بسم الله، والحمد لله، والصلاةوالسلام على رسول الله، وبعد:-
المسلم ممنوع من الإقامة في بلاد الكفر؛ لعدم تمكنه من إقامةشعائر دينه، فيجب عليه أن يهاجر إلى دولة مسلمة يأمن فيها على دينه، لكن الأمور قدتبدلت وأصبحت البلاد الإسلامية كالبلاد غير الإسلامية كلها لا تعد بيئات معينة علىالالتزام بالدين، وربما أصبحت بعض البلاد غير الإسلامية أقل فتنة في الدين منغيرها، وعلى ذلك فالقاعدة الآن أنه حيث تمكن المسلم من إقامة شعائر دينه أقام سواءأكانت بلادا إسلامية، أو غيرها، وعلى المسلم أن يتجه إلى الدولة الأكثر إعانة علىأداء شعائر الدين إذا كان يستطيع ذلك.

يقول الشيخ محمد صالح المنجد من علماء المملكة العربيةالسعودية:-
الأصل أنه لا يجوز للمسلم أن يقيم بينالمشركين، وعلى هذا دلت الأدلة من الكتاب والسنة والنظر الصحيح.
أما الكتاب ؛ فقد قال الله تعالى:( إِنَّ الَّذِينَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُواكُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِوَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْمَصِيراً ) النساء / 97.
وأما السنة ؛ فقد قال النبي صلىالله عليه وسلم : ( أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِالْمُشْرِكِينَ ) . رواه أبو داود،. وصححه الألباني في صحيح أبي داود.

وأما النظر الصحيح ؛ فإن المسلمالمقيم بين المشركين لا يستطيع أن يقيم كثيراً من شعائر الإسلام وعباداته الظاهرة ،مع ما في ذلك من تعريضه نفسَه للفتن ، لما في تلك البلاد من الإباحية الظاهرة التيتحميها قوانينهم ، وليس للمسلم أن يعرض نفسه للفتن والابتلاءات.

هذا إذا نظرنا إلى أدلة الكتابوالسنة نظرةً مجردةً عن واقع الدول الإسلامية ودول الكفر . وأما إذا نظرنا إلى واقعالدول الإسلامية فإننا لا نوافق السائل على قوله (وخصوصا أن بلاد المسلمين أصبحتلا تختلف كثيراً عن غيرها من ناحية الالتزام بشرائع الإسلام ) فهذا التعميم غيرصحيح، فليست الدول الإسلامية على درجة واحدة من البعد أو القرب من الالتزام بشرائعالإسلام، بل هي متفاوتة في ذلك، بل البلد الواحد يتفاوت باختلاف مناطقه ومدنه.

ثم دول الكفر أيضاً ليست علىدرجة واحدة من الإباحية والتحلل الخلقي، بل هي متفاوتة في ذلك أيضاً.
فنظراً لهذا التفاوت بين الدول الإسلامية بعضها البعض ، وبيندول الكفر بعضها البعض.

ونظراًلأن المسلم لا يستطيع أن يذهب إلى أي دولة إسلامية ويقيم بها – لوجود قوانينالتأشيرات والإقامة الصارمة وما أشبه ذلك

ونظراً لأن المسلم قد لا يتمكن من إقامة دينه في بعض الدولالإسلامية ، في حين أنه قد يتمكن من ذلك أو من بعضه على الأقل في بعض دول الكفر.

فلكل ما سبق لا يمكن الآن أن يصدر حكم عام يعم جميع البلادوجميع الأشخاص ، بل يقال : لكل مسلم حالته الخاصة به ، وحكمه الخاص به ، وكل امرئحسيب نفسه ، فإن كانت إقامته لدينه في الدول الإسلامية التي يمكنه أن يسكن بها أكثرمن إقامته لدينه في بلاد الكفر لم يجز له الإقامة في دول الكفر ، وإن كان الأمربالعكس جازت إقامته في دول الكفر بشرط أن يأمن على نفسه من الشهوات والفتن التي بهابأن يحصن نفسه منها بالوسائل المشروعة.

وهذه أقوال لأهل العلم تؤيد ما سبق: –
سئل الشيخ ابن عثيمين ـ رحمه الله ـ عنهذه المسألة فقال:
إن هذه المسألة من أشكلالمسائل الآن نظراً لاختلاف البلدان كما سبق بيانه ، ولأن بعض المسلمين المقيمين فيدول الكفر إذا رجعوا إلى بلدهم اضطهدوا وعذبوا وفتنوا عن دينهم في حين أنهم يأمنونمن ذلك في دول الكفر، ثم إذا قلنا : لهم يحرم عليكم الإقامة بين الكفار . فأينالدولة الإسلامية التي تستقبلهم وتسمح لهم بالإقامة فيها ؟! هذا معنى كلامه رحمهالله.

وقال زكريا الأنصاري الشافعي في كتابه “أسنى المطالب” : –
تَجِبُ الْهِجْرَةُ مِنْ دَارِ الْكُفْرِ إلَىدَارِ الإِسْلامِ عَلَى مُسْتَطِيعٍ لَهَا إنْ عَجَزَ عَنْ إظْهَارِ دِينِهِ اهـ.

وقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ المالكي: –الْهِجْرَةُهِيَ الْخُرُوجُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ إلَى دَارِ الإِسْلامِ, وَكَانَتْ فَرْضًافِي عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَاسْتَمَرَّتْ بَعْدَهُ لِمَنْ خَافَعَلَى نَفْسِهِ اهـ . من “نيل الأوطار” للشوكاني.

وقال الحافظابن حجر عن قوله صلى الله عليه وسلم : ( أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُبَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ(
وَهَذَامَحْمُول عَلَى مَنْ لَمْ يَأْمَن عَلَى دِينه اهـ.

وفي “الموسوعةالفقهية” :- :دَارُ الْحَرْبِ : هِيَ كُلُّ بُقْعَةٍ تَكُونُ أَحْكَامُالْكُفْرِ فِيهَا ظَاهِرَةً .

(من) الأَحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِدَارِ الْحَرْبِ:الْهِجْرَةُ. قَسَّمَ الْفُقَهَاءُ النَّاسَ فِي شَأْنِ الْهِجْرَةِ مِنْ دَارِالْحَرْبِإلَى ثَلاثَةِ أَضْرُبٍ:-
أمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْهِجْرَةُ , وَهُوَمَنْ يَقْدِرُ عَلَيْهَا , وَلا يُمْكِنُهُ إظْهَارُ دِينِهِ مَعَ الْمُقَامِ فِيدَارِ الْحَرْبِ , وَإِنْ كَانَتْ أُنْثَى لا تَجِدُ مَحْرَمًا , إنْ كَانَتْتَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهَا فِي الطَّرِيقِ , أَوْ كَانَ خَوْفُ الطَّرِيقِ أَقَلَّمِنْ خَوْفِ الْمُقَامِ فِي دَارِ الْحَرْبِ. . .

بمَنْ لا هِجْرَةَ عَلَيْهِ : وَهُوَ مَنْ يَعْجِزُ عَنْهَا , إمَّا لِمَرَضٍ , أَوْإكْرَاهٍ عَلَى الإِقَامَةِ فِي دَارِ الْكُفْرِ , أَوْ ضَعْفٍ كَالنِّسَاءِ,وَالْوِلْدَانِ . لقوله تعالى : ( إلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِوَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلا) النساء : 98.

جمَنْ تُسْتَحَبُّ لَهُ الْهِجْرَةُ , وَلا تَجِبُعَلَيْهِ , وَهُوَ : مَنْ يَقْدِرُ عَلَى الْهِجْرَةِ وَيَتَمَكَّنُ مِنْ إظْهَارِدِينِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ , فَهَذَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الْهِجْرَةُ لِيَتَمَكَّنَمِنْ الْجِهَادِ , وَتَكْثِيرِ الْمُسْلِمِينَ اهـ . باختصار.

وفي فتاوى اللجنة الدائمة:-وتكون الهجرة أيضاً منبلاد شرك إلى بلاد شرك أخف شراً ، وأقل خطراً على المسلم ، كما هاجر بعض المسلمينمن مكة بأمر النبي صلى الله عليه وسلم إلى بلاد الحبشة . أ.هـ

والله أعلم.
نقلا عن موقع الإسلام سؤال وجواب.

 

 

الشيخ محمد صالح المنجد