2002/06/16 أحمد عبيد**  – مصر
جانب من الندوة التي ناقشت مسألة العلاج بالقراءة

“هنا علاج الروح” “هنا بيت علاج النفس”

كلمات كانت تُكتب على جدران المكتبات المصرية القديمة، مثل: مكتبة معبد رمسيس، ومكتبة معبد إدفو، مكتبة معبد دندرة، ثم ينتقل هذا الشعار إلى البابليين والآشوريين، ثم إلى الرومان واليونان.. في دلالة واضحة على أن الكتاب يمكن أن يُستخدم في علاج الروح إذا سقمت، والنفس إذا اعتلت.

هكذا بدأ حديثه الأستاذ الدكتور “شعبان عبد العزيز خليفة” أستاذ المكتبات والمعلومات بجامعة القاهرة في الندوة التي عقدت بـ”مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار” التابع لمجلس الوزراء المصري، بالتعاون بين قطاع المكتبات بالمركز والجمعية المصرية للمكتبات والمعلومات، في السادس والعشرين من شهر مايو الماضي تحت عنوان: “العلاج بالقراءة”، وهو نفس عنوان ذلك المرجع الضخم الذي عكف الأستاذ الدكتور خليفة على جمع مادته طيلة عشرين عاما، ليكون بذلك أول مرجع باللغة العربية في هذا المجال الشائق الممتع.

التعريف.. من هنا يبدأ الاختلاف

لا تنتهي الأزمة الحقيقية في قضية العلاج بالقراءة  –كما يقول د. شعبان خليفة– بالاتفاق على تعريف محدد لهذا العمل، ولكنها في الواقع تبدأ به.

فقد تعددت تعريفات العلاج بالقراءة Bibliotheraby وتنوعت بتنوع وجهات نظر واضعيها واختلاف مشاربهم؛ فالتعريف الذي يضعه الأطباء يختلف عما يرتضيه علماء النفس، ويختلف هذا وذاك عما يراه المكتبيون مناسبا.

فبعض التعريفات قد تجنبت ربط الببليوثيرابيا ربطا مباشرا بالطب، واعتبرتها عاملا مساعدا في الطب البدني والنفسي، لا علاجا في حد ذاتها، بينما يرى البعض الآخر أنها -أي الببليوثيرابيا – علاج في حد ذاتها، تقف على حد سواء مع الطب البدني والنفسي، من منطلق أن من يمرض بكلمة يشفى بكلمة.

وحتى لا نلقي بأنفسنا في معركة التعريفات يمكننا أن نستخلص هذا التعريف العام الذي يعرف الببليوثيرابيا بأنها “علاج المرض باستخدام الكتب وغيرها من مواد القراءة”.

ويقسم الدكتور شعبان خليفة الأمراض التي تصيب الإنسان إلى أربع فئات في مقابل أربعة أنواع من العلاج؛ فهناك المرض البدني البحت الذي يعالج بالعقاقير والجراحة فقط، وهناك المرض الروحي البحت الذي يعالج كلية بالقراءة، وهناك المرض النفسبدني الذي يعالج بالقراءة والعقاقير معا، وهناك المرض البدني النفسي الذي يعالج بالعقاقير والقراءة معا.

وربما كان للتركيز على “الإنسان الكلي” كطريقة للعلاج في العقود الأخيرة أثره على الاعتراف بأن الإنسان ليس سوى كل متكامل من الاحتياجات الفيزيقية، والنفسية، والعقلية؛ وهو ما دفع بعملية العلاج بالقراءة خطوات إلى الأمام، حتى ظهرت مجموعة من العلاجات المساعدة للعلاج الطبي مثل العلاج بالشعر، والعلاج بالموسيقى، والعلاج بالفن… وقد أخذ العلاج بالقراءة مرتبة عالية بين تلك العلاجات الجديدة.

ولعل من أجمل ما قيل في هذا الصدد -حسما لمعركة التعريفات- ما قالته مارجريت مونرو في خطاب لها في إحدى الحلقات المنعقدة في مدرسة المكتبات بجامعة ويسكونسن عام 1968 عندما سألت عن تعريف سليم ودقيق للببليوثيرابيا ولم يجبها أحد؛ وهو ما دعاها إلى القول بأن جوهر استخدام الكتب في مساعدة القراء على حل مشاكلهم هو أهم بكثير من المصطلح نفسه، ولا يجب أن ندوس الوظائف النبيلة لهذا العمل في سبيل بحثنا عن تعريف للمصطلح.

ومصداقا لذلك فإن دراسة متأنية للإنتاج الفكري في المكتبات، والتربية، وعلم النفس عبر الخمسين عاما الماضية، تكشف عن استخدام العلاج بالقراءة في علاج مجموعة من المخاوف Phobias (كالخوف من الظلام، والأماكن المرتفعة، الأماكن المغلقة….) وكذلك في علاج القلق، والمشاكل الجنسية، ومشاكل الاتجاهات (كالعنصرية، والعرقية، والنرجسية…)، كما استخدم العلاج بالقراءة في علاج مجموعة أخرى من المشاكل المعقدة مثل الافتقار إلى العلاقات، والدافعية، والتوتر، ضبط الوزن، وكذلك بعض المشاكل الاجتماعية كالطلاق، والشيخوخة، فقدان الأهل… وغيرها من الأمراض، حتى عدد الدكتور خليفة أكثر من عشرين مرضا يمكن للقراءة أن تسهم في علاجها.

التاريخ.. في البدء كانت كلمة

لعل أول إشارة إلى العلاج بالقراءة في معناها الواسع –أي استخدام الكتب في علاج المرض-  قد جاءت من القرن الثالث عشر في العصور الوسطى الإسلامية، حيث كان القرآن الكريم يُستخدم لعلاج المرضى في مستشفى المنصور بالقاهرة، فقد كان من برنامج العلاج بالجراحة والعقاقير، ترتيب بعض المقرئين ليقرءوا القرآن للمرضى ليل نهار.

وقد شهدت القرون التالية مزيدا من استخدام الكتب المقدسة والكتابات الدينية الأخرى في علاج المرضى؛ وهو ما أدى إلى دعم مكتبات المستشفيات، والمؤسسات العلاجية، بمجموعات من الكتب الدينية.. هكذا بدأت أولى مكتبات المرضى.

وفي أوروبا في نهاية القرن الثامن عشر مورس العلاج بالقراءة  -وإن كان لم يعرف بهذا الاسم– حين قام البعض باستخدام القراءة لعلاج المجانين والمخبولين. وقد اشتهر بنيامين روش بأنه أول من أوصى بالقراءة في علاج المرضى، وكان ذلك عام 1802.

لقد ارتبط العلاج بالقراءة منذ مطلع القرن التاسع عشر بتطور الخدمات المكتبية في المستشفيات خاصة مستشفيات الأمراض العقلية في الولايات المتحدة، ولكن على وجه العموم يعتبر العلاج بالقراءة ثمرة هامة من ثمرات النصف الأول من القرن العشرين، مع ازدياد عدد المستشفيات الداخلة إلى مجال القراءة العلاجية، ومع زيادة عدد مكتبات المستشفيات التي أصبحت مراكز للتدريب على أعمال العلاج بالقراءة.

وخلال الحرب العالمية الأولى لقيت عمليات العلاج بالقراءة دفعة قوية ممارسة وتنظيرا؛ فقد قام المكتبيون والأشخاص العاديون وعلى رأسهم الصليب الأحمر واتحاد المكتبات الأمريكية ببناء المكتبات وتجهيزها بالمجموعات في المستشفيات العسكرية.

وبعد الحرب العالمية الثانية انتعشت عمليات العلاج الجماعي، وكان سبب هذا الانتعاش اقتصاديا حيث كان عدد المرضى كثيرًا جدا، ولا يوجد عدد كاف من الأطباء، فكان الإخصائي الواحد في العلاج الجماعي يتناول عشرين حالة بدلا من أربع حالات فقط في طريقة التحليل النفسي.

روباكن.. ضد دفن الكتب

إلا أن العلامة الفارقة  في هذا المجال -كما يراها الدكتور شعبان خليفة- هي نيقولاس روباكن -روسي الأصل- المؤسس الحقيقي لعلم نفس الكتاب Bibliopsychology ، والذي كرس حياته للكتب، التي كان يرى فيها أداة هامة للتنوير.

تعامل الرجل خلال حياته الطويلة -84 عاما- مع الكتب من مختلف أوجه التعامل مؤلفا، وناشرا، ومكتبيا، جامعا للكتب، وقارئا، فكتب 280 كتابا في العلوم العامة، كما كتب 49 كتابا متقدما لأصحاب الثقافة الرفيعة.

وضع روباكن قوانين لعلم نفس الكتاب، يرى من يتأملها أنها أساس صالح للعلاج بالقراءة، ومن أمثلة هذه القوانين: “الكتاب ليس وعاء لنقل المحتويات، ولكنه وعاء يعلق عليه القراء إسقاطاتهم، ذلك أن القارئ إنما يجسد ظواهره النفسية طبقا للكتاب الذي يقرأه، وكل قارئ يعرف إسقاطاته، ولا يعرف الكتاب نفسه”، وكذلك قوله: “هناك قوتان تعتملان خلال القراءة: عقل المؤلف  الذي أبدع الكتاب، وعقل القارئ الذي يعيد إبداع أو تركيب الكتاب طبقا لأغراضه هو”.

وضع روباكن مجموعة من الاختبارات والمقاييس لتصنيف القراء، وتصنيف الكتب الملائمة لكل فئة منهم، وقد حدد لكل قارئ درجة نجاح من أرقام مصممة على حسب متوسط عدد استجاباته النفسية عند القراءة، وكذلك حدد لكل كتاب درجة نجاح على حسب متوسط عدد الاستجابات التي يثيرها لدى القارئ. وكان يرى أن هذه المعلومات يمكن أن تحسن من وضع أمين المكتبة كمرشد للقراء؛ لذلك عندما شعر الرجل أن نظريته سوف تحمل المكتبيين على تغيير اتجاهاتهم، قال بالحرف الواحد: “يجب عليهم أن يحولوا اهتمامهم من الكتاب كما يرونه مادة علمية إلى الحياة الداخلية للشخصية الإنسانية، إنه الإنسان الذي يبدع وينشئ ويركب، والكتاب ليس سوى وسيلة أو آلة لذلك، وأمين المكتبة الذي لا يدرك ذلك إنما يحول أحسن مكتبة في العالم  إلى مقبرة للكتب”.

الإيمان طريق الشفاء

يقول د. شعبان خليفة: من الناحية النظرية البحتة يمكن القول بأن أي إنتاج فكري مهما كان موضوعه يمكن استخدامه بطريقة أو بأخرى في العلاج بالقراءة، حتى الإنتاج الفكري في مجالات بعيدة تماما مثل الكيمياء والفلك والرياضيات. إلا  أنه من الناحية العملية تبرز فئات معينة من الإنتاج الفكري التي تستخدم بفاعلية ونجاح في العلاج بالقراءة، ويعدد الدكتور خليفة اثني عشر نوعا من المواد القرائية كالشعر، والأدب، والتراجم، الخيال العلمي، وكتب الروح… وغيرها، ويأتي على رأس هذه المواد  الكتب السماوية المقدسة (وعلى رأسها القرآن الكريم)، والأحاديث النبوية الشريفة.

وعن الحكمة من ذلك يقول الدكتور خليفة بأن المؤمنين يدركون تمام الإدراك أن الله سبحانه وتعالى يعرف النفس البشرية ويحيط بها إحاطة الخالق بمخلوقه، لذلك فهو عندما يصفها ويحللها ويضع العلاج لتقويمها فإن ذلك العلاج هو العلاج الشافي والواقي.

وشرط التداوي بالكتب السماوية وعلى رأسها القرآن الكريم هو الإيمان أولا وأخيرا بما ورد فيه، والاعتقاد في قدرة آياته على الشفاء حين تستخدم في موضعها الصحيح. ولعل هذا ما جاءت به الكثير من الآيات القرآنية الكريمة مثل قوله تعالى: “وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين”، وكذلك قول عمر بن الخطاب: “من لم يشفه القرآن فلا شفاه الله، ومن لم يكفه القرآن فلا كفاه”.

جدير بالذكر أنه قد أجريت تجارب للعلاج بالقرآن الكريم في ولاية فلوريدا على خمسة من المتطوعين الأصحاء من غير المسلمين، ووجد أنه في 97% من تلك الجلسات كان لتلاوة القرآن الكريم أثرها على تهدئة الجهاز العصبي لديهم، ووجود تغيرات فسيولوجية لديهم تدل على تخفيف حدة التوتر رغم أنهم من غير الناطقين بالعربية.

المغامر.. والعقل الجميل

كان مما أثرى الندوة وألقى ظلالا تجريبية عليها، أن كان بين الحضور الأستاذ عبد الله حسين المدرس المساعد بقسم المكتبات جامعة القاهرة، والذي لقبه الأستاذ الدكتور شعبان خليفة بالمغامر لأنه قد سجل موضوعه لدرجة الدكتوراه في هذا المجال الشائك في حين يفضل أترابه التسجيل في موضوعات سهلة مطروقة.

يعكف الأستاذ عبد الله منذ أربع سنوات على دراسة بعنوان: “إفادة المرضى من مكتبات مستشفيات الصحة النفسية: دراسة تجريبية” تحت إشراف أ. د. “محمد فتحي عبد الهادي” أستاذ المكتبات والمعلومات بجامعة القاهرة، وأ. د.  “يحيي الرخاوي” أستاذ الطب النفسي كمشرف مشارك.

ويركز الأستاذ عبد الله في دراسته على مرضى الفصام، لذلك –وأثناء الحديث عن هذا المرض– قال: لم أستغرب أن يتحول كتاب Beautiful Mind أو “العقل الجميل” إلى فيلم سينمائي يحصد جوائز الأوسكار ويحقق أعلى الأرباح، حيث رشحت هذا الكتاب ضمن قائمة الكتب المرشحة لعلاج مرض الفصام.

ورغم تحفظه على نتائج دراسته، ألقى الأستاذ عبد الله حسين الضوء على تجاربه الميدانية في هذا المجال، وكان من ضمن ما ذكره أن المرضى النفسيين لديهم حساسية أكثر لما يلقى إليهم من المعلومات؛ ذلك لأننا نعاني –فيما يتعلق بالقراءة– نوعا من الإجبار، فنحن نقرأ إما للترقي المهني، أو الثقافي، أو التعليمي، ولا نقرأ لمجرد القراءة.

وختم الأستاذ عبد الله حديثه بقوله بأن العلاج بالقراءة قابل للتطبيق في المجتمع المصري بشرط تفهم الحالات التي يتم علاجها.

“وصفة طبية” خاصة للعرب

تجاوز العلاج بالقراءة في الولايات المتحدة وأنحاء متفرقة من العالم، قيوده السابقة، ومع استخدامه من جانب أمناء المكتبات كأداة علاجية أصبح أمرا معترفا به حتى من جانب علماء النفس ومؤسسات العلاج الأخرى، ولكن للأسف فإن الأمر ليس كذلك في عالمنا العربي، بل إن بعض أمناء المكتبات في عالمنا العربي لم يسمع بهذه الخدمة أو ربما كانت لديه فكرة غامضة غير محددة الملامح.

وحول أهمية أن يكون هناك علم عربي للعلاج بالقراءة يذكر د. شعبان خليفة أن المرض يرتبط بطبيعة المجتمع الذي يعيش فيه المريض، وقيمه وعاداته، لذلك لا يصلح استخدام “روشتات” أمريكية وأوروبية للعرب والمسلمين.

لذلك يعكف د. شعبان خليفة حاليا على دراسة 350 ألف كتاب عربي حصيلة نشر قرنين من الزمان لإعداد حصر ببليوجرافي مشروح لكل مرض من الأمراض والأعمال الفكرية المقترحة لعلاج هذا المرض، فيما يدخل في باب “الروشتة” أو الوصفة الطبية.

ترى هل يأتي اليوم الذي نقرأ فيه على لافتة أحد الأطباء “إخصائي علاج بالقراءة”؟؟

هل يدرس منهج العلاج بالقراءة لطلبة المكتبات في جامعاتنا العربية في يوم من الأيام؟؟

هل نجد في مكتباتنا العامة أقساما لهذا الغرض قبل أن تتحول مكتباتنا إلى مقابر جماعية للكتب؟؟

لننتظر ونرى.. فهذا ما ستسفر عنه الأيام..

اقرأ أيضًا:

** إخصائي معلومات بموقع إسلام أون لاين.نت