طارق يحيى قابيل

جامعة كليمسون – أمريكا

تؤكد التجارب دومًا أن أحلام البشر مهما شطّت فمن الممكن تحقيقها بعد وقت قصر أو طال. ومنذ بداية الفن السابع وظهور الشاشة الفضية الساحرة، وجد الإنسان ضالته المنشودة في عالم السينما ليحقق أحلامه الخيالية بكثير من الحيل الذكية.

ومع مرور الأيام يتحقق الكثير من الخيال الذي داعب الإنسان قديمًا؛ فمنذ أكثر من ثلاثة عقود عُرض فيلم الخيال العلمي “الرحلة الرّائعة”، وظهرت فيه آلة تصغّر الأشياء إلى أحجام دقيقة غير مرئية، وقد ظن الكثير من البشر في تلك الآونة أن مثل هذه الآلة سوف تكون إحدى مبتكرات العصور القادمة، التي سيستطيع فيها الأطباء الإبحار داخل أجساد المرضى ومعالجة عللهم وإجراء جراحات داخل أجسادهم.

كما ظهر فيلم أمريكي آخر بعنوان ” عزيزتي لقد صغرت الأطفال” من إنتاج شركة “والت ديزني”، ظهر فيه عالم مبتكر تمكن من صنع آلة استطاع عن طريقها تصغير أبنائه عن طريق خطأ غير مقصود، وبنيت أحداث الفيلم على هذا الأساس الدرامي، وذهب فيه الأولاد في جولة رائعة في عالم غيبي دقيق، جابوا فيه الفضاء (الذي لم يتعد فناء منزلهم) على جناح حشرة طائرة.

فيروسات في حجم الديناصورات!

ولقد ظل هذا الحلم يطارد بعض العلماء والباحثين، وكان آخرهم مجموعة من الباحثين في ولاية نورث كارولينا الأمريكية الذين حاولوا إحداث نفس الأثر عمليًّا. وبدلا من القيام بعملية الانكماش، قاموا بتكبير صور الدقائق والجسيمات والكائنات المتناهية في الصغر كالبكتيريا والفيروسات إلى أحجام تصل لحجم ملعب كرة القدم. وتمكنوا عن طريق تقنيات متقدمة؛ من رؤية المناظر بطريقة طبيعية ثلاثية الأبعاد والتفاعل معها، بل لقد قام أحدهم بوخز بعض البكتريا الموحلة في بعض الأوساط الغذائية ووخز أنابيب الكربون التي لا يتعدى حجمها النانومتر (النانو = جزء من البليون من المتر).

وأطلق على الآلة الجديدة ” نانومانيبيولاتور”nanoManipulator)) أو المعالج النانومتري، ومكنت هذه الآلة الحديثة العلماء من السباحة في عالم متناه في الصغر، عن طريق ارتداء منظار خاص. وتقبع النسخة الأكثر تقدّما من النانومانيبيولاتور في قسم الفيزياء بجامعة نورث كارولينا في “تشابل هل”. ولقد تم استخدام أحدث التقنيات المتقدمة في العالم اليوم لابتكار هذا الجهاز(أحدث تقنيات الحقيقة الافتراضيّة وأحدث مسبر (مجس) حسيّ دّقيق، الذي سمح للعلماء أن يلمسوا ويشعروا بجزيئات متناهية الصغر).

يقول “إيرك هينديرسون” الأستاذ في جامعة ولاية إيوا بعد زيارته لحرم الجامعة لاختبار جهاز “النانومانيبيولاتور”: هذا الجهاز يشعرك بأنك تطير بين الجزيئات، ويجعل الكروموزومات تبدو هائلة مثل حجم سلسلة جبال. ويقول “ريتشارد سوبرفاين” أستاذ الفيزياء في جامعة نورث كارولينا، الذي أشرف على الفريق المطوّر لجهاز “النانومانيبيولاتور”: إنّ لديه غرضا عمليّا أهم للباحثين وهو يتمثل في توفير الوقت والجهد والمال؛ حيث يمكنهم هذا الجهاز من عمل تجربة ما؛ يلاحظون ويلمسون نتائجها فورًا ويشاهدون مفرداتها على الطبيعة في ثوان معدودة.

كيف تطوّر النانومانيبيولاتور؟!

“النانومانيبيولاتور” هو ثمرة تعاون بين باحثي العلوم الطّبيعيّة ومجموعة من خبراء علم الكمبيوتر. ولقد بدأ العمل الفعلي لإنتاجه في نهايات الثمانينيات، عندما بدأ العلماء العمل على تطوير نوع جديد لمجهر سُمي “بالمجهر المسبر الماسح”. وبدلاً من استعمال أمواج الضوء أو الإلكترونات لفحص عيّنة ما وتكوين صورة محسوسة لها، يقوم هذا المجهر بتحسس العيّنة مباشرةً عن طريق مسبرّ متناه في الصغر؛ يتمثل في نقطة لا يتعدى حجمها حجم الجزيء. ويمسح هذا المجس سطح العيّنة برقّة؛ مثلما يقرأ العميان بأصابعهم على طريقة بريل. وتظهر النتيجة في الحال على هيئة صورة مجسمة ثلاثية الأبعاد يمكن تكبيرها إلى أحجام تزيد عن المليون ضعف؛ بالرغم من أنها لا يزيد حجمها الأصلي عن بضع من النانومترات.

بدأ “روبينيت وارين” باحث علم الكمبيوتر في جامعة نورث كارولينا العمل الفعلي في هذا المشروع في أوائل التسعينيات عندما كان يبحث عن طريقة لاستعمال تكنولوجيا الواقع الافتراضيVirtual Reality) )، وقد كلّف “روبينيت” طالبا للدّراسات العليا بالعمل على إيجاد وسيلة تطبيقية لهذا المجال. ثم تطور المشروع ليصبح مشروعا مشتركا بين عدة أقسام علمية في جامعة نورث كارولينا.

ويتضمن النانومانيبيولاتور آلة مشيرة تبدو مثل عصا قيادة السيارات، وتتصل هذه الآلة بكمبيوتر شخصيّ مزود ببطاقة رسم بيانيّ متقدمة للغاية، تقوم بتحويل بيانات المجهر لتعرضها على هيئة صورة ثلاثية الأبعاد ذات ألوان متعدّدة، ويمكن هذا المجس الدقيق العلماء من أن يلمسوا ويشعروا بمعالم الأشياء الصغيرة التي يدرسونها، ولقد شعر العلماء بالحوافّ الصّغيرة والفجوات المتواجدة في جزيئات البروتين، وبلزوجة بعض أنواع البكتريا الممرضة. كما استطاع الفيزيائيّون دراسة أنابيب الكربون الدقيقة أو النانوتيوب nanotubes) ) التي قد تشكّل أجزاء للآلات الإلكترونيّة الصغيرة والماكينات يومًا ما. ولقد شاهد الكيمائيون شجار الذّرّات داخل أنابيب الكربون الدقيقة، مما حدا بهم بالتفكير في عمل محركات صغيرة عن طريق حث هذه الأنابيب لتتحرك مثل أسنان التّرس.

ويقول “سين واشبرن” أستاذ فيزياء وعلوم الموادّ في جامعة نورث كارولينا: إنّ فريق النانومانيبيولاتور قد تعلّم كثيرا من القواعد الفيزيائية التي تحكم حركة الجسيمات الدقيقة، على سبيل المثال الجزيئات الصغيرة لا تتأثر بالجاذبيّة، ولكنهاّ تتأثر بشدة بالقوانين الفيزيائية الأخرى مثل اللّزوجة.

ثورة علاجية جديدة

يستخدم بعض الأطباء في الوقت الحالي صورا مسحية، وتكنولوجيا الكمبيوتر لمشاهدة أعضاء المريض عوضا عن التقاط صور بسيطة بأشعة إكس أو إجراء عملية جراحية استكشافية. وتقدم تقنية الواقع الافتراضي حلولا غير مسبوقة قد تغير أساليب عمل الأطباء في المستقبل. قال الدكتور “مارك وايتهيد”، أستاذ علم التشريح في قسم الجراحة التابع لجامعة كاليفورنيا في سان دييغو: إن الاهتمام باستعمال الكمبيوتر لتعليم التشريح بدأ قبل حوالي 20 سنة تقريبا. إلا أن وضع رسوم حقيقية ثلاثية الأبعاد يحتاج إلى طاقة كمبيوترية كبيرة وإلى معطيات متطورة جدا.

وللانتقال إلى مجال الحقيقة الافتراضية صمم الباحثون في جامعة إيللينوي، وبنوا جهاز عرض (بروجكتور) كبير يدعى Immersadesk. هذا الجهاز الموصول بكمبيوتر Silicon Graphics، يتتبع حركة رأس أي فرد يقف أمام شاشته مرتديا المنظار المصمم خصيصا، والذي يشكل جزءا من الجهاز. وعندما يتحرك الشخص الذي يستعمل المنظار يستطيع أن يركز على أجزاء مختلفة من الصورة ثلاثية الأبعاد التي تظهر على الشاشة.

ويقول الخبراء: إن التقنية المدعومة بالكمبيوتر لا يراد لها أن تحل مكان أدوات التعليم التقليدية، مثل تشريح الجثث، إلا أن ثمة منافع لها حقيقية مثل كونها أقل كلفة بكثير لتدريب الأطباء المقيمين. ويقول البعض: إن استعمال النماذج لإجراء الجراحة الافتراضية سيحد كثيرا من الأخطار، على غرار المساعدة التي توفرها المقصورة المحاكية لقيادة الطائرات للطيارين. ويتوقع الدكتور “ريتشارد ستافا” أستاذ الجراحة في جامعة يال؛ وعضو الكلية الأمريكية للجراحين المختصين بالتكنولوجيات الجراحية الناشئة والتعليم -أن يفرض على الجراحين في المستقبل إجراء عمليات افتراضية قبل حصولهم على تراخيص العمل من الكلية.

وقد باشرت معاهد أخرى منها مركز التشبيه البشري في جامعة كولورادو وجامعة الخدمات الموحدة في بثيسدا في ولاية ميرلاند الانتقال بالحقيقة الافتراضية إلى الجراحة الفعلية، ويقوم “كارل راينغ”، الزميل المتخرج في جامعة كولورادو مع باحثين آخرين بتطوير جهاز يجري عمليات جراحية للركب، ولها ملمس المشرط الحقيقي وهو يقص اللحم. ويقول “راينغ”: إن الهدف هو جعل التشريح أقرب ما يكون إلى الحقيقة إلى درجة أن الجراح سينسى أنه يعمل مع كمبيوتر.

ثمن المتعة

هناك الكثير من المجالات التطبيقية الأخرى التي تقدمها تقنية الواقع الافتراضي، ويقدم جهاز مثل النانومانيبيولاتور متعة لا يدانيها أي متعة لأي باحث في كافة العلوم التطبيقية، ويمكن الباحثون من الإبحار عبر العوالم المجهولة المتناهية الصغر، فيا تُرى ما ثمن هذه المتعة العلمية؟!.. يمكن أن يصل ثمن أحدث نوع من أمثال هذا الجهاز إلى ما يزيد عن مائتي ألف (200000) دولار أمريكي، ولا تتواجد المكونات اللازمة لتصنيعه إلا في ثلاثة أماكن فقط في العالم حتّى الآن.

ونظرا للأهمية الشديدة لهذا الجهاز في أبحاث الكثير من الباحثين في المؤسّسات الأخرى قام باحثو علوم الكمبيوتر في جامعة نورث كارولينا بعمل دراسة لجعل هذا الجهاز في متناول الجميع. وحاول “كيفين جيفاي” أستاذ علم الكمبيوتر أن يستعمل تقنيات الجيل الثاني من الإنترنتInternet2) ) الذي سيؤدي نجاحه في استغلالها للسّماح للباحثين أن يرسلوا العيّنات ويتم فحصها عن بعد باستخدام الإنترنت. وقام هذا الباحث بالفعل بعمل تجربة عملية تم عن طريقها فحص عينة في جامعة بواشنطن العاصمة، على بعد 270 ميلا عن مكان فحصها في جامعة نورث كارولينا، ولكن شاب هذه التجربة بعض المشاكل.

والمشكلة الرئيسة التي واجهت العلماء هي نقل الإحساس عبر الإنترنت، حيث ظهر أنّ الحسّ البشريّ للمس أكثر تأثرا بتأخر الوقت منه في حالة الحواسّ الأخرى كالسمع والبصر. فمن الممكن أن تجرى محادثة هاتفية مع شخص ما، ولن تعبأ إذا تأخر الصوت حوالي نصف الثّانية قبل أن تسمع صوته. لكن حاسة اللمس تتأثر بشدة للتّأخير الزمني الذي يصل إلى أكثر من 20 جزءاً من الثّانية الواحدة؛ مما يؤدي إلى استحالة الشّعور باللمس.

ومن الممكن تخطي هذه العقبات مستقبلا، إذا تم استخدام شبكات الألياف البصرية، مما يؤدي إلى استخدام مثل هذا الجهاز عن بعد لمسافات تصل للمئات من الأميال، وإلى أن يحن مثل هذا التقدم في تكنولوجيا الاتصالات سيتحتم على الباحثين الذين يريدون أن يصغّروا أنفسهم حتّى يتفاعلوا مع أجسام بحجم النانومتر زيارة جامعة نورث كارولينا لاستخدام مثل هذا الجهاز الفريد.

اقرأ أيضًا: