الأخت المرسلة، بعد التحية، يندر أن يخلو ذهن أي شاب أو فتاة في هذه المرحلة من عمره – من التفكير في مثل هذه الأمور كماهية الله -سبحانه وتعالى- ووجوده، والحكمة من الخلق؛ فلقد كان الإنسان في مرحلة الطفولة يتلقى ما يتعلمه من أبويه والبيئة المحيطة من حوله على سبيل التقليد والاتباع، فإذا كبر هذا الشاب واتسع عقله واتسعت مداركه للتفكير بدأت مثل هذه الأسئلة ترد على ذهنه….

وهذه الأسئلة عادة تكون مفيدة؛ إذ إنها تدفع الإنسان للقراءة في أمور العقيدة حتى يكون إيمانه عن اقتناع، وحتى يدفع الشبهات التي يوردها الشيطان على ذهنه.

ولقد ذكرَتْ لنا كتب السيرة شيئًا مشابهًا لذلك؛ فقد روي أن أحد الصحابة قال للرسول -صلى الله عليه وسلم-: “إني لأجد في صدري ما تكاد أن تنشق له الأرض، وتخر له الجبال هدًّا”، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “أوجدتموه في قلوبكم.. ذلك صريح الإيمان”، ثم قال: “الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة”. وفي حديث آخر: “إن الشيطان ليأتي أحدكم فيقول له: مَنْ خلق الشمس؟ فيقول: الله. فَمَنْ خلق القمر؟ فيقول: الله. فمن خلق الله؟ فمن وجد ذلك فليقل: آمنت بالله ورسوله”. وذلك حتى يقطع الإنسان هذه الوساوس، ومع ذلك فإذا لم تكن هذه الأفكار نوعًا من الوسواس وعبارة عن عارض وشبهة قوية تحتاج إلى إجابة؛ فعذر ذلك ينبغي أن يتعلم الإنسان من أمور العقيدة ما يدفع هذه الشبهة…

وعلى سبيل المثال فإن الإيمان الدائم بقول الله -سبحانه وتعالى-: “لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ” يعصمنا من التفكير في ماهية الله -عز وجل-؛ فمهما تفكرنا فلن تستوعب عقولنا ذلك، ولن تصل إلى شيء؛ ولذا قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: “تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله فتهلكوا”.

ومن درجات الاعتقاد أذكر لكِ أحد الأمثلة فأقول: “إنه إذا حكى لك أحد الأصدقاء الذين تثقين فيهم عن وجود بلد تسمى الهند؛ فإنك غالبًا ما تصدقينه رغم أنك لم تريها بعد، إلا إذا عرض لك عارض يشكك في وجودها، فإذا ما زاد عدد هؤلاء الأصدقاء الثقة الذين يحدثونك عنها زاد إيمانك، فإذا سمعت ورأيت شيئًا من أخبارها في التلفاز زاد يقينك أكثر وأكثر.. فإذا سافرتِ إليها وشاهدتِها بعينك وصلتِ إلى تمام اليقين.

فأدنى الدرجات هو الإيمان على سبيل التقليد والاتباع لمن يثق الإنسان فيهم، وهي طريقة يقبلها الله -سبحانه وتعالى- من العبد في إيمانه “قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ لاَ يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ” (الحجرات: آية 14).

ومن أمثلة الكتب التي أنصحك بقراءتها في أمور العقيدة كتاب “تعريف عام بدين الإسلام” للأستاذ “علي الطنطاوي”، وكتاب “ولكننا لا نرى الله” للأستاذ “طه محمد”، وكتاب “عقيدة المسلم” للشيخ “محمد الغزالي”.

أختي المرسلة، بقي أن أقول لك: إنه في بعض الأحيان تتحول هذه الأفكار إلى نوع من الوسواس، الذي لا يستطيع الإنسان دفعه رغم اقتناعه بخطئه، وهذه الحالة تسمى بالوسواس القهري، وهنا يحتاج الأمر إلى العلاج الدوائي الذي ينفع في معظم الأحوال. وأذكر إحدى الحالات التي كنت أتابعها طبياً ، وكان صاحبها يعاني هذه المرة من أفكار سيئة عن ذات الله -عز وجل-، وكان هو الأخ الأصغر لأحد المرضى الفصاميين، واستجاب للعلاج بعد ثمانية أسابيع من العلاج الدوائي، ثم اختفت هذه الأفكار تمامًا…

لتطمئني ولتهدئي ، ولتأخذي الأمر على مَهَلٍ.

د. إيهاب خليفة

 

 

 

 

 

فريق مشاكل وحلول