محمد عبد العزيز**

 

عامل بالمصنع أمام فرن لصهر الزجاج

شاهد:

 

انتبه قبل مشاهدة الفيلم

– الزمان: تم تصوير هذا الفيلم التسجيلي في عام 2001، ولكن التجربة ما زالت مستمرة حتى اليوم وبنفس الآليات.

– الفيلم لا يصاحبه تعليق كغيره من الأفلام التسجيلية لأسباب منها أنه يسعى لرصد ما وراء الصناعة، خاصة أن خطوات الصناعة بسيطة، كما أن الموسيقى والمؤثرات مثلت مكونا أساسيا للإحساس بالتجربة، ومن هنا يصبح التعليق عبئا ومسطحا للتجربة.

– إن الفيلم ركز على العنصر البشري أكثر من الآلة في الصناعة، فالهدف من الفيلم هو استعراض عالم متكامل غير معلن، لكنه حقيقي بقيمه وأخلاقياته وضوابطه، يختلف عن العالم الذي يعيشه رجل المدينة المربوط في عجلة الاستهلاك الدائمة، ولعل هذا الهاجس هو ما دفعني لعمل هذا الفيلم البسيط في مفرداته حسبما أرى.

مخرج الفيلم

قليلة هي الأفلام التسجيلية الراصدة للتجارب التنموية للبشر في منطقتنا العربية، التي ما زال فيها أناس يكسبون لقمة عيشهم من صناعات قديمة استمرت لعقود طويلة، ولم تنجح عمليات التحديث للحياة في أن تلغيها.

غير أنه من بين تلك الأفلام القليلة، يأتي فيلم “بقعة مضيئة” ليخترق تجربة صناعة الزجاج اليدوي في إحدى مناطق الريف المصري التي تقع في عزبة رستم على طريق القناطر الخيرية بعد مصنع ياسين للزجاج (شمال القاهرة)، ويستعرض الفيلم يوم عمل كاملا في أحد مصانع تدوير الزجاج. 

وتأتي فرادة هذه الصناعة من أننا لا نصادفها في المدينة بأي حال من الأحوال، فهي كصناعة وتوزيع قائمة أساسا على الريف، الذي يؤدي بدوره إلى توافر مجموعة من الأركان الهامة لقيام مثل هذه الصناعة في هذا المكان، فالملكية بالنسبة لهذا المصنع على سبيل المثال هي ملكية لعائله قائمة على الشراكة المساهمة. 

كما أن ملاك المصنع من ذوي القربى، بالإضافة إلى أن عمال المصنع تجمعهم صلات نسب وقربة مع الملاك، بل قد ينتمون إلى جذر عائلي واحد في هذه القرية، كذلك لو نظرنا إلى المادة الخام المستخدمة في هذه الصناعة لوجدنا أنها كسر الزجاج الذي يتم شراؤه بالأطنان من أحد المتعهدين الذي يقوم بدوره بجمع هذه المادة من المصانع الكبرى أو جامعي القمامة في المدن.

البشر أساس المصنع

ومن خلال إعادة تدوير الزجاج، يقوم المصنع بإنتاج سلع زجاجية بسيطة مثل: لمبة (مصباح) الجاز، وقارورة زجاج (البرطمان)، والقاعدة الزجاجية للنارجيلة “الشيشة”، وهي سلع تعتمد صناعتها على العامل البشري الذي هو المتحكم في خط الإنتاج.

ورغم أن هذا المصنع الصغير يبدو بدائيا، فإنه شديد النظام لدرجة لا تسمح بالهفوة لأحد العمال؛ لأنها قد تسبب أضرارا جسيمة لباقي العمال قد يكون من الصعب تداركها، فالعمال هنا مجبرون على صنع النظام، والالتزام به، وعلى ضبط إيقاعه، وذلك من حيث السرعة والبطء، فالسرعة الإنتاجية بالنسبة للعامل هامة؛ وذلك لأنه يحاسب على عدد القطع التي ينتجها أسبوعيا.

ويستمر العمل في المصنع طوال اليوم، حيث يقسم على ثلاث ورديات، فيما تعمل الفتيات في الوردية الصباحية، مع العلم أنهن تجمعهن علاقات قرابة مع العمال بالمصنع، كذلك يتم تنقل العمالة أو تبديلها على المواقع الإنتاجية وفق فترات زمنية منتظمة، مثل الانتقال من موقع تغليف المنتج إلى تنقية كسر الزجاج والعكس، ولكن لا يسري ذلك بالطبع على الكل.

ولم تمنع خطورة هذه الصناعة من الإقبال على العمل بها من أبناء الريف، وذلك لأنهم توارثوها عن آبائهم رغم وجود مصادر رزق أخرى لدى البعض منهم مثل امتلاك أرض زراعية بسيطة وبعض المواشي.

وبالنسبة للأجور في هذا المصنع فهي تختلف باختلاف خبرة العامل، فإذا كان مستجدا غير مثبت فإنه يأخذ 35 جنيها أسبوعيا (الدولار = 5.8 جنيهات)، أما إذا كان غير مؤمن عليه فإنه يأخذ 70 جنيها في الأسبوع، وهذا غير الوقت الإضافي، وذلك مع زيادة 7% دورية كل عام. أما العامل المؤمن عليه، فله أيام محددة، وراتبه أسبوعي، وله إجازاته التي يكافأ عليها إذا عمل فيها.

واللافت في المصنع هو نظام العمل الذي يشرحه أيمن عبد الهادي الباحث الاجتماعي نجل أحد ملاك المصنع بقوله: “إدارة المصنع بسيطة، فالعامل يؤدي أكثر من عمل في وقت واحد، مما ينعكس على انضباط العمال بشكل ذاتي، كما أن المصنع مثلا بلا بوابه، مما يؤدي إلى دخول الباعة والجيران إليه، فالإدارة هنا إدارة بسيطة لا تتعامل من منظور طبقي”.

ويرجع الباحث ذلك إلى صلات القربى بين أصحاب المصنع والعمال، فالمصنع لا يخضع لانضباط المدينة الإداري، فعدم وجود بوابة للمصنع قد جعل الباعة الجائلين يدخلون إلى المصنع ويمارسون مهام البيع والشراء، دون وجود عوائق من الإدارة، فالمصنع أشبه ما يكون بقطعة أرض مزروعة، حسب تعبير عبد الهادي.

خطوات الصناعة

ويتم الإنتاج في المصنع من خلال عدة مراحل وهي:

أولا: يقوم الصبية والفتيات بتنقية كسر الزجاج من الشوائب والمواد الأخرى غير الزجاجية، ثم يضعونها في أحد الأحواض أمام فوهة الفرن الرئيسي الذي يتم من خلاله صهر الزجاج، حيث يتحول الزجاج المنصهر إلى ما يشبه العجين من حيث القوام.

ثانيا: يلتقط العمال عجين الزجاج المنصهر من الفرن، حيث يتم تشكيلها بواسطتهم من خلال وضعها في الإسطمبات (محددات الشكل)، فيتحول الزجاج المنصهر إلى منتج ذي شكل محدد من حيث كونه لمبة جاز أو برطمانا… إلخ، ثم بعد ذلك ينقل إلى فرن التحميص الذي يكسب المنتج الصلابة اللازمة لمواجهة ظروف الاستخدام.

ثالثا: تذهب المنتجات بعد تحميصها إلى ماكينة التقطيع التي تحدد الشكل النهائي للمنتج الذي يتم تعبئته في الأقفاص الخشبية أو الكراتين الورقية.

وتعتمد هذه الصناعة على خامات الزجاج المكسور الذي يتراوح سعر الطن منه من 190 إلى 200 جنيه، كما تتكلف عملية تشكيل الطن حوالي 130 جنيها بعد تحويله إلى منتج يعبأ فيما يقرب من 30 قفصا، ويباع القفص الواحد بحوالي 25 جنيها في الشتاء، بينما يتدنى سعره في الصيف إلى 20 جنيها.

واللافت أن المرحلة الأخيرة في المصنع ترتبط بصناعات أخرى مجاورة له، مثل صنع الكرتون، وهو ما يكشف عن أن نمط الإنتاج الريفي يتشكل وفق الاحتياج، وليس وفق التخطيط الفوقي الذي تتسم به المدن عامة من حيث صنع مشاريع ووظائف لا تتواءم مع البيئة الاجتماعية.

تسويق المنتجات

وللدلالة على التوافق بين نمط الإنتاج الريفي وما تحتاجه البيئة المحيطة حوله، نجد أن منتجات المصنع تتوجه إلى جمهور الريف، خاصة في صعيد مصر، فمنتج مثل لمبة الجاز، لا يوجد استخدام له إلا في بعض المناطق الريفية الفقيرة جدا في مصر. ولعل هذا ما يفسر وجود مصنعين فقط في الوجه البحري لإنتاج هذه النوعية من السلع الزجاجية.

إن هذه النوعية من المنتجات مرهونة بالجمهور المنعزل عن التحديث، سواء جبرا من حيث عدم وصول الكهرباء إليه، أو اختيارا بسبب عدم القدرة على تلبية تعريفة الكهرباء؛ لذلك فهذا المنتج يتعامل مع شريحة اجتماعية فقيرة للغاية ما زالت موجودة، بحيث توفر سوقا لاستمرار هذه الصناعة التقليدية التي لم تتغير طريقة إنتاجها منذ عقود.

ونفس الأمر مع المنتجات الأخرى للمصنع مثل: البرطمان، والنارجيلة… وهي منتجات تخاطب شرائح تهتم برخص الثمن أكثر من اهتمامها بجودة الزجاج ونقاوته، فالبرطمانات يزداد الطلب عليها مع مواسم رمضان لصنع المخللات، أما زجاجة الشيشة، فهي مرتبطة بانتشار المقاهي في الريف كمحاكاة للمدن، وكذلك كنتيجة لطغيان المباني الأسمنتية على الزراعة.

وينتعش تسويق منتجات المصنع في فصل الشتاء، وكذلك مع السيول أو الكوارث التي عادة ما تنال من سكان المناطق الريفية في صعيد مصر ومناطق أخرى. أما في فصل الصيف، فيعاني المصنع من ركود، أي إن هذه الصناعة تشبه في نمطها نظام الزراعة، من حيث نمط الربحية المعتمد على المواسم والفصول وأوقات المحاصيل.

إن بقاء هذه الصناعة الريفية يطرح الكثير من التساؤلات حولها، منها: مدى ارتباط تسويق منتجاتها بتأخر التحديث عن الريف، وازدياد الفقر في المجتمع من جهة المستهلك لا العامل فقط، كما أن هذه الصناعة تكشف عن نمط من البشر يتعامل مع قيمة العمل بمنطق أهم من الربح، ولعل كثرة التساؤلات هي التي ولدت فكرة الفيلم.

شاهد أيضًا:


** مخرج مصري