والتفسير الأقرب لها الآن هو نظرية الانفجار العظيم.. والنظرية هنا تبقى نظرية، وإذا وصل العلم إلى حقيقة فهذا تفسير.. وأنا لم أقل إن هذا قطعي ويعد إعجازا علميا.. ولكن النظرية قائمة على شواهد صحيحة وهذه الشواهد تكلم القرآن عنها.. والتوسع في السماء حقيقة.. فحين نزل قول الله تعالى: )وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ(، لم يفهمها البدو والعرب أيام الرسول على أن الكون يتسع، بل فهم أن الكون شاسع على الإنسان، لكن موسع اسم فاعل وموسعون صيغة مصدرية توحي بالاستمرارية وهو ما يؤكده العلم الحديث!.

** لكن هذا التفسير الأخير تفسير لغوى! فهم قواعد اللغة يؤكد اتساع الكون أو يقبل القول به.

* وهو تفسير علمي أيضا! فلماذا لم تقل في الماضي؟ ولماذا لم يقل أحد من المفسرين القدامى إن الكون يتسع؟.

** ربما غاب عن المفسرين ولم يكن الله قد فتح عليهم!

* لا لا… لقد قلنا هذا الكلام حين اكتشفنا أن اتساع السماء حقيقة كونية.. ولم يقل أحد من المفسرين به من قبل.

بين ثبات النص المقدس ومتغيرات العلم

** أليست مفارقة أن موجة الإعجاز العلمي في القرآن تلت موجة مشابهة لها شهدها الغرب قبل عقدين من الزمان، كانت تسعى إلى إثبات صحة النصوص المقدسة من خلال العلم؟

* لا توجد مقارنة بين نزاهة القرآن وبين هزاءة ورداءة ما يسمى بالكتاب المقدس، فهو مثل الكشكول جمعه اليهود للنصارى وجمعوا فيه فترة زمنية تمتد أكثر من 3000 سنة.. لكن من الذي جمعه؟ ومن الذي كتبه؟.. غير معروف.. فهو كتاب مليء بالأخطاء العلمية والأخطاء الدينية والأخطاء اللغوية.. فلا يقارن أبدا بالقرآن الكريم.. وهم أنفسهم لا يعتبرون أن هذا نص سماوي، بل نصوص بشرية تعبر عن رسالات نبوية سابقة.

** من قال هذا؟ هو نص مقدس عندهم مثلما القرآن مقدس بالنسبة لي، بصرف النظر عن إيماننا بصحة اعتقادهم من عدمه!

* لا لا..هم لا يعترفون أنه نص سماوي مقدس.. مجلة النيوزويك نشرت منذ 6 أشهر مقالا يقول: إن الكتاب المقدس ليس نصا سماويا فهو كتاب كتب بأقلام متعددة في أماكن متفرقة في أزمنة متباعدة.. لا تنظر لنصارى مصر فقط، فغالبية علمائهم (المسيحيين) لا يعترفون بأنه نص سماوي.. وكل الوحي السماوي الذي نزل قبل القرآن الكريم نزل على ألواح مكتوبة من السماء.. فأين هذه الألواح؟ بل نزل بلغة غير المكتوب بها الآن.

ثم لا تحاسبني بأخطاء الغربيين.. نحن لا نقلد الغرب في شيء؛ فعملية الإعجاز العلمي بدأت في القرن الثاني إلى الآن.. منذ الفخر الرازي والغزالي الذين تكلما عن الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، لكن لعدم رعاية الموضوع فهو يظهر بشكل موجة؛ يظهر لفترة ثم يختفي.. فمثلا طنطاوي الجوهري ظهر في العشرينيات من القرن العشرين ومات في أوائل الخمسينيات وقد هوجم من الأزهر وقبرت تجربته وكانت تجربة رائدة بالغ فيها أحيانا لكن بشجاعته استطاع أن يوظف الإعجاز العلمي في تفسير القرآن الكريم.

** أخشى أن الاستشهاد بتجربة طنطاوي جوهري وما فيها من أخطاء بل وكوارث، لن يكون لصالحك!

* ما قاله طنطاوي جوهري كان تفسيرا وليس إعجازا.. وهو قال ذلك كثيرا، فقد حاول أن يفسر الآيات الكونية بالعلم، ولم يكن العلم قد وصل إلى ما وصل إليه الآن فأصاب وأخطأ، وهذا وارد، لكن الذين اكتفوا في التفسير باللغة جاءت كتبهم مليئة بالأخطاء.

** هناك من يتحدث الآن عن الإعجاز العلمي في الطب النبوي أو الطب الإسلامي.. وهذه إشكالية كبرى أن العالم يتحدث عن خلافات وأخطاء في الطب نفسه ونحن نتحدث –مستندين- على الطب عن الإعجاز العلمي في الطب النبوي.. كيف يستقيم هذا؟

* الأمة تمر بفترة تخلف والمتخلف يتخلف في كل مناحي الحياة، الأمة متخلفة علميا وتقنيا وتعليميا وسياسيا واقتصاديا وعسكريا فماذا ننتظر منها؟ ما تنفقه أمريكا على العلم في سنة يوازي جميع العالم الإسلامي مضروب في مائة، نحن لا ننفق على العلم، فإذا جئت أنا في ظل هذا التخلف واستطعت أن أعز الإسلام بأن أبرز أن له السبق في تحقيق نظرية مثل انفجار الكون حتى لو وصل إليها (س) أو (ص) من الغربيين أو الشرقيين فهذا لا يضر الإسلام، بل العكس.. هذا يعز الإسلام ويدعو هؤلاء الناس لاحترام القرآن والاطلاع عليه.

** يا سيدي الطب والدواء محل خلاف حتى بين من صنعوه.. فكيف لي أن أتحدث عن إعجاز علمي بناء عليه؟!

* أنا لا أتكلم عن الأدوية.. لكن خذ -على سبيل المثال- وصف مراحل الجنين في القرآن الكريم، وفي سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، فهو من الأشياء التي هزت مئات الغربيين من الأعماق، فقد وقف رجل مثل كيث مور، وهو كندي أكبر عالم أجنة معاصر وله كتاب اسمه “تطور البشرية” يدرس في أغلب كليات الطب في العالم وترجم لأكثر من 25 لغة؛ وقف هذا العالم في مؤتمر عالمي في موسكو ليقول: إن توصيف القرآن لمراحل الجنين تصل إلى الدقة والكمال بما لم يصل إليه العلم الحديث.. فماذا نريد أكثر من ذلك؟!..القرآن يقول: نطفة وعلقة.. ثم يأتي العلم ليؤكد ذلك.. فتوصيف كلمة علقة وهي تشبه الدودة وتعيش على امتصاص الدم من الأم بسبب التصاقها بجدار رحم الأم ولا أجد لها توصيفا أفضل من ذلك، ثم مضغة كأنها قطعة لحم، مضغة في الفم، فمن عرف هذا الكلام للرسول الكريم؟ قارن هذا بتعريف المفسرين القدامى لكلمة علقة على أنها قطعة من الدم وتعريف مضغة على أنها قطعة لحم في حجم ما يمضغ.. ستراه تعريفا لن يعطيها حقها. خاصة إذا عرضناه على ما يصفه المنظار الإلكتروني الذي عرفها بأنها -المضغة- كقطعة اللبان الممضوغة!.

** وهل تعتقد أن هذا الوصف العلمي نهائي ووصل لدرجة الحقيقة المطلقة؟

* طبعا.. طبعا.. لقد صورت إلكترونيا!.

** فماذا لو جاء عالم بتطور علمي جديد ليقول بعد سنوات مثلا إن هناك شكلاً مغايرًا للجنين؟

* كيف؟ لا يمكن.. هذا تم تصويره إلكترونيا داخل رحم الأم.. والصورة لن تتغير!.

** هل نحن أشد إيمانا بالعلم من أهله؟!! يا سيدي كل فلاسفة العلم يقرون بأن كل شيء في العلم قابل للتطور والتغير؟

* لأن الفلسفة شيء مختلف تماما عن العلم… هذا كلام فلاسفة وليس علماء.

** أنا أتحدث عن فلاسفة العلوم!.

* ومن فلاسفة العلم؟ هم فلاسفة في الأصل وعندهم بعض العلم، لا يوجد عالم يقول هذا الكلام، العالم التجريبي يؤمن بأن تجاربه إذا وصلت للحقيقة أو وصلت لمرحلة القانون فهي غير قابلة للرفض أو التراجع، أما الذين درسوا دراسات أدبية لا يدركون هذا لأنهم بعيدون عن هذا المجال.

الإعجاز العلمي وخطايا التطبيق

** يكفي هذا في قضية المنهج ولننتقل للتطبيق.. وسنرى ساعتها قدرًا هائلاً من الدرامية والمبالغة فيما يقوله العاملون في مجال الإعجاز العلمي؛ فالصورة التي يرسمونها أن العالم التجريبي ما إن يسمع بأن ما يقوله موجود في القرآن حتى يسلم، ليس هذا فحسب بل تحدث حالة من الإسلام الجماعي التي يدخل فيها الجميع في دين الله بسبب الإعجاز العلمي.. وهذا المشهد به إشكالات كبيرة؛ فلم يكن العلم -أبدا- سببا ضروريا للهداية بحيث من يناله يهتدي، كما أن ظاهرة الإسلام الجماعي هذه غريبة جدا، وربما لا نجد لها نظيرا في التاريخ الإسلامي.. ما تعليقك؟

* أنا أفرق تفريقا كبيرا بين العلم والهداية.. فقد يكون الإنسان أعلم أهل الأرض ولا يريد الله أن يهديه.. فالهداية يمن الله سبحانه وتعالى بها على الإنسان الجاد الذي يبحث عن الحقيقة بصدق.. هذه هي الهداية. وبعض الناس تعرضوا لحقائق علمية في القرآن ولم تؤثر فيهم إطلاقا، والبعض الآخر تأثر لأن الغرب ليس كله شياطين، لأنه يوجد بينهم أناس لديهم حس إنساني كبير يبحثون عن الحقيقة بشمعة في وضح النهار، ومثل هؤلاء يحتاجون لأن تضع أيديهم على الحقيقة؛ فالذين أسلموا بالإعجاز عشرات من الناس والذين لم يسلموا مئات أو آلاف، فأنت عليك البلاغ وليس النتيجة، والقول بأن أغلب العلماء كفار هذا سببه أنهم لم يصلهم الدين وأننا لم نوصل هذا الدين.

** لكن يمكن أن أقرأ القرآن على شخص وأبصره بكل ما تقوله من إعجاز علمي فيه ولا يسلم.. أعتقد أنه لا علاقة بين الهداية والعلم التجريبي؟

* العلم هو إحدى الوسائل.. أنا أعرف سيدة أسلمت بسماع الأذان في مسجد مجاور، ولكن هناك مئات سمعوا الأذان ولم يسلموا.. إذن القضية هداية من الله.

** إذن هناك انفصال بين الاثنين: العلم والهداية؟

* لا يوجد انفصال؛ فالعلم إحدى وسائل توصيل الهداية إلى عقول الناس، وهناك من يهتدي ومن لا يهتدي، وأنت مطالب بالتبليغ، إحدى وسائل التبليغ الجيدة الآن هي العلم.. فمثلا العالم مورس بوكاي صاحب كتاب “التوراة والإنجيل والقرآن والعلم” كان يعالج بعض المومياوات وكشف عن مومياء فرعون موسى فقال: إنه مات غريقا فقالوا له: إن القرآن أثبت ذلك، فقال أنا وجدت جوفه مليئا بملح البحر، وبحسه العلمي ركز بوكاي على الآيات الكونية وأخرج هذا الكتاب.

وفي مقدمة كتابه أقر بأن الإنجيل كتاب سماوي، ولكنه تعرض للتحريف، أما القرآن الكريم فهو مليء بالحقائق، وبعد سنتين أسلم. فالعلم وسيلة لتبليغ الإسلام للناس بلغة العصر وأيسر وأبسط وسيلة للدعوة إلى الله، ولكن ليس هو الوسيلة الوحيدة؛ فلماذا أرفض العلم كمدخل وهو أثبت جدواه ونجاحه في كثير من المؤتمرات، ومؤتمر دبي الأخير الذي عقد في مارس 2004 كان من أفشل المؤتمرات، ولكن وقفت امرأة في نهاية الجلسات لتعلن إسلامها!.

** أنا عرفت تفاصيل هذا المؤتمر وكان هناك بعض الزميلات حضرنه، وأكدن لي من خلال معرفة ولقاء بهذه السيدة أنها كانت قد أسلمت قبله بأسبوعين، ولكن إدارة المؤتمر أجلت إعلان إسلامها للجلسات الختامية، إضافة إلى أن العلماء الذين حضروه أكدوا -وخاصة الأجانب منهم- أن معظم أبحاثه كانت مليئة بالمغالطات والأخطاء العلمية.

* لا لا.. لم تسلم قبلها.. نعم المؤتمر كان فاشلا لأنه لم يتم الإعداد الجيد له ولم تتم مراجعة هذه الأبحاث وكانت الترجمة مليئة بالأخطاء، ولكن هذا المؤتمر كان محفزا لهذه السيدة على إعلان إسلامها… هي كانت تسمع عن الإسلام من قبل ولكن جاء المؤتمر فهزها.

** قرأت لك حوارا في مجلة (نصف الدنيا) القاهرية أجراه الزميل عبد الرحمن سعد، وقد ذكرت فيه أنه بسبب دروس الإعجاز العلمي التي قدمتموها أثناء حرب الخليج الثانية (سنة 1991 ) أسلم 10 آلاف جندي أمريكي؟

* نعم.. بل أسلم 20 ألفا من جنود وضباط؛ من جنود إلي ضباط ولواءات ومن رجال ونساء ومن بيض وسود، أثناء الحرب.. ولكن على فترات.

** لكن ظاهرة الإسلام الجماعي لم تظهر بهذا الشكل في التاريخ الإسلامي.. في حين ينسب لك أكثر من مرة ظاهرة وحوادث الإسلام الجماعي؟

* لم يسلموا كلهم في جلسة واحدة ولكن على مراحل ودفعات…

** هل تم الإسلام بشكل فردي أم جماعي؟ أنا سمعتك تتحدث عن إسلام جماعي حدث أيضا في محاضرة بروسيا في الثمانينيات.. أسلم فيها عشرات من كبار العلماء!

* لم يسلموا كلهم مرة واحدة.. في مؤتمر موسكو أسلم عالم وأربعة مترجمين، لكن المكتب الروسي لهيئة الإعجاز قال: إن التليفزيون الروسي أعاد بث المحاضرة على الناس عدة مرات؛ وهو ما أدى الى إسلام 150 روسيًّا على فترات.

** وكيف ترى مستقبل الإعجاز العلمي؟ هل قلتم فيه الكلمة الأخيرة أم بقي ما يقال؟

* لا…لا.. الإعجاز العلمي في القرآن لن ينتهي بنص حديث الرسول صلى الله عليه وسلم “إن هذا القرآن لا تنتهي عجائبه ولا يخلق على كثرة الرد”.


 

أنهيت حواري مع الدكتور زغلول النجار وقد زادت تساؤلاتي واعتراضاتي حول الإعجاز منهجا وتطبيقا، وأري أن الاستشهادات التي وردت بحاجة للمراجعة  فحين عدت إلى حيثيات حصول هانز سبيمان علي الجائزة وجدت أنه حصل على الجائزة “لدوره في اكتشاف التأثير المنظِّم في تطور الأجنة” ولم يرد بها مطلقا أي حديث عن عظمة الذنب التي ذكرت في الحوار.

وما زلت لاأستسيغ ظاهرة الإسلام الجماعي هذه فكتب السيرة تقدر عدد من أسلموا علي يد الرسول  صلي الله عليه وسلم – صاحب الدعوة – مباشرة ببضع وسبعين صحابيا ولم تسجل حادثة إسلام جماعي علي يديه!  كما أن الأرقام التي ذكرت  تحتاج لمراجعة إذ قدر عدد الجنود الأمريكان المشاركين في حرب الخليج بنحو 50- 60 ألف جندي، وقدرت إحصائية أجراها الإمام عبد الرشيد المرشد الديني للمسلمين في الجيش الأمريكي عددهم عشية غزو أفغانستان – أي بعد عشر سنوات من حرب الخليج – بنحو  13 ألف مسلم فقط !

وبالنسبة لي ربما كانت المرة الأولي التي أسمع فيها أن روسيا “الشيوعية” كانت تذيع محاضرات الإعجاز العلمي في التلفزيون الرسمي!!

وأخيرا ..هذه بداية نسأل الله أن تفتح الباب لنقاش أوسع حول هذه الظاهرة بما يفيد الإسلام والمسلمين.