أحمد تمام

 

عبد العزيز جاويش

احتلت بريطانيا مصر سنة (1300 هـ = 1882م) بعد فشل الثورة العرابية، وبسطت سيطرتها المالية والإدارية ومدت نفوذها إلى كل شيء، بعد أن ألغت الجيش الوطني، ووضعت على رأس الشرطة ضابطا إنجليزيا، وألغت الدستور والمجلس الوطني، ووضعت في كل وزارة مستشارا إنجليزيا يصرفها كيفما شاء.. وأصبح كرومر المندوب السامي البريطاني بيده زمام الأمور في مصر، وكان رجلا ماكرا يسعى لتكريس الاحتلال وصنع أجيال جديدة مقطوعة الصلة عن تراثها وماضيها، وقطع في ذلك أشواطا بعيدة.

غير أن ما يجري على السطح وفق مشيئة المحتل المستبد كان غير ما يعتمل في نفوس الأمة وما تحمله في دمائها طيلة أربعة عشر قرنا من العروبة والإسلام والعزة والإباء؛ حيث لم تفلح محاولات هذا العدو الخبيث في اجتثاث الماضي وعزله عن حاضر الأمة، وكان تيار اليقظة يجري هوينا بصوت قوي وخطا واثقة يهز النفوس هزًّا ويبعث الحياة في الأجسام الواهنة ويحرك العقول الجامدة كي تستنهض وتفيق، وكان يقود اليقظة في هذه الفترة محمد عبده، ومصطفى كامل، ومحمد فريد وجدي، ومحمد رشيد رضا، وعبد العزيز جاويش.

المولد والنشأة

شهدت الإسكندرية مولد عبد العزيز جاويش في (12 من شوال 1293 هـ = 31 من أكتوبر  1876م)، ونشأ في أسرة كريمة تعمل بالتجارة، وحفظ القرآن الكريم، وتعلم مبادئ القراءة والكتابة، واتجه إلى مواصلة التعليم، ولم يجد في نفسه ميلا إلى العمل بالتجارة مثلما يعمل أفراد أسرته، وفشلت محاولات والده في ترغيبه في العمل، فسمح له بالسفر إلى القاهرة والالتحاق بالأزهر سنة (1310 هـ = 1892م)، وهو في السادسة عشرة من عمره، وكان الأزهر في هذه الفترة يحاول أن ينفض عنه غبار الزمن ويسترد بعضا من عافيته ويعود سيرته الأولى يقظة ونشاطا، وحمل عبء هذا الإصلاح الإمام محمد عبده، والشيخ محمد الإنبابي شيخ الجامع الأزهر.

غير أن عبد العزيز جاويش لم يستمر في الأزهر سوى عامين وتركه، والتحق بمدرسة دار العلوم بعد أن اجتاز اختبارا صعبا بين يدي لجنة تضم عشرة من كبار رجال العلم تمتحن المتقدمين في دقائق الفقه والتفسير والنحو والبيان والبديع والإنشاء والتاريخ.

وفي المدرسة تفتحت مواهب الطالب النابه فتفوق في الطبيعة والفلك، ونبغ في علوم العربية، وشارك في مواقف القول ومحافل البيان خطيبا مفوها وشاعرا نبيها، حتى أتم دراسته في المدرسة وحصل على شهادتها سنة (1315 هـ = 1897م) وهو في الحادية والعشرين من عمره.

السفر إلى إنجلترا

وبعد التخرج عمل مدرسا في مدرسة الزراعة، ثم لم يلبث أن اختير للسفر إلى إنجلترا والتحق هناك بجامعة برورود، وتلقى هناك علوم التربية والطرق الحديثة في التدريس، وظل هناك ثلاث سنوات عاد بعدها إلى القاهرة سنة (1319هـ = 1901م) ليعمل مفتشًا في وزارة المعارف، غير أنه لم يمكث في هذه الوظيفة سوى عام ونصف رجع بعدها إلى إنجلترا ليعمل أستاذا للغة العربية في جامعة أكسفورد، وظل هناك في وظيفته خمس سنوات أتيح له خلالها التمكن من الثقافة الإنجليزية، وفهم طبيعة الإنجليز، وتعرف طرائق حياتهم، وفي أثناء إقامته بإنجلترا اختير عضوا في مؤتمر المستشرقين الذي عُقد بالجزائر سنة (1323 هـ = 1905م)، وفي هذا المؤتمر رد على محاولات بعض المستشرقين في الطعن في القرآن، في لغة بليغة وبرهان قوي، وهو ما أثار إعجاب الحاضرين، ونال تقديرهم وإجلالهم له.

العمل بالصحافة

عاد جاويش من إنجلترا سنة (1324 هـ= 1906م) ليعمل مفتشا عاما في وزارة المعارف، لكنه ترك منصبه الرفيع في سنة (1326هـ = 1908م) ليتولى رئاسة تحرير جريدة “اللواء” التي كان يصدرها الحزب الوطني، وكانت مبادئ الحزب تلقى استجابة عنده، وتجد هوى وقبولا في نفسه؛ فلم يتردد حين عرض عليه الزعيم الوطني الكبير محمد فريد رئيس الحزب رئاسة تحرير الجريدة، ولم تفلح محاولات سعد زغلول وزير المعارف آنذاك في إثنائه عن استقالته من الوزارة.

وبتولِّيه رئاسة تحرير جريدة “اللواء” بدأت مرحلة جديدة في حياته لخصها هو في مقاله الأول، الذي نشر في (1 من ربيع الآخر 1326 هـ = 3 من مايو 1908م)، وجاء فيه:

“باسمك اللهم قد استدبرت حياة زادها الجبن وخور العزيمة ومطيتها الدهان والتلبيس.. وبيمينك اللهم أستقبل فاتحة الحياة الجديدة، حياة الصراحة في القول، وحياة الجهر بالرأي، حياة الإرشاد العام، حياة الاستماتة في سبيل الدفاع عن البلاد العزيزة… سيسير اللواء على ما كان عليه خادما للأمة المصرية، مدافعا عن الأريكة الخديوية ما حرصت على مصالح رعاياها، مجاهدا الإنجليز ما بقوا في بلادنا، حاثا على الفضيلة والأخلاق الكريمة، داعيا إلى توحيد عناصر الأمة على اختلاف مللها ونحلها…”.

وبدأت مقالاته تتوالى دفاعا عن الأمة وصيانة لحقوقها، وهجوما على الاستعمار وأذنابه والقصر ورجاله، ولم تشغله القضية الوطنية عن قضايا العالم الإسلامي، فإذا كان يرى حق الأمة المصرية في الحرية والجلاء والدستور، فإنه يراه أيضا حقا للعالم الإسلامي، وكان يؤمن بوحدته تحت راية الدولة العثمانية التي يرى في تمزيقها ضياعا للوطن وتمكينا للعدو؛ ولذلك هاجم أحمد لطفي السيد وشن عليه حملة عنيفة حين عارض معاونة مصر لطرابلس التي تعرضت للغزو الإيطالي.

وكانت مقالاته الصادقة وحملاته على المفسدين تؤرق الاحتلال ورجاله، ووجدوا فيها خطرا داهما على نفوذهم وتنبيها للأمة من غفلتها وإيقاظا لها من سباتها؛ فجابهوا جاويش بالمحاكمة والسجن، لكن ذلك لم يزده إلا صمودا وثباتا، فلما اشتد الخناق عليه وأحس بتعقب الاحتلال البريطاني له وتدبير مؤامرة لنفيه أو محاكمته محاكمة ظالمة اضطر إلى مغادرة مصر والهجرة إلى تركيا سنة (1331هـ= 1912م).

في الهجرة

غادر جاويش مصر في جمادى الأولى (1330 هـ = مارس 1912م) إلى تركيا، وكان يحكمها رجال حزب الاتحاد والترقي وكانت له بهم معرفة وثيقة، ولم يكن يرمي جاويش من توجهه إلى تركيا طلب الراحة والركون إلى حياة الدعة والهدوء، بل ذهب إلى هناك ليستأنف نضاله ويعاود نشاطه وكفاحه؛ فأنشأ هناك صحيفة “الهلال العثماني”، وجعل هدفها الدفاع عن حقوق مصر في الحرية والاستقلال ومناهضة الإنجليز في كل مكان، وبعدها أصدر جريدة “الحق يعلو”، وكانت تصل إلى مصر وتلقى إعجابا وتقديرا.

وفي أثناء إقامته بتركيا تزعم مع أنصار الحزب الوطني الذين غادروا مصر إلى تركيا حملة لجمع التبرعات، وإرسال المؤن والذخائر إلى المجاهدين في طرابلس لمقاومة الغزو الإيطالي، وسافر إلى المدينة المنورة سنة (1333 هـ = 1914م) لإنشاء الجامعة الإسلامية، وأعاد إصلاح كلية “صلاح الدين” بالقدس، وتولى إداراتها، واشترك سنة (1334هـ = 1915م) مع الحملة العثمانية المتجهة إلى مصر لتخليصها من الاحتلال الإنجليزي.

وبعد هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى اضطر عبد العزيز جاويش إلى السفر سنة (1337 هـ = 1918م) إلى ألمانيا شريكة العثمانيين في الحرب، وكان معه من زعماء الحزب الوطني محمد فريد وعبد الحميد سعيد، وهناك أنشأ مكتبة للدعاية للقضية المصرية، ومجلة إسلامية باللغة الألمانية رغم قسوة الظروف التي كان يحياها في ألمانيا، كما ساعد هو وزملاؤه في ثورة 1919م، ووقف إلى جانب زعمائها.

العودة إلى مصر

بعد إعلان استقلال مصر في (17 من رجب 1340 هـ = 16 من مارس 1922م) بدأ جاويش يستعد للسفر إلى مصر، غير أن بريطانيا رفضت عودته على الرغم من إعطائها تأشيرات لكل الراغبين في العودة، فعزم على السفر إلى تركيا؛ حيث تولى رئاسة لجنة الشئون الإسلامية في أنقرة، لكنه اختلف مع مصطفى أتاتورك الذي كانت بيده مقاليد الدولة العثمانية، الذي كان يعزم على إلغاء الخلافة، وطبع تركيا بطابع العلمانية، وموالاة النظام الغربي، والقضاء على أنظمة الحياة المرتبطة بالإسلام. ولم تكن هذه الأجواء تتفق مع أهداف جاويش فقرر العودة إلى مصر سنة (1342هـ = 1923م) فدخلها سرا دون أن يفطن إليه أحد في مغامرة جريئة.

طريق الإصلاح

وبعد عودة جاويش رأت الدولة أن تنتفع بخبرته في التربية والتعليم، فأسندت إليه منصب مدير التعليم الأوّلي سنة (1344 هـ = 1925م)، وذلك وفق خطة لمحو الأمية وتوسيع دائرة التعليم، فاستكمل ما كان قد بدأه من طرق الإصلاح في التربية والتعليم، وانكب على عمله المضني يجوب البلاد وينشئ المدارس ويضع الخطط للنهوض بالتعليم حتى وافاه أجله.

وكان جاويش بحكم ثقافته العربية الإسلامية واتصاله بمناهج التعليم الحديثة الغربية يؤمن بأن الأمم لا تنهض إلا بالتربية والتعليم، وأن كليهما لا يغني عن الآخر؛ ولذا كان من الرواد الأوائل الذين وضعوا الكتب في مفاهيم التربية، وله كتاب بعنوان “غنية المؤدبين” ألفه سنه (1320 هـ 1902م) يدعو فيه إلى ضرورة العناية بتربية الأطفال قبل تعليمهم، وفرَّق فيه بين مفهومي التربية والتعليم.

ولم يشغله عمله في جريرة اللواء عن الدعوة إلى إصلاح التعليم، فأنشأ المدرسة الإعدادية كنواة صالحة ينسج عليها التعليم الثانوي، وكان جاويش يقوم بالتدريس فيها بنفسه، ويفتح أبوابها في إجازات الصيف للطلاب حتى لا تضيع أوقاتهم فيما لا يفيد.

ومضى في جمع التبرعات وعمل الاكتتابات لفتح المدارس الأولية لتعليم أبناء الأمة ولإكمال النقص في عدد المدارس الحكومية التي كان الاحتلال حريصا على أن تكون بمصروفات؛ حتى لا يقبل عليها إلا أبناء الأثرياء، ودعا إلى إنشاء مدارس رياض الأطفال، وقال بأنها هي التي تبني التعليم في مصر.

ودعا جاويش إلى إصلاح مناهج التعليم والعناية بالتربية كأساس التعليم، ورفع مستوى القائمين على العملية التعليمية والأخذ بالأساليب الحديثة في التربية، وهاجم مناهج التعليم القائمة؛ لأن الاحتلال هو الذي وضعها، وأشرف على تنفيذها، ودعا إلى التوسع في التعليم الزراعي والصناعي، وعمل على إكمال النقص في برامج مدارس بالحكومة، وحماية الطلاب من مناهج التعليم الأجنبي بإنشاء عدد من المدارس تكون تحت رعايته.

وامتدت دعوته إلى إصلاح التعليم فشملت تطوير التعليم بالأزهر، وإدخال العلوم العصرية ضمن مناهجه، وفتح أبواب المدرسة الإعدادية التي أنشأها لطلاب الأزهر، وكان من بين من تعلم فيها طه حسين.

وتطلع جاويش إلى اختيار عدد من الطلاب الأزهريين النابهين الذين يقصدون مدرسته وإرسالهم في بعثات إلى أوربا، وكانت البعثات تسافر من كل المدارس ما عدا الأزهر، ونجح جاويش في جمع التبرعات اللازمة لنفقات أول بعثة أزهرية على نفقة الأمة إلى فرنسا، وتكونت من ثلاثة طلاب سافروا إلى فرنسا في (26 من صفر 1329 هـ = 26 من فبراير 1911م)، وكان معهم جاويش، وكان الهدف من هذه البعثة الوقوف على أساليب التعليم الحديثة ليطبقها هؤلاء المبعثون في الجامعة الأزهرية حتى تصبح عصرية، غير أن هذا المشروع توقف بعد سفر جاويش إلى تركيا بعد التضييق عليه ومحاربته.

ولم يستغرق إصلاح التعليم وقت جاويش وجهده بل امتدت جهوده إلى ميادين أخرى، فدعا إلى ترابط رؤوس الأموال الصغيرة، وإنشاء مصرف وطني، وحارب الخمر ومضار المسكرات، وألَّف في ذلك كتابا بعنوان “أذى الخمر ومضاره”، وارتفع صوته بضرورة العناية بالمرأة وتعليمها وإصلاح أحوالها ورفعه شأنها، وعارض زواج المصريين من الأجنبيات، وكان له جهود مشكورة في بنيان مفاهيم الإسلام والكشف عن حقائقه في كتابه المعروف “الإسلام دين الفطرة”.

وفاته

ظل جاويش يعمل دون هوادة في مجالات الإصلاح كأنه يريد أن يعوض بجهده المتضاعف سنوات غيابه عن مصر، وما كان لهذا الجسد الواهن أن يتحمل مثل هذا الجهد الضخم في العمل والحركة وقطع المسافات الطويلة للإشراف على المهمة الجليلة التي كُلِّف بها، وكان في سنواته الأخيرة يرعى أسرة زميل جهاده محمد فريد الذي توفي في برلين سنة (1339 = 1920)، ثم كان عليه أن يقوم على رعاية أسرة الصحفي المجاهد أمين الرافعي الذي توفي قبله، وفي غمرة هذا العمل المتصل وافاه الأجل المحتوم في فجر يوم الجمعة الموافق (13 من شعبان 1347 هـ = 25 من يناير 1929م)، تاركا ذكرى عطرة وسيرة طيبة لأجيال أمته.

من مصادر الدراسة:

  • أنور الجندي: عبد العزيز جاويش من رواد التربية والصحافة والاجتماع- المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة – القاهرة – 1965م.

  • أنور الجندي: أعلام وأقلام- دار نهضة مصر للطبع والنشر- القاهرة – بدون تاريخ.

  • أنور حجازي: عمالقة ورواد- الدار القومية للطباعة والنشر- القاهرة – بدون تاريخ.