إعداد ومراجعة د.داليا عزت مؤمن**

نحن في العالم العربي لا نهتم اهتماما كبيرا بالرعاية النفسية للناس، ولا بالوسائل المطلوبة لاحتواء تأثير الكروب والصدمات عليهم رغم أن:

* الآثار النفسية التي تتركها الكوارث تكون في كثير من الأحيان أشد من الآثار العضوية.

* كل من يشهد الكارثة يتأثر بها نفسيا.

* الدعم النفسي يقلل من الآثار النفسية طويلة المدى للحرب.

الدعم النفسي الفوري 

الدعم النفسي اللاحق

كيفية التواصل وتكوين علاقة مع الحالات

  • من الضروري -من الناحية الإنسانية- أن أقدم نفسي لهم وأشرح لهم سبب وجودي هنا، فأذكر لهم اسمي ومهنتي وأني أتيت لأطمئن عليهم وأقف بجانبهم.

  • من الضروري أن أسأل الضحايا عن أسمائهم، وأن أستخدم أسماءهم عند الحديث معهم (أو عنهم) فأقول مثلا: “شو اللي حصل يا أحمد، أنا بدي أسمعك…”.

  • من المهم أن أنصت جيدا، وأن تكون لغة جسمي وملامح وجهي تعبر عن تفهم من تحدثه، وأن أشعر الناجي بأني أستمع وغير متعجل، وأني بسيط وغير متكلف، وأن تكون المسافة الشخصية بيني وبينه مسافة غير بعيدة ولا قريبة، وأهتم به بين الزيارات؛ أي بين جلسة وأخرى.

  • اقرأ لغة الجسد، فإذا بدأت الحديث مع إحدى النازحات ووجدت أنها “مربعة يديها” وتضع رجليها بعكس بعض، فهذا قد يُشير أنها ترفض الحديث أو أنها منزعجة جدا بدرجة كبيرة.

  • أكون على استعداد نفسي للاستماع إلى المصائب وللتعامل مع المصابين الذين لديهم حالة طبية مستقرة نوعا ما، ومع أفرد لا يعانون من إصابات بدنية على الإطلاق بل إصابات نفسية فقط.

الآثار النفسية الفورية للكوارث

مهارة الفرز النفسي:

ليس عليك أن تقدم الدعم النفسي لكل الناس، بل دورك مشابه لما يقوم به العاملون بالصليب/الهلال الأحمر، ودورهم هو مساعدة الأشخاص الذين يحتاجون إلى التدخل الطبي الفوري لإنقاذ حياتهم، لذا اعتبر نفسك في فريق “الطوارئ النفسية”، ما عليك فعله هو القيام بالفرز النفسي؛ أي التعرف على الأشخاص الذين يحتاجون إلى دعم نفسي، وكي تقوم بهذه المهمة عليك أن تجمع المعلومات من الشخص نفسه ومن ملاحظتك له والحوار معه ومع المحيطين به؛ إذ إنه ليس من المنطقي أن ننتظر من الناجين أن يأتوا إلينا طالبين الدعم النفسي؛ بل من الضروري أن نذهب إلى الناجين ونتحدث معهم.

يمكنك ملاحظة الأعراض التي في حالة ظهورها يحتاج الشخص إلى دعم نفسي:

  • الكلام غير المترابط وصعوبة التواصل الفكري.

  • عدم الراحة والهياج.

  • هلع وذعر وهروب صعب التحكم فيه، وفي بعض الأحيان الجري مباشرة نحو مصدر الخطر، فتجد من يجري في اتجاه الحريق أو القصف بدلا من النزول إلى الملجأ مثلا.

  • في أثناء الكارثة تجد شخصا يقف مكانه، غير قادر أو غير راغب في التحرك، ولا يريد أن يفعل أي شيء وانفعالاته مشوشة.

  • صعوبة في النوم.

  • سهولة الاستثارة أو “النرفزة”.

  • الإفراط في تناول المهدئات.

  • اللامبالاة والكف عن العمل.

  • اضطرابات الهضم والصداع.

  • قلة الرؤية والسمع.

  • أعراض البرد أو الإنفلوانزا.

  • صعوبة التركيز.

  • الحزن والإحباط.

  • الكسل وعدم الخروج من المنزل.

  • الإحساس بفقدان الأمل.

  • تغير المزاج والبكاء بسهولة.

الآثار النفسية اللاحقة للكوارث:

ينجم عن الكوارث علامات وأعراض نفسية بعدة ساعات أو أيام من بداية الحرب، وينتهي معظمها قبل أن تتحول إلى مرض نفسي معين، ومن الأعراض والعلامات العضوية: العرق الزائد ونوبات الدوار والتنفس السريع. ومن الأعراض والعلامات الانفعالية: الغضب والأسى والاكتئاب والصدمة الانفعالية. ومن الناحية الفكرية: يحدث خلط في التفكير، وانخفاض القدرة على الانتباه والتركيز. ومن الأعراض السلوكية: الانسحاب من الآخرين والصمت الطويل، وهناك أنواع معينة من الاضطرابات النفسية الأخرى التي تظهر في أثناء وجود تفجيرات أو قصف ومعارك، أو بعد التعرض لهذا القصف أو تلك الأزمة بفترات قد تطول وقد تقصر.

أنواع الاضطرابات النفسية لدى المراهقين والراشدين

هناك عدد كبير من الاضطرابات أو الأمراض النفسية التي يمكن أن تظهر على الإنسان نتيجة التعرض للصدمات والضغوط الشديدة، ولكن سنعرض أكثر الاضطرابات ظهورا والتي تتطلب دعما نفسيا أسرع، وفيما يلي هذه الاضطرابات:

  • التفاعل الحاد للكرب.

  • اضطراب ما بعد الصدمة.

  • الاكتئاب.

1- التفاعل الحاد للكرب:

Acute Stress Reaction:

أحد الاضطرابات النفسية التي يمكن أن يُصاب بها الإنسان هو اضطراب يعرف باسم التفاعل الحاد للكرب، ويعرف في الطب النفسي بأنه (اضطراب عابر على درجة كبيرة من الشدة يحدث للشخص، ويتلاشى عادة خلال ساعات أو أيام). ومُسبب الكرب قد يكون تعرض الشخص نفسه أو أحد أعضاء أسرته أو جيرانه المقربين أو منزله للخطر أو الإصابة أو الموت، مثلا وفيات متعددة أو حريق في المنزل، كما أن احتمال الإصابة بهذا الاضطراب يزيد إذا تواكب مع إجهاد جسدي أو عوامل عضوية.

الأعراض المرضية:

تختلف أعراض التفاعل للكرب الحاد اختلافا شديدا من شخص لآخر، لكن الأعراض النموذجية تشمل:

– حالة من التبلد، مع بعض الانكماش في مساحة الوعي والانتباه، إضافة إلى عدم القدرة على فهم ما يدور حوله والتوهان، وقد يلي هذه الحالة إما انسحاب متزايد من الموقف المحيط ربما يصل إلى حد الذهول الانشقاقي، وكأنه أصبح شخصا آخر نسي ما حدث له، وإما تهيج وزيادة في النشاط فيجري أو يهرب.

– أعراض اضطراب وظائف الجهاز العصبي المستقل (الأوتونومي)، مثل اختلال سرعة دقات القلب وسرعة أو معدل التنفس، وربما العرق والرعشة وجفاف الحلق وكثرة التبول.. إلى آخره.

– تظهر هذه الأعراض خلال دقائق من حدوث الكارثة (إن لم تكن فورية)، وتختفي خلال يومين أو ثلاثة (وغالبا خلال ساعات)، وقد يحدث فقدان ذاكرة كلي أو جزئي بالنسبة للنوبة، فينسى كل شيء أو ينسى مثلا فترة القصف.

على أية حال علينا ملاحظة أن الاستعداد الشخصي للتأثر والقدرة الشخصية على الصمود يلعبان دورا كبيرا في ظهور وشدة أعراض التفاعلات الحادة للكرب، فليس كل من يتعرض لنفس المؤثر يُصاب بهذا التفاعل.

كما يُلاحظ في وصف التفاعل للكرب الحاد، فإن السياق يتحدث عن كارثة واحدة مهما كانت شدتها، وفي الحالات التي يستمر فيها الكرب فإن الأعراض السالفة الذكر تبدأ عادة في النقصان بعد يوم أو يومين رغم استمرار القصف والكوارث الناتجة عنه؛ أي إن الإنسان يكتسب ما نستطيع تسميته بالصلابة في المواجهة، فإذا أضفنا ما يقوم به الإيمان بالله وبقدرته ومشيئته إلى هذه الصورة، فإن النتائج لن تظل سلبية بالتأكيد.

2- الضغوط التالية للصدمة:

Posttraumatic Stress Disorder:

وهو نوع آخر من الاضطرابات التي تم اكتشافها مع الحروب العالمية، وتحدث فقط نتيجة مواجهة الكوارث، ويختلف اضطراب ما بعد الصدمة عن التفاعل الحاد للكرب في أنه يحدث متأخرا بعض الشيء، والسمة الأساسية في هذا الاضطراب هي الذاكرة الصدمية، وهذا ينعكس على هيئة أعراض نفسية محددة سنوردها مع مثال لأحد الناجين من أحد التفجيرات بمصر كما يأتي:

في الانفجار الثاني اترمينا على الأرض، وبحثت عن أمي فوجدتها ملقاة على الأرض وثلاث أرباع رجلها غير موجودة، وحماتي أصيبت وابنتي، وأنا نفسي عندي شظايا في جسمي.

أ) تعرض الشخص لحادث صدمي (كارثة)، وحدث التالي:

1- مر الشخص بخبرة أو شاهد أو واجه حدثا أو أحداثا تضمنت موتا أو تهديدا بالموت أو إصابة بالغة أو تهديدا شديدا لسلامة الشخص أو الآخرين.

2- شعر الشخص بخوف شديد مع إحساس بالعجز والرعب.

شفت حالات كتيرة وإصابات كتيرة في العمليات، ولازم أتخيل المناظر دي.

ب) تتم إعادة معايشة الحدث الصدمي بطريقة أو بأخرى من الطرق التالية:

3- تذكر الحدث بشكل متكرر ومقتحم وضاغط وذلك يتضمن صورا ذهنية أو أفكارا أو مدركات.

أنام بشكل غير منتظم وأقوم مفزوعا، وأصبحت أكره النوم.

4- استعادة الحدث بشكل متكرر وضاغط في الأحلام.

“خائف إني أذهب إلى أي مكان فيه زحمة؛ لأن التفجير كان في السوق المزدحمة”

5- التصرف أو الشعور وكأن الحدث الصدمي (القصف مثلا) عائد.

ولما بافتكر اللي حصل باتعب جدا.

6- انضغاط نفسي شديد عند التعرض لمثيرات داخلية أو خارجية ترمز إلى أو تشبه بعض جوانب الحدث الصدمي.

7- استجابات فسيولوجية تحدث عند التعرض للمثيرات سابقة الذكر.

وزيارة أهلي بالمستشفى ثقيلة عليّ.

جـ) التفادي المستمر لأي مثيرات مرتبطة بالحدث، فنجده يتجنب ذكر الحادث أو زيارة المكان، كما ينفصل المصاب عن الأحداث الاجتماعية المحيطة والعلاقات الشخصية، وبالذات ما له علاقة تماس بالحادث، إضافة إلى خدر عام في الاستجابات؛ أي الشعور بالانفصال عن الآخرين وكل ما حوله، واللامبالاة وفقد الحس (بعد الحادثة جه لي ذهول مش متخيل اللي حصل).

حاسس إني مش مرتاح، ودقات قلبي بتزيد لو حصل شيء شدّ أعصابي، وباتنرفز بسرعة.

د) أعراض زيادة الاستثارة بشكل دائم: وتحدث هذه الأعراض كاستمرار لحالة التوتر الشديدة في أثناء التعرض للخطر؛ حيث ينتفض الشخص عند سماع صوت دقة على الباب مثلا أو صوت كلام أحد المحيطين به. وتشمل الأعراض الأرق ونوبات من الغضب وفزعا مبالغا فيه وحذرا شديدا، وقد يصاحب هذه الأعراض صداع وإسهال وتعب ورجفة.

بعد الحادثة بشوية زادت الأعراض، وأنا أعاني منذ أكثر من 3 أسابيع.

هـ) الأعراض مستمرة لمدة شهر على الأقل (أما إذا كانت أقل من شهر فيطلق عليها اضطراب الكرب الحاد).

مش قادر أمارس أي نشاط أو أذهب إلى العمل، مش قادر أثق في الناس ولا أتعامل إلا مع اللي أعرفهم.

و) يسبب هذا الاضطراب انضغاطا نفسيا واضحا أو يؤدي إلى تدهور في الأنشطة الاجتماعية أو الوظيفية أو جوانب أخرى هامة.

ويختلف هذا الاضطراب عن التفاعل الحاد للكرب في كونه لا يُشترط أن تكون بداية أعراضه مرتبطة ارتباطا زمنيا مباشرا بالحادث المأساوي، فيمكن أن تحدث الأعراض لأول مرة بعد فترة طويلة من ذلك الحدث ربما تصل إلى السنة الكاملة وربما أكثر، وقد تكون ذكرى مرور عام مثلا على الحدث هي اللحظة التي يبدأ عندها ظهور الأعراض، وإن كان الأغلب هو أن تكون العلاقة الزمنية أوضح من ذلك وأقرب.

وتبدأ هذه الحالة بعد الصدمة بأعراض بسيطة قد تتراوح بين بضعة أسابيع وشهور (ولكنها نادرا ما تتجاوز ستة أشهر)، واضطراب ما بعد الصدمة قد يظهر على السطح بعد شهور أو أعوام من الحدث.

العوامل المؤثرة في ظهور اضطراب ما بعد الصدمة:

1- العوامل المتعلقة بالشخص: وُجد أن الأشخاص المصابين باضطرابات نفسية سابقة مثل الاكتئاب يصبحون أكثر عرضة للإصابة بهذا الاضطراب، وقد اختلفت الأبحاث حول تأثير السن ومعظمها لم تجد علاقة بين السن ومعدل حدوث الإصابة، أما بالنسبة لجنس المصاب فقد أكدت بعض الأبحاث أن النساء أكثر تعرضا من الرجال.

2- عوامل متعلقة بالحدث: وجد أن شدة الحدث ومدى قربه أو بعده عن الشخص يلعب دورا مهما في تحديد توابعه، وتعرض الشخص لصدمات ضعيفة، ولكن متكررة يجعله أكثر عرضة للإصابة بالاضطراب عند تعرضه لصدمة أخرى ضعيفة، وكأن الصدمات المتكررة مهما ضعفت شدتها فإنها تدفع الشخص نحو الحافة أو إلى الحد الذي لا يستطيع معه أن يتكيف مع أي أحداث مؤلمة جديدة.

3- المساندة الاجتماعية: المتاحة للشخص والوقوف بجانب المصاب وتفهم حالته، فهذه المساندة تمتص جزءا هاما من الصدمات وتساعد على مواجهة آثارها.

التغير المتوقع في أعراض اضطراب ما بعد الصدمة

في بعض الأحيان يأخذ اضطراب ما بعد الصدمة بعض الوقت كي تظهر أعراضه، وهذا الوقت يتفاوت فيقصر في بعض الحالات إلى أسبوع ويطول في حالات أخرى ليصل إلى سنوات طويلة؛ أي لا يظهر هذا الاضطراب النفسي إلا بعد شهور أو سنوات!! وتتفاوت شدة الأعراض من وقت لآخر ولكنها تبلغ ذروتها في أوقات الانضغاط النفسي.

وهناك علامات تشير إلى توقع تحسن الحالة منها: ظهور الأعراض بعد وقت قصير من وقوع الحدث، قصر مدة الأعراض (أقل من ستة أشهر)، كفاءة أداء الشخصية قبل المرض، وجود تدعيم اجتماعي جيد، وأخيرا عدم وجود اضطرابات نفسية أخرى مصاحبة للحالة.

3- الاكتئاب: Depression

من الآثار النفسية للحروب والكوارث الإصابة بمرض “الاكتئاب”، ولا بد من وجود خمسة من الأعراض الآتية في مدة لا تزيد عن أسبوعين حتى يتم التشخيص:

(أ ) اكتئاب وشعور بالحزن أغلب اليوم وكل يوم تقريبا، أو يلاحظ الآخرون أنه يبدو باكيا.

(ب) ضعف التركيز والاهتمام.

(جـ) نقص الاهتمامات، وفقد الاستمتاع بأغلب الأنشطة اليومية.

(د ) فقد أو زيادة في الوزن أو تغير الشهية بالزيادة أو النقصان.

(هـ) أرق أو زيادة النوم تقريبا كل يوم.

(و ) يلاحظ الآخرون عدم الاستقرار والحركة أو التبلد ونقص النشاط كل يوم تقريبا.

(ز) الإجهاد وفقد الطاقة والشعور بالتعب الشديد حتى بعد أقل مجهود كل يوم تقريبا.

(ح) انخفاض احترام الذات والثقة بالنفس، والإحساس بالذنب الزائد وغير المناسب كل يوم تقريبا.

(ي) نقص القدرة على التفكير أو التركيز أو أخذ القرار.

(ك) تكرار فكرة الموت (وليس الخوف من الموت) أو تكرار فكرة الانتحار.

– الأعراض تسبب انزعاجا شديدا أو خللا في الأداء الاجتماعي أو الوظيفي.

– الأعراض السابقة لا ترجع إلى فقد شخص عزيز إلا إذا استمرت أكثر من شهرين.

كيف تشجع المريض للتحدث عن معاناته النفسية؟

  • قدم نفسك بشكل جيد وذلك من خلال:

    – اللقاء الأول: إن أول لقاء لك مع المتضررين يترجم بالحتم مدى تقبلهم للخدمة التي أنت لديهم من أجلها؛ فالإحساس المبدئي لمتضرري الحروب يمنح عملية المساندة النفسية أساسا قويا للنجاح أو الفشل.

    – لنجاح عملية المساندة النفسية لمتضرري الحروب تحدث عن الأزمة بمضمونها العام وأهمية أن نتحدث عنها من أجل الاستمرار.

    – اهتم بأن يشعر متضررو الحرب بتعاطفك لأوضاعهم النفسية المفجعة وليس عطفك عليهم؛ فهم بالتأكيد يقبلون التعاطف وليس العطف والشفقة.

  • اهتم بلغة الجسد: لغة الجسم هامة من حيث قربك من الناجي بدرجة مناسبة، ونغمة صوتك الباعثة على الاطمئنان من العوامل التي تساعد الآخرين على الكلام معك.

  • اصغ جيدا لما يقولون: (الاستماع الفعال)

 أنت تحاول استخراج ما بداخل الشخص فيما يخص الصدمة، وهنا يأتي دور الاستماع الفعّال؛ يعني أن تعطي من هو أمامك الفرصة كي يعبر عن رأيه، وعليك أن تقاطعه في حالة أنه يكرر ما قاله أو يتحدث في أمور خارج موضوع النقاش، وحين يتوقف الشخص عن الحديث استشعر هل انتهى من حديثه بالفعل أم أن لديه مشاعر وانفعالات عميقة من الصعب أن يتحدث عنها، وهنا اصمت أنت أيضا وإن لم يبادر بالحديث كرر آخر جملة قالها كي تحفزه على الاستمرار، وتشعره أنك تريد أن تستمع إليه.

  • مقابلتك للناجين تعتبر فرصة لاستخراج الصدمات الدفينة والحزن المبكر، ضع في اعتبارك المقولة الشعبية الضربة التي لم تمتني تزدني قوة، والاستمرار هام من أجل من فقدناهم، تكملة لتضحياتهم العظيمة، فمن أجلهم يجب أن نواصل ونستمر، لذا ضع في اعتبارك أن حوارك قد يكون هو الفرصة الوحيدة كي يعبر الناجي عن آلامه، وقد يسترجع ذكريات مؤلمة مر بها قبل الكارثة بفترات قد تطول أو تقصر، وقد يسترجع خبرات لم تكن مؤلمة لكنه يشعر بها الآن على أنها خبرات صعبة.

  • بعض الأشخاص يكونون في حالة نفسية مزرية تجعله مُستثارا وعصبيا، وقد يشتم ويقول لك إنه في غنى عن خدماتك، ودورك هنا أن تستمع إليه حتى ينهي كلامه دون أن تأخذ الموضوع بشكل شخصي، ولا تسأله أو تصر على أن تخفف عنه فاستماعك وتفهمك لحالته وتحملك غضبه هو أفضل دعم نفسي في هذه اللحظة، وأخبره أنك ستأتي في يوم آخر لتطمئن عليه، ومن المهم أن تزوره بالفعل، وهنا سيكون الحديث والتشخيص أكثر يسرا.

  • حينما تستمع إلى من تحاول تشخيص حالته، فقد لا تكون جميع الأعراض ظاهرة أمامك من خلال الملاحظة أو حتى من خلال كلامه معك، وقد تجد مجموعة أعراض من أنواع مختلفة؛ أي تجد مثلا مشاعر حزن (أعراض اكتئاب) مع تذكر متكرر لصوت الصواريخ (أحد أعراض اضطراب ما بعد الصدمة)، وهذا أمر طبيعي. اسأل نفسك ما هي الأعراض التي تتعبه أكثر؟ فإن كانت مشاعر الحزن فاسأله عن باقي أعراض الاكتئاب.

الدعم النفسي

أولوية التعامل مع الحالات: يجب التعامل النفسي مع الكارثة طبقا لعاملين:

أولا: بالنسبة للتعامل طبقا للمنطقة:

عليك أن تتعامل أولا مع الأشخاص الأقرب لمنطقة الكارثة على النحو التالي:

منطقة وقع الكارثة (مبنى سكني دُمر مثلا)

منطقة الدمار الكامل (الشارع الذي به المبنى)

منطقة محيطة بالموقع (الحي)

منطقة خارجية (الأحياء المجاورة)

ثانيا: طبقا للحالة النفسية:

اعتبر أن من حددت أن لديهم بعض التصرفات السالفة الذكر هم من يحتاجون إلى دعم نفسي قبل غيرهم.

الدعم النفسي الفوري

وجدنا الطريقة التي تُهدئ الناس وتجعلهم يشعرون بالأمان من خلال المبادئ الستة:

1- اجعل الخبرة الأولى شخصية:

قدم نفسك لهم واذكر لهم سبب وجودك هنا، اذكر لهم اسمك ومهنتك وأنك أتيت لتطمئن عليهم وتقف بجانبهم، وخاطب كل شخص باسمه.

2- طمئن الضحية واجعله يشعر بالأمان.

  • بعض الضحايا يشعر باليأس ويبحث عن الاطمئنان، فمثلا قد يشعر أنه سيموت أو أن إصابته خطيرة… إلخ، فأكد له أن الإسعافات الأولية موجودة وأنه نجا بالفعل. وإذا وجدت سيدة مثلا تخاف من تكرار القصف لنفس المكان، فهنا عليك إخبارها أن الملجأ مكان آمن، أو أن القصف إذا ما تكرر فسيكون على مناطق أخرى وليس على منطقتنا التي قصفت بالفعل، وبأن الدفاع المدني على وشك الوصول، وأنك موجود قريب منها.

  • للصدمة تأثير مدمر؛ حيث تخلق شرخا في البناء النفسي، وعلى الأخصائي النفسي (أو المتطوع) أن يتفهم أولا ويدرك صعوبة وقع الكارثة على المصاب، ويساعد الضحية على احتواء الألم النفسي في المرة الأولى، فمجرد النظر إلى الضحية بشيء من التعاطف (وليس الشفقة) والإحساس بآلامه قبل أن يتكلم، وعليه أيضا أن يساعده على التعبير عن ألمه النفسي في المرة الثانية.

3- اشملهم بالعناية الكاملة: يحتاج الضحية إلى الدفء والشراب والأكل، ومن المهم توفير الحاجات الأساسية له، في بعض الأحيان تكون هذه الاحتياجات الأولية هي الشيء الوحيد الذي يُقدم للناجين، فتسارع مؤسسات المجتمع المدني وربما الأهالي بتقديم الأغطية والطعام والشراب، وفي أحوال أخرى لا تُقدم هذه الاحتياجات إلا بعد فترة طويلة. وعلى كل الأحوال من المفترض ألا تقوم بتقديم هذه المساعدات المادية إلا من خلال المؤسسات المختصة كنوع من أنواع تنظيم التوزيع والاستفادة من كم المساعدات الموجودة، وإن كنت ستذهب كمتطوع فيمكنك أن تأخذ معك احتياجك من الماء والطعام؛ لأنك لا تدري كم الوقت الذي ستمضيه هناك ولا تعرف مدى توفر الطعام والماء بالنسبة لك.

  • المساندة عن قرب تساعد الضحايا الذين واجهوا الموت أو الأذى النفسي والإصابة البدنية، ومن المهم توفير الدعم النفسي لهم.

  • من المهم توفير حاجاتهم الاجتماعية؛ فقد يطلب أحدهم الاتصال بشخص آخر، فمن المناسب أن نوفر للناجين هواتف محمولة للاتصال أو لإرسال رسالة عبر المحمول، للاتصال بذويهم وطمأنتهم أو لكي يقدموا إلى المستشفى أو مجرد حتى لطمأنتهم أنه لا يزال على قيد الحياة.

  • اهتم بالحاجات المعرفية (العقلية) وأجب عن أسئلتهم.

  • اشرح لهم ما حدث بالفعل وما يحدث الآن، بمعنى أن عليك أن تشرح لهم ما حدث من حيث نوع الكارثة وتوافر الإسعافات الأولية وسيارات الإسعاف، فالإنسان حين تحدث كارثة قد لا يفهم ما الذي يحدث من حوله بل وقد يفقد ذاكرته مؤقتا فينسى ما حدث، فكلما توافرت المعلومات من خلال وسائل الإعلام المرئية والمسموعة كان ذلك مفيدا.

4- اهتم بهم وأبعدهم عن مصدر الخطر.

  • الضحايا في حالة صدمة وعلينا أن نبعدهم عن كل مناخ عدواني. يُصاب كثير من الناس أثناء القصف بحالة غضب واستثارة وربما هياج، فعليك أن تدرك بوادر الشجار أو العنف -سواء من المصابين أو المسئولين عن التعامل مع الكارثة-، وهنا عليك أن تبعدهم عن هذا العدوان وتلطف الأمور بقدر الإمكان.

  • من المهم أن نحميهم من إزعاج الإعلاميين والشرطة، في بعض الأحيان يصل الإعلاميون إلى مكان الكارثة قبل العاملين بالدفاع المدني وغيرهم من المسئولين عن التعامل مع الكوارث، ويحاول الإعلاميون والصحفيون تحقيق سبق صحفي فيبدءون بالحوار مع الناجين من الكارثة، وهؤلاء الناجين لا يكونون في حالة نفسية تسمح لهم بالمزيد من الضغط النفسي عليهم. هنا تصرف بشيء من الحزم في إبعاد الصحفيين عن المصابين. ومن المفروض أن يُخصص مكان معين للإعلاميين ويلتقي بهم شخص متخصص كل ساعة لإعطائهم معلومات عما يجري، وبعد انتهاء عمليات الإنقاذ يتم إلقاء خطاب صحفي يعلن فيه عن الحادث ومكانه وزمانه وعدد الجرحى وما إلى ذلك.

  • في بعض الأحيان من المفيد إبعاد الضحية عن أسرته حتى تتم الإسعافات الأولية، فحين تشاهد الأم ابنها ينزف دما من المتوقع أن تصرخ مثلا “يا حبيبي يا ابني…”؛ وهو ما يجعل الابن يشعر أنه في حالة سيئة أو أنه على وشك الموت، وفي أوقات أخرى يصر الأهالي على احتضان المصاب وربما حمله بطريقة خاطئة لا تتناسب مع إصابته، أو يحيطون بالمصاب بطريقة تمنع المسعفين من أداء دورهم، فتكدسهم حول المصاب بنوبة قلبية مثلا تقلل من وصول الأكسجين اللازم لإسعافه.

5- المناقشة الجماعية.

    • لا تعتمد المناقشة على أن تُلقي أنت خطبة أو تقول كلاما معينا، بل دع الضحايا يتحدثون معا إذا شعرت أن ذلك مناسبا، أي كلما شعرت أنهم في حاجة إلى التنفيس عما بهم، وأحسن الاستماع إليهم.

– إذا كانت المناقشة الجماعية تتم بينك وبين أسرة أصيب كل أو معظم أفرادها، فإن الدعم النفسي قصير المدى يجب أن يركز على القدرة على تكيفهم وتأقلمهم مع الحياة من جديد.

– المناقشة بين الأفراد الناجين قد يخلق شعورا داخل كل منهم بالانتماء للمجتمع الإنساني، وأن هناك من يشاركهم الإصابة والألم، فتواجد الناس في مكان واحد (خيمة أو ملجأ أو فصل بمدرسة…) يجعلهم يشعرون أنهم أصبحوا ما يشبه الأسرة الواحدة فيخافون على بعضهم، وعلى الأطفال الموجودين معهم بنفس المكان، حتى إن لم يكونوا أطفالهم.

  • المناقشة الجماعية تسهل التعامل مع الآلام الناتجة من الصراع حول الوجود الإنساني، وإلا قد يستحيل العودة إلى الحياة الطبيعية.

  • من الممكن أن نتوقع حدوث شجار بين أشخاص لا يعرفون بعضهم تم إجلاؤهم إلى مخيمات، ولكن المناقشة الجماعية بين أفراد الخيمة يقلل من الصراعات المتوقعة وتقلل العنف المحتمل.

6- أعطهم مؤشرا للتدعيم النفسي.

عليك أن تلاحظ الأعراض المرضية والتصرفات المختلفة، وإذا لاحظت مثلا عرضين من أعراض اضطراب ما بعد الصدمة كتذكر الحدث بشكل متكرر ومقتحم (انظر اضطراب ما بعد الصدمة)، واستطعت تحديد هذه الأعراض المرضية لدى أحد الناجين فعليك أن تشير إلى أنه في حاجة إلى الدعم النفسي اللاحق، فنجد أن الخوف والهلع والإحساس بالذنب كلها تُعبر عن وجود صدمة نفسية، دوّن أسماء هؤلاء الأشخاص ومكانهم حتى تقدم لهم مزيدا من الدعم النفسي فيما بعد.

الدعم النفسي اللاحق

لمن تقدم هذه الخدمة؟

– للضحايا والنازحين.

– المسعفون.

– المتخصصون (أطباء – ممرضون – عمال – ….)

أين ومتى؟

– أنسب وقت أن يتم بعد يومين إلى عشرين يوما من حدوث الكارثة.

– يمكن إجراؤه بعد انتهاء الحرب بإذن الله، ويمكن إجراؤه في أثنائها.

– في مكان آمن وهادئ ومغلق، وإن كان المكان هو مستشفى أو مدرسة، فضع في اعتبارك أنك قد تُفاجأ بعدد كبير من أسر الضحايا وأقاربهم وأصدقائهم وغيرهم، فعليك أن تتصرف بحكمة ولباقة، وأن تتحدث مع الجميع كأنها جلسة عائلية.

أنواع الدعم النفسي اللاحق:

1- المناقشة الجماعية:

  • تجري للأشخاص الذين واجهوا أحداثا حرجة ويحتاجون للمقابلة للتحدث عن تجاربهم.

  • للأطفال في المدارس، كالأطفال الذين تُقصف مدارسهم أو أماكن قريبة من مكان تجمعهم.

  • لمجموعة من الناجين.

أهداف المناقشة الجماعية:

إعادة تقويم الخبرة الصدمية في ضوء المكاسب والأهداف، ومحاولة تكوين معنى لما جرى، هناك دوما دروس مستفادة من الأحداث الضاغطة، منها أن يصبح الإنسان أكثر صبرا وجلدا وعاطفية واهتماما بالآخرين، “فما لا يقتلني يقويني”، الحمد لله أن الأمور كان يمكن أن تكون أسوأ.

مميزات المناقشة الجماعية:

* تعطى التفاعلات الناتجة عن تجارب المشاركين مصادر وقوة غير متوقعة داخل المجموعة، فحين ترى الأم التي فقدت ابنا واحدا، أما أخرى صامدة قد فقدت خمسا من أبنائها، تصبح أكثر صبرا.

* إن المشاركة في مجموعة تخلق داخل المشاركين شعورا بأنهم ينتمون إلى المجتمع الإنساني، وتزيد من الترابط الاجتماعي.

* مقارنة النفس بالآخرين تيسر التعامل مع بقايا الألم، وبدونها قد يصعب استئناف الحياة العادية.

2- التفريغ النفسي:

ما هو؟ هو نوع من أنواع الدعم النفسي الذي يساعد على التخفيف والوقاية من الكرب المصاحب للأحداث لدى الأشخاص العاديين الذين مروا بظروف ضاغطة غير طبيعية، وهدفه هو الوقاية من الدخول في حالة نفسية مزمنة، ويتم عن طريق مساعدة الناس على إعادة التفكير في الأحداث الصدمية من منظور آخر، ومن ثم تتغير انفعالاتهم ومشاعرهم المترتبة على تغيير أفكارهم.

يعتمد التفريغ على ثلاثة مكونات علاجية:

  • التنفيس عما بداخل الإنسان في ظل وجود مجموعة تسانده وتدعمه.

  • جعل الاستجابات طبيعية.

  • تعلم ردود الفعل النفسية في فترة ما بعد الحدث.

يتكون هذا الأسلوب من مراجعة الحدث الصدمي، وتشجيع التعبير عن الانفعالات، رؤية الأحداث من منظور آخر جديد، وعادة ما يتم على شكل جلسة جماعية واحدة وممتدة (غير محددة الزمن).

هذا النوع من التدخلات يجرى للمتخصصين الذين يعملون معا في جو متشابه بعد حدوث الكارثة مثل:

– المسعفون العائدون من الموقع.

– مجموعة أشخاص واجهوا الكارثة.

– المتطوعون لتوزيع المساعدات الذين واجهوا أخطارا حقيقية في أثناء عملهم.

– الأطباء الذين شاركوا في تصنيف المرضى.

– العمال الذين تعاملوا مع جثث الموتى.

خطوات التفريغ النفسي:

    • يبدأ الأخصائي النفسي أو مدير الجلسة (الميسر) بمقدمة عبارة عن وصف مختصر لهدف هذه الجلسة الجماعية.

    • يُطلب من الحاضرين أن يشركوا الآخرين في خبراتهم المتعلقة بالحدث الصدمي، بدءا من وصف أين كانوا حين سمعوا لأول مرة عن الكارثة، ويستمرون في الحديث عن خبرتهم. وعلى ميسِّر الجلسة أن يشجع الحاضرين على وصف خبرتهم من ناحية:

أ) الأفكار التي خطرت ببالهم.

ب) الانفعالات التي شعروا بها.

ج) أفعالهم تجاه ما حدث أي تصرفاتهم.

د) ويمكن أن نشجعهم أيضا على وصف أكثر اللحظات المخيفة أو المؤثرة.

ويعبر المُيسر على تقديره لشدة الخبرة، وفي الوقت نفسه يؤكد على تشابه ردود الفعل ويعيد صياغة الفشل الذي يشعرون به على أنه شيء متوقع عند حدوث الحروب والأزمات.

  • يقوم كل منهم بشرح الأعراض التي ما زال يعانى منها: (جسدية – وجدانية- معرفية). ونجد أن بعض المشاركين قد يشعرون بالندم أو العار، ومن المهم أن يعبروا عن ذلك، فهي اللحظة التي تساعد كلا منهم على أن يتعرف عمن لديه تجربة صدمية ويحتاج إلى نوع آخر من المساعدة النفسية (علاج نفسي).

  • يشرح كل منهم كيف يتصور المستقبل وحجم التغير الذي طرأ في حياته، ويمكن للمُيسر أن يقدم لهم نصائح تتعلق بالانفعالات المتوقعة، وقيمة المشاركة في هذه الخبرة، وأهمية الرجوع إلى مزاولة الأنشطة السابقة بسرعة؛ أي القيام بالأنشطة التي كان يمارسها كل منهم قبل حدوث الكارثة؛ كي نقلل من التجنب الرهابي (أي تجنبها للخوف منها).

  • الخلاصة: يقوم عضوان من المجموعة بتلخيص ما فهموه من عملية التفريغ.

  • من الخطوات السابقة يمكن التعبير عن رؤية الحاضر والماضي والمستقبل.

كثيرا ما يشعر بعض الناس بالذنب والخجل بعد أن أصبحوا ضحايا، فمثلا نحن نتحدث عن إحساس أحد الناجين بالذنب كما نتحدث عن خجل شخص تعرض لسوء المعاملة، نبدأ من داخل الشخص (شعور وأفكار) لنصل إلى الخارج (سلوك).

كن مستعدا للتعامل مع:
– لحظات الصمت تظهر من لحظة إلى أخرى، في أثناء حديث المتضررين تأكد أنها مهمة في المساندة النفسية فلا تقطعها إلا في الوقت المناسب، أي حاول أن تصغي وتقرأ بلحظات الصمت هذه، وفي الوقت المناسب بصوت معتدل قل للمتحدث أحب أن أسمعك، ماذا بعد؟.
– بعد لحظات الصمت هناك الكثير قد يكون الصراخ أو الحديث ببكاء أو البكاء فقط أو الاختناق، كن مستعدا لكل ما يحدث وتمتع بالمرونة؛ وهو ما يساعدك في اختيار البدائل كتنفيذ تمرين استرخاء بالشهيق والزفير وقت إدراكك أن المتحدث في حاجة للتنفس وأن هناك حمولا وهموما جاثمة على صدره.
إذا أدركت أن المتحدث بحاجة لأخصائي أو طبيب نفسي فبلغ المؤسسة في التقرير اليومي للمساندة ومساعدة للأفضل. لا تحمل كل المهام على عاتقك.

يمكن أن يُستخدم التفريغ النفسي فرديا بنفس طريقة استخدامه أو جماعيا، ولكن الدراسات أجمعت على أن الجلسات الفردية يمكن أن تؤدي إلى ظهور الأعراض النفسية بعد فترة بدرجة أكبر من الجلسات الجماعية، وميزة الجلسة الجماعية أنها توفر الوقت والجهد ولكنها تقدم بيئة تشبه (حضن الأم)؛ حيث تصبح المجموعة محل التواصل والثقة والإحساس بالأمان.

بعد الجلسة الجماعية يحضر أعضاء المجموعة محاضرة حول الشفاء بعد الكوارث؛ حيث نقدم معلومات عن ردود الأفعال الطبيعية للأزمات وكيفية التعامل معها (مذكورة بالأسفل).

المساندة المستمرة:

دورك الذي تقوم به سينتهي في فترة قصيرة، وعليك أن تحتفظ باسم وعنوان الشخص الناجي، وكذا طرق الاتصال به وقم بالاتصال به كل فترة حتى تطمئن على حالته، كما عليك أن تؤكد على دور الأشخاص المحيطين بالناجي فتنشيط شبكة الدعم الاجتماعي (أو ما تبقى منها) بدءًا بالأسرة (أو بعض أفرادها الموجودين) والمسجد أو الكنيسة وجمعيات المساندة الأهلية؛ فللرموز والقيادات الدينية دور في مساعدة الصغار والكبار على استيعاب الأحداث الدامية والتعامل معها بشكل تكيفي من خلال إعطاء المعنى الإيجابي لها من وجهة نظر دينية أعمق، إضافة إلى أثر المفاهيم والأخلاقيات والممارسات الدينية على تماسك الأسرة والعائلة والمجتمع تحت مظلة التكافل الاجتماعي والتراحم والتلاحم.

كيف نتعامل مع الضغوط؟

كيف تؤثر الضغوط علينا؟

تؤثر علينا الضغوط أردنا أم أبينا، ويظهر ذلك علينا من الناحية الجسمية والفكرية والانفعالية والسلوكية.

الناحية الجسمية:

قد يظهر لدى البعض عرق زائد ودوار وتنفس سريع، وارتفاع ضغط الدم، وزيادة ضربات القلب.

الناحية الفكرية:

انخفاض القدرة على الانتباه والتركيز، وظهور أفكار مخيفة إضافة إلى التفكير فيما يحدث حولنا ومحاولة فهمه.

من الناحية الانفعالية:

الغضب والخوف والقلق والحزن والاكتئاب.

من الناحية السلوكية:

تتغير أنماط السلوك التي اعتدنا عليها وقد تنسحب من الآخرين ونصمت لفترات طويلة.

هل الحرب تعتبر حدثا ضاغطا؟

الأحداث ليست ضاغطة في حد ذاتها! ولكن ذلك يعتمد على طرق تفسيرنا لها، ومدى قدرتنا على التكيف معها، فإذا كان الأذى والتهديد شديدا والقدرة على التكيف ضعيفة يحدث ضغطا كبيرا، وعندما تكون القدرة على التكيف عالية يقل الضغط.

كيف نستطيع التكيف مع الضغوط؟

يستطيع معظمنا التكيف مع الضغوط متوسطة الشدة ومع الضغوط التي يمكن التنبؤ بها في البداية أي حكاية أو موقف مُهدد إلى ضغط، ولكن تقل ردود الأفعال هذه بمرور الزمن، وعلينا أن ندرك أن بعض الضغوط لا تؤدي إلى حالة مزاجية سيئة ولا إلى انزعاج.

واجه الضغوط الآن:

هناك بعض الناس يشعرون باليأس عندما لا تتغير خططهم كما يريدون، وهناك آخرون قادرون على مواجهة التحديات والعقبات بثبات؛ حيث يستخدمون كل إمكانياتهم الشخصية والاجتماعية في التعامل مع الضغوط.

إمكانياتك الشخصية:

ابتعد عن السلبية: إن الأفراد الذين شاركوا في الحروب أو الخدمة العسكرية بدون أمل كانت حالتهم أسوأ من الذين كانوا متفائلين، ويدركون أن المشاركة بالحرب ليست أمرا هينا لأنها الحرب.

القدرة على التحمل:

الأفراد الذين لديهم قدرة على التحمل لديهم صحة نفسية وجسمية، والأحداث وإدماجها في الحياة والاستفادة منها في المستقبل وكذلك التركيز على المشكلات بدلا من التركيز على الذات أو فعالة، وأيضا البحث عن المساندة الاجتماعية.

تفاءل: ركز على الجوانب الإيجابية في الأحداث الجارية، وثق في رب العالمين، وحاول أن تسترخي ولا تُحبط بسهولة، وتوقع الخير، فالأفراد المتفائلون كان شفاؤهم من العمليات الجراحية أسرع وعاشوا بعد العمليات بصورة أفضل من المتشائمين.

كن فاعلا وليس مفعولا به: القدرة على التحكم في النفس في بعض الأحداث الضاغطة يساعدك على التكيف معها وله آثار مفيدة على أطفالك، فأنت قادر ولديك كفاءة على التصرف بما يفيدك.

عوامل شخصية أخرى: الأفراد الذين لديهم “ثقة بالنفس” وتقدير عال لذاتهم أكثر قدرة على التكيف، كذلك “الضمير الحي” أصحابه أطول عمرا وأكثر نجاحا في تجنب المواقف التي تؤذيهم، كما أن الأفراد “المتفائلون” يتكيفون بكفاءة أعلي.

التدين: الإيمان بأن الله كتب لنا الخير، وهو الصمد الذي نلجأ إليه، وفهم أهمية الحرب وقيمة الشهيد والصلاة والدعاء، كلها أمور تساعد على الإحساس بالراحة والسلوى والصبر، وعلى الرضا عن الحياة بل والسعادة أيضا.

تجنب الأشياء المزعجة: إذا كنت تشعر أنك غير قادر على التعامل مع التهديدات التي يُحتمل أن تحدث في المستقبل فتجنب التفكير فيها، وتجنب أيضا التركيز على انفعالاتك الذاتية.

الفضفضة: إن الناس الذين يتعرضون لأحداث جسيمة ولا يستطيعون التحدث عنها تبقى بداخلهم وتؤدي إلى أفكار وسواسية لسنوات، احكِ عن نفسك أمام الآخرين الذين تطمئن إليهم وعبر عن مشاعرك وآلامك وأفكارك، فهذا سيجعلك تشعر أنك تخلصت من حمل ثقيل.

ثانيا: المصادر الاجتماعية:

المساعدات المالية: استفد من الإمكانات المادية المتاحة لك، ولا أقصد بذلك المال، ولكن الأشياء الملموسة من حولك مثل: الأسرة – الأصدقاء – الوقت – العمل، فتوافر بعض هذه الأشياء أمر رائع، فالوقت المتاح لك مثلا الآن في الدعاء والعبادة والتحدث مع الآخرين لم يكن موجودا من قبل مع زحمة العمل والواجبات.

المساندة الاجتماعية: ابحث واقترب من الآخرين الذين تشعر معهم بالراحة والسلوان، فهؤلاء يقدمون لك: مساعدة ملموسة، مساندة انفعالية، معلومات، الوقوف بجانبك، فقد تجد من يساعدك بالمال أو الطعام الذي تحتاجه، أو من يفكر معك في كيفية تعويض ما فقدته، أو يقترح عليك تصرفات معينة لمواجهة الضغط وباقتراح حلول ممكنة لمشكلاتك، أو من يطمئنك ويشعرك بأنك إنسان له قيمته، فالجنود الذين يعملون في فريق يشعرون بضغط أقل من الذين يعملون منفردين.

لاحظ أن من المفيد أن تبحث عن نوع المساندة التي تحتاجها.

المحافظة على الصحة النفسية لفريق العمل

عليك كمسئول عن “فريق الدعم النفسي” التأكد من أن كل أعضاء فريقك الذي قابل النازحين والناجين في صحة نفسية جيدة؛ لذا قم بعمل جلسة أخرى للتفريغ النفسي لهم، ومن الأنسب أن تنظم جلسة تفريغ نفسي جماعي، وإذا ما رفض شخص أو أكثر من أعضاء فريقك حضور الجلسة، فإن هذا لا يعني -على الإطلاق- أنه في غنى عنها، لذا يمكنك في وقت لاحق أن تقوم بجلسة “غير رسمية” والتي يمكن أن نسميها جلسة “فضفضة” لمن رفض الحضور، فعملية “الفضفضة” (التحدث بشكل غير رسمي مع الزملاء)، قد تكون طريقة بديلة مناسبة لبعض أعضاء الفريق.

نقاط هامة بالنسبة للمتطوع

أخطاء يقع فيها المتطوع:

  • التعاطف والشفقة.

  • التوحد أو “التقمص” بالضحايا؛ أي أتصور حالتي النفسية كحالة الضحية.

  • الانبهار: أي أخذ فترة طويلة في الانشغال الذهني بالضحايا، وابتعد عن أي شيء غير هؤلاء الناس.

  • الحياد أو البرود.

  • الحكم.

حماية المتطوع لنفسه:

كي أحافظ على صحتي النفسية حين أتعامل مع ضحايا الحرب عليّ الالتزام بالآتي:

  • تكون لدي معلومات جيدة.

  • لا أخرج عن حدود دوري.

  • أسيطر على مشاعري.

  • يعتمد الجهد على فريق مؤسسي.

  • دراسة طرق التفريغ النفسي.

  • حاول قراءة الدليل والعودة إليه كلما لزم الأمر؛ ففيه ما يساعدك في تأدية مهمتك التطوعية بنجاح.

ملخص شكل العمل المطلوب:

  • التعارف والاستماع.

  • اكتشاف الحالات.

  • نقل المعلومات إلى الضحايا.

  • توجيهها.

  • حماية النفس.

ملحق (1)

استمارة تسجيل حالة

العمر:

الجنس:

الحالة الاجتماعية:

التعليم:

العنوان:

المساعدات التي حصل عليها:

المساندة الاجتماعية والمادية المتاحة له:

الأعراض النفسية التي لاحظتها عليه:

حالته النفسية قبل الحرب: هل كان يعاني أو أحد أفراد أسرته من اضطرابات نفسية

هل ترى أنه من المناسب تحويله إلى العلاج النفسي؟

لا                               نعم

ملحق (2)

حافظ على صحتك النفسية

كيفية التأقلم مع الكارثة

بداية يجب أن تكون على علم بالمعلومات الآتية:

1- لا أحد يشهد الكارثة ولا يتأثر بها سواء نفسيا أو ماديا.

2- طبيعي جدا أن يشعر الإنسان بعدم الأمان والخوف على نفسه وأهله وأصدقائه في أثناء الكارثة.

3- يعتبر الحزن والغضب ردود أفعال طبيعية للكوارث المفاجئة.

4- يجب قبول المساعدات من المؤسسات والهيئات المختصة لحل المشكلات النفسية والمادية.

5- كل إنسان لديه احتياجات مختلفة وطرق مختلفة للتخلص من هذه المشاكل.

طرق الحد من الضغوط النفسية المصاحبة للحرب:

1- تحدث مع أي شخص عن غضبك والمشاعر والأحاسيس التي بداخلك.

2- اطلب المساعدة واستشر المؤسسات المختصة بالصحة النفسية.

3- لا تجعل نفسك مسئولا عن الأحداث، ولكن يمكن أن تكون ضمن الأفراد الذين يقومون بعمل الإسعافات الخفيفة.

4- كن أكثر نشاطا وزد من التفاعل الاجتماعي والمشاركة الفعالة لتجنب الضغوط النفسية التي يمكن أن تحدث لك نتيجة الحرب.

5- اقضِ وقتك مع الأصدقاء والعائلة، والجأ إلى أشخاص معينين من الأصدقاء والعائلة الذين لهم تأثير لتخفيف الأعباء النفسية.

بالنسبة للأطفال:

1- الحروب تجعل الأطفال يشعرون بالخوف وعدم الأمان والبكاء المستمر، لذلك على الآباء والمدرسين ملاحظة ذلك للتدخل في الوقت المناسب.

2- ردود أفعال الأطفال مختلفة؛ فمنهم من يتأثر نفسيا بعد الكارثة مباشرة، والبعض الآخر يظل في حالة جيدة لمدة أسابيع أو شهور، ثم يبدأ في الاضطراب النفسي.

3- اطمئنان الطفل وقت وقوع الكارثة مهم جدا، مثل وضع الطفل في حضن أمه وتهدئته بالكلام، وبالنسبة للأطفال الأكبر سنا يجب الرد على أسئلتهم بكل أمانة عن الوضع مع الأخذ في الاعتبار عدم الشرح التفصيلي الذي يرعب الأطفال.

4- يجب تشجيع الطفل لكي يبتعد عن عواطفه وانفعالاته بالكلام أو المناقشة أو الرسم، ويجب إبعاد الأطفال بقدر الإمكان عن وسائل الإعلام التي تعرض وتتحدث عن تفاصيل الحرب.

5- يجب تقليل الواجبات المدرسية، وتشجيع الطفل على الإبداع والتفكير.

يسمح لإخواننا بلبنان الطبع والتصوير

عودة


** مدرسة علم النفس بآداب عين شمس، مؤسسة مركز الدعم النفسي في الكوارث – عضو مركز التدريب على طب الأزمات.