علاء النادي– 09/09/2002م

ليس هناك من شك في أن العرب والمسلمين هم أصحاب الحظ الأوفر من تداعيات الهجوم على المنشآت الأمريكية؛ فمنذ أن تطايرت الأنباء عن حوادث الانفجارات التي هزت أمريكا انشق العالم إلى نصفين: نصف يشير بإصبع الاتهام إلى العرب والمسلمين، ونصف يدفع عن نفسه -وهم العرب والمسلمون- محاولاً بكل صنوف الخطاب أن يخلي سبيله من هذا الاتهام.

ورغم أن العالم بأسره ما زال مشغولاً بالتحركات الأمريكية في حربها على قائمة الإرهاب الأمريكية، التي باتت الأمارات تشير إلى أنها متوجهة إلى بقاع مختلفة يجمعها ما أطلق عليه “محور الشر” -رغم ذلك فإن الأمر الذي ينبغي تأمله مليًّا ذلك الصدع الهائل الذي أصاب العلاقة بين الغرب والعرب والمسلمين. وسواء أقدمت أمريكا على ضرب بلدٍ جديد أو أحجمت عن ذلك لسبب أو لآخر؛ فإن الشيء المؤكد أن رِدَّة الفعل الغربية ستظل محفورة في أذهان العرب والمسلمين، وبخاصة أولئك المقيمين في الغرب.

للغرب نوازعه المتأصلة من قبل الأحداث

بادئ ذي بدء، فإن الملاحظة الأولية الجديرة بالتسجيل ذلك التوجه العام الذي ساد الأوساط الغربية بُعَيد الأحداث؛ فقد سادت موجة عاتية ضد العرب والمسلمين، لعبت من خلالها وسائل الإعلام الغربية دورًا مؤثرًا في تأجيج وشحن المشاعر العدائية ضد العرب والمسلمين. والأمر الأكثر غرابة أن يسير على ذات المنوال ساسة وقادة غربيون، فقد صرّح أكثر من مسئول رسمي غربي بتصريحات حملت معاني العنصرية؛ بحيث أصبح الأمر حربًا بين عالم متحضر -وهو الغرب- وعالم متخلف -هم العرب والمسلمون.

ولئن كانت انفعالات الساسة الغربيين قد خفَّت مع الأيام التي أعقبت الأحداث، فإنها عبرت وبوضوح عن استيطان واكتناز رؤية ليست تسامحية وليست عقلانية إزاء العرب والمسلمين. وعلى المستوى الشعبي فقد جاءت ردود الأفعال أكثر شططًا؛ فحوادث الاعتداء على المنشآت الإسلامية بما فيها المساجد، ورفض خطوط الطيران استقبال بعض المسلمات كما حدث في ألمانيا.. كل ذلك يؤكد أن الأمر لا يمكن أن يكون عارضًا وعفويًّا أو وليد لحظة.. إن رد الفعل الغربي ما كان له أن يظهر على هذه الصورة لولا أن هناك نوازع خلفه.

وإذا كان لنا أن نلقي بالمسئولية على هذا الفعل المتشنج وهذه الآراء المتهورة.. فإن المسئولية تضامنية يشارك فيها الغرب، ويشارك فيها العرب والمسلمون، وإن ظل الدور الأبرز للغرب.

العدو الأخضر

منذ فترة -وإن شئنا الدقة عقب تفكك الاتحاد السوفيتي- وبعض الأطروحات الغربية -منها أطروحات قريبة من مصادر صناعة القرار- تعزف على وتر العدو البديل، وكأن الغرب لا يمكن له أن يعيش دون أن يكون له أعداء. وقد حددت هذه الأطروحات هذا العدو المحتمل في الإسلام الذي يجب التحسب له، ووصل الأمر إلى حد أن طالَب البعض بأن يعاد رسم خارطة العالم، وأن تظلل خارطة العالم الإسلامي باللون الأخضر، إشارة إلى أن العدو الإسلامي هو العدو الأخضر، عوضًا عن الاتحاد السوفييتي الذي حمل صفة العدو الأحمر، ورغم أن الكثيرين، ومنهم من هم من بني جلدتنا، حاولوا أن يهونوا من هذا الأمر، فإن الأمر لم يكن من البساطة بمكان؛ فهذه الأطروحات العدائية لم تأخذ صفة الندرة والفردية؛ فطرحها تم على نطاق واسع، ولم يقف الأمر عند حدود المنتديات والأوراق؛ فالميديا (وسائل الإعلام) الغربية تقدم هي الأخرى في غالبها الأعم صورة مشوهة عن العرب والمسلمين. ولا يماري أحد في قدرة هذه الوسائل والوسائط وما تملكه من قدرة على التأثير وصناعة الصورة والتخيل وتشكيل الوعي.

حقائق تكشف الأحكام الملفقة

بإمكان من يقلب في دفتر العلاقة بين الغرب والإسلام في الآونة الأخيرة أن يجد كثيرًا من العلامات التي تستوقفه، وإذا كان لنا أن نُذَكِّر فيكفي أن نذكِّر بأحداث أوكلاهوما؛ حيث سارعت الكثرة الكاثرة في الغرب إلى اتهام العرب والمسلمين، إلا أن مسار التحقيقات كشف خطأ هذه الظنون. وإن كان من عبرة في أحداث أوكلاهوما فستبقى عبرة الإفادة من المضامين التي أمكن استشفافها من المسارعة غير المبررة في اتهام العرب والمسلمين، وكأن الكون قد خلا من كل ألوان العنف والإرهاب، ولم يبق سوى المسلمين الذين يمكن وصمهم بهذه النقائص.

أزمة العقل الغربي إزاء الإسلام

جاءت أحداث الثلاثاء الدامي لتؤكد أن هناك مشكلة حقيقية، ومنعطفًا خطيرًا بين الغرب والإسلام؛ فالوعي الغربي في إطاره العام صار مشحونًا ضد الإسلام والعرب والمسلمين عامة، ولم يقتصر الأمر على العرب والمسلمين القابعين في أوطانهم؛ فقد استفحل الأمر ليطال أولئك الذين يشاركون الغرب صناعة المصير من المسلمين بحكم انتمائهم إلى أوطانهم الغربية.

لقد أثبت رد الفعل حجم الخلل ومدى التشوه في العقل الغربي إزاء الإسلام والعرب والمسلمين، وآية ذلك أن ذلك العقل لم يعد بإمكانه التفريق بين الإسلام كدين سماوي له تعاليم خالدة تحض على التسامح والسلام وقلة من المسلمين إذا صدقت هواجس الغرب في اتهامهم فهم مجرد حفنة ضئيلة اعوجت وانحرفت في فهمها عن قيم الإسلام ومعانيه النبيلة.

لم يستطع الوعي الغربي الذي تشكل على عين وسائل الإعلام التي تبث السموم، وتنفس الحقد على كل ما هو عربي وإسلامي.. أن يميز بين أبسط البديهيات؛ فتحول مليار مسلم يعيشون على ظهر البسيطة إلى شخص واحد وفرقة واحدة، رغم أن الشخص -بصرف النظر عن اسمه فالأسماء تختلف، وزمانه فقد يأتي من يشابهه- لا يمكن أن يحتوي الإسلام، ويمثل المسلمين، ولا ندري هل من الممكن أن يتم هذا الاختزال بهذا الحجم الكثيف بطريقة عفوية؟!

والعقل العربي والمسلم أيضًا في أزمة

وإذا كان الغرب يتحمل دورًا كبيرًا في تأزم العلاقة وقتامة الصورة بينه وبين العرب والمسلمين؛ فإن هؤلاء الأخيرين يشاركون الغرب في تحمل هذه المسئولية؛ فالعرب والمسلمون عاجزون عن تبني قضاياهم، وغير قادرين على فتح نوافذ فاعلة يمكن من خلالها التواصل مع القوى الحية والفاعلة في الغرب من أجل رسم صورة صحيحة لما يحمله العرب والمسلمون من قيم حضارية وصور ناصعة، تستطيع أن تسهم في مشروع عالمي قائم على الشراكة الحضارية، لم يفلح العرب والمسلمون في رسم إستراتيجيات وخطط للتحرك، وأفسحوا المجال للصهيونية الخبيثة تعبث بالعقول كيف شاءت في غيبة وسبات طال أمده من العرب والمسلمين، سنظل بحاجة إلى قنوات وأدوات إعلام واتصال فاعلة، تحمل رسالة الحضارة الإسلامية إلى الغرب.

ما زالت الرؤية الإسلامية الصافية لم تعرف طريقها إلى المواطن الغربي، وقدر العجز العربي والإسلامي قدر نجاح الفكر المغاير في النفاذ إلى ذلك الوعي.

ليس في مصلحة العرب والمسلمين، وليس في مصلحة الغرب ذاته.. أن تسوء العلاقة بين أكبر حضارتين على وجه المعمورة، والمستفيد من هذا التردي في العلاقة بين الغرب والإسلام مكشوف لكل ذي عينين.

الحل.. في الحوار والتواصل العاقل البناء

إن جهودًا مكثفة ينبغي أن تُبذَل من أجل مد جسور الحوار والتواصل، شريطة أن تؤسَّس هذه الجهود على خطط واضحة وإستراتيجيات لا تتسم بالوقتية. لقد دخلت العلاقة بين الغرب والعالم الإسلامي في مرحلة حرجة، وإذا لم ينتبه الجميع إلى خطورة وتداعيات ذلك الأمر، فإن أفق المستقبل سيكون مفتوحًا دومًا على فعاليات غير حميدة. إن العلاقة بين الغرب والإسلام في مسيس الحاجة إلى إعادة تأسيس، بل هي بالفعل في حاجة إلى مراجعة كبرى وشاملة تلتزم تضافر الجهود من أجل معالجة ركام الماضي، وتداعيات الحاضر في إطار الشفافية والحوار البنّاء.

اقرأ أيضًا:

** باحث في العلوم السياسية – مصر