إعداد معتز الخطيب **

16/06/2005 

كادت عقوبات الحدود الشرعية تلتهم مفهوم “تطبيق الشريعة”، لكثرة ما ألح الكثيرون -من مؤيدين ومعارضين- على الحدود، وحجم النقاشات التي دارت حولها، ومدى صلاحيتها والفوارق بينها وبين القوانين الوضعية إلى غير ذلك.

وحتى حين يتسرع البعض للحكم بأن الشريعة لا تكاد تكون مطبقة في أي مكان من الأرض، فلا يمكن التسليم بذلك إلا على معنى “تطبيق عقوبات الحدود” بالشكل المعروف فقهًا. لكن دعوة طارق رمضان إلى تعليق الحدود جاءت على النقيض من ذلك القول، حتى ليُخيّل إلى القارئ أن العالم الإسلامي أطبق قاطبة على قطع أيدي السرّاق وجلد أو رجم الزناة، وصلب قطاع الطرق إلى غير ذلك!.

والنقاش حول “الحدود” المعروفة شرعًا والمدونة فقهًا، ليس نقاشًا حول مسألة هامشية، فقد خاضت كتب عديدة ونقاشات طويلة في قانون العقوبات الإسلامي، بعضها انصرف للمقارنة بينه وبين التشريعات الوضعية، وبيان سَبْق الفقه الإسلامي في هذا، والآخر انصرف إلى بيان قسوة ولا إنسانية هذه الحدود في مقابل القوانين الوضعية، ومن هنا انشغل عدد من الفقهاء بتفنيد هذه الشبهات كان من بينهم الفقيه المعروف محمد أبو زهرة رحمه الله.

لذلك لم يكن غريبًا أن أثارت دعوة طارق رمضان لتعليق الحدود الشرعية في العالم الإسلامي تلك الانتقادات، وبقسوة أيضًا، وذلك لما للحدود من اعتبارات شرعية ورمزية، فضلاً عن شكل الدعوة وواقعيتها وتوقيتها.. ومكانها أيضًا.

هذا الملف لا يهتم بمعالجة القضايا التقليدية في مسألة الحدود، وهل هي قاسية أم لا، ولا بتفنيد أو إثبات الشبهات المعروفة حولها، بل يناقش تحديدًا الدعوة لتعليق الحدود في عصرنا، والموقف منها، ويرصد جملة من الآراء والمواقف تجاهها، وكذلك يناقش حدود النظر في الأحكام الشرعية وما يمكن فيه الاختلاف وما لا يمكن، ومسألة تطبيق الشريعة وتطبيق الحدود، وواقع تطبيقها الآن، كما يهتم ببيان جانب من متغيرات الخطاب الفقهي حول تطبيق الحدود.

الملف يتفق في عدة نقاط يمكن إبرازها كالآتي:

* الشريعة ليست هي العقوبات فقط وهذا فهم مجتزأ لتطبيق الشريعة.

* الحدود معطلة في جُل العالم الإسلامي، فدعوة طارق رمضان لا مبرر لها.

* أنه كان عليه رد الأمر إلى الفقهاء والمجامع الفقهية بدلا من أن يحوله إلى مادة إعلامية.

هذه نقاط أكدت عليها معظم أوراق الملف، لكن يبقى أن طارق رمضان طرح تساؤلات عن “إطار تطبيق الحدود الشرعية” وهل هو متوفر؟ ورأى في ردوده أن تساؤلاته لم تتم مناقشتها. وأنا أرى أن ذلك يعود لارتباك الدعوة نفسها، واضطرابها في تساؤلاتها وفي شكل معالجتها.

ففي التساؤلات تساؤل عن مدى صحة النصوص الواردة في الحدود وقطعيتها، وهذا تساؤل يتعلق بأصل الحدود لا بإطار تطبيقها!. أما في شكل المعالجة فأبرز ما يَرِدُ عليها أنه لو كان يطرح تساؤلات معرفية وينتظر مناقشتها، فإن مكان هذه التساؤلات الكتابة والبحث وميادينهما، لا المؤتمرات الإعلامية، ثم إن التساؤل الذي يبحث عن معالجة علمية لا يأتي بعد حكم جازم ودعوة لنتيجة مسبقة، وإلا يصبح التساؤل عبثًا، لكن تساؤلات رمضان كانت تحمل إجابة في نفسها، وتنتظر الموافقة عليها فقط لا بحثها!.

اقرأ في الملف:

مقالات في المنهج:

تعليقات على مقال طارق رمضان:

ردود طارق رمضان:


** كاتب وباحث سوري