وحيد تاجا

Image
الفنان التشكيلي جورج بهجوري

يعتبر فنان الكاريكاتير المصري جورج بهجوري من الأسماء اللامعة في حلقة رسامي الكاريكاتير السياسي في وطننا العربي. حاز على العديد من الجوائز العالمية، الجائزة العالمية الأولى في الكاريكاتير عامي 85، 87 في روما، وجوائز عالمية هامة في يوغسلافيا وفرنسا وإسبانيا، بالإضافة إلى حيازته جائزة الشرف للكاريكاتير العربي في دمشق عام 1980، وجائزة الملك عبد الله الثاني للفنون بالأردن التي نالها مؤخرا، وقد وصفته الصحف الفرنسية، حيث يقيم، بأنه بيكاسو مصر.

درس بهجوري الفن في مصر وباريس وأقام 30 معرضا في مصر و20 في باريس، وشارك بأكثر من مائة معرض داخل مصر وخارجها، بدأ حياته رساما للكاريكاتير في المجلات المصرية وبرع في أسلوبه المتميز الذي تناول فيه العديد من القضايا وعبر تلك التجارب الكاريكاتورية انطلقت أعماله نحو الإبداع في أعمال فنية فرسم أولاد الحارة وحركة الناس ونشاطهم ومهنهم.

سافر بهجوري إلى باريس طامحا في إثراء تجربته، وعرضها على العالم، ونجح نجاحا منقطع النظير، حيث رسم آلاف الرسوم “الإسكتشات”، ولاقت أعماله استحسانا وقبولا واسعين.له ثلاثة كتب مرسومة وثلاثة كتب مكتوبة ومائة كراسة رسوم رحلات.مناسبة زيارته الأخيرة إلى دمشق من خلال استضافة غاليري “أتاسي” لمعرض له، التقيناه وكان هذا الحوار الشيق:

الكاريكاتير أكاديمي

* بداية هل نستطيع القول إن فن الكاريكاتير هو أحد فروع الفن التشكيلي، وهل يمكننا اعتباره فنا أكاديميا؟

– فن الكاريكاتير هو اتجاه من اتجاهات الفن التشكيلي أو الرسم، ليس بالضرورة أن يكون أحد فروعها؛ لأن أي رسام تشكيلي لا يستطيع أن يكون رساما كاريكاتيريا، ولكنها موهبة أخرى نادرة، تماما كما في المسرح أو السينما أو التمثيل، حيث يتجه القليل من الممثلين الذين درسوا أصول المسرح إلى التمثيل الفكاهي، لكن الكاريكاتير لابد أن يعود إلى أصول الدراسة الأكاديمية.. حيث يتحلى بصفات محددة في التقنية والعناية بالتفاصيل، وهذا هو الفرق بين الكاريكاتير الرخيص والكاريكاتير على مستوى فني راقٍ.

بالإضافة إلى أن الإبداع والتميز في مجال الكاريكاتير يحتاج إلى أن تكون شخصا ساخرا بطبعك، وهذا لا يُعلَّم، بل يولد مع الإنسان.. أتذكر جيدا وأنا ما زلت طفلا صغيرا كيف كنت أسخر من عائلتي “البهجوري” التي كان جميع أفرادها يمتلكون أنوفا طويلة، ولأنني لم أكن أستطيع أن أقول لهم: إن أنوفهم طويلة كنت أرسمهم بأنوفهم الطويلة، وأجعل كل من يراها يضحك، وهذا ما جعل الجميع يطردني من مجلسه، ويرمي برسوماتي.
باختصار أقول: إن القدرة على السخرية تولد مع الإنسان، وإذا لم تكن موجودة من الصعب خلقها، في حين أن المهارة في الرسم تكتسب.

* من ناحية تنفيذ اللوحة الكاريكاتيرية.. يلاحظ اتجاه معظم فناني الكاريكاتير إلى الطابع الجرافيكي (الحفر)، ما هو سبب ذلك؟

– هذا صحيح، فقد اتجه الكاريكاتير في الأعوام الأخيرة إلى فن الحفر، حيث تصبح النكتة المرسومة لها طابع درامي في نفس الوقت، ودراسة التفاصيل على طريقة فن الجرافيك، أو الحفر في الأسود والأبيض.

وهذا اتجاه لمدرسة ظهرت في ألمانيا ووسط أوروبا، وانتشرت في أغلب اتجاهات الكاريكاتير، وحتى يصل رسام الكاريكاتير إلى المستوى العالمي في الفن لابد له من إتقان أصول أكاديمية في فن الرسم مثل أونوريه، ودومييه، وتولوزولوتريك.

* يلاحظ تركيزك على التفاصيل؟

– هذا صحيح التفاصيل مهمة جدا في رسوماتي، ولو أتيح لي المزيد من الوقت لسردت كل التفاصيل الممكنة في لوحاتي، ولوجدتني أزخرف الرسمة بأدق التفاصيل التي يمكن أن توضح ما أريد، وربما هذا عائد لكوني فنانا تشكيليا بالأصل.

الرمز سر العالمية

 

 مفهوم الجمال بالنسبة لي مختلف

* أين يمكننا أن نصنف هذا الفن في بلادنا من حيث المضمون والشكل، مع نظيره من النتاجات العالمية؟

– الكاريكاتير العربي تقدم وانتشر في كل الصحف والجرائد والفضل يعود إلى المدرسة المصرية في الكاريكاتير منذ العشرينيات والثلاثينيات، المضمون رائع، والنكتة أحلى نكتة، والشكل ضعيف ما عدا القليل من الرسامين مثل الشهيد ناجي العلي، وعلي فرزات، ومحمود كحيل، وحجازي، وبهجت يوسف، ويوسف عبد لكي، ونبيل أبو حمد وعز العرب.الميزات هي جمال الخط وموسيقية التناغم في الخطوط وقوة التعبير في الكتلة والتكوين المركب.

والاتجاه أحيانا إلى الزخرفة والنمنمة إذا كان الموضوع طريفا لا يصل إلى خطورة موقف من قضية كبيرة، في حين أن عيب الكاريكاتير العربي هو المحلية؛ لأننا لا نستطيع نشره على مستوى عالمي، فهو فقط يخاطب رجل الشارع أو المفهوم الشعبي؛ لأنه يعتمد على استعمال اللهجة أو اللغة الخاصة بكل بلد عربي.

* هل الكاريكاتير الناجح هو ذلك الذي يعتمد على الرمز أم المباشرة، وأي من اللوحات أبلغ تأثيرا، تلك التي تذيل بتعليق على اللوحة أم تلك التي تبقى بدون تعليق؟

– الكاريكاتير الناجح يعتمد على الرمز ولابد أن يكون مباشرا بدون تعليق، أما التعليق فإنه يضعف مجال اللوحة الكاريكاتيرية، ويرشح التوجه للعالمية نظرا لعولمة الصورة، وعادة يلجأ كثيرون من الزملاء لوضع تعليق؛ لأنها الطريقة الأسهل، وغالبا ما يقرأ القارئ هذا التعليق ولا يرى الرسم.

وعلى الصعيد الشخصي، لست مع الحوار الطويل في الرسم الكاريكاتوري، فما الفائدة من الحوار ولغتي هي الرسم، أما الكتابة فهي لغة أخرى، وفي الحالات التي ألجأ فيها إلى التعليق غالبا ما يكون التعليق في رسوماتي هو النقطة الأولى يليها الرسم أو العكس.

* عرف فن الكاريكاتير بأنه فن ساخر.. فهل نستطيع القول إن هدفه الإضحاك فقط أم أن هناك أشياء أعمق من هذا، وأيهما أهم الشكل أم المضمون في لوحة الكاريكاتير؟

– الإضحاك وحده لا يكفي لابد للكاريكاتير أن يحرض على موقف كبير لقضية هامة، وطنية أو ثورية، كما يجب أن يتكامل عنصر الشكل مع عنصر المضمون؛ لتكون بين يدي لوحة جميلة، فالرسم عندما يكون ضعيفا تضيع الفكرة وعندما تكون الفكرة غير واضحة تشوه الرسم وهكذا، وأعترف أنني في بداية حياتي الفنية كنت أنشغل كثيرا بالشكل وأنحاز إليه بجدارة، ربما لأنني كنت غارقا في حب الفنون التشكيلية فكنت أستغرق في الرسم وأنسى المضمون، أما اليوم فالمضمون هو الأساس بالنسبة لي.

الحرية والكاريكاتير

 

 نفتقر للديمقراطية في بلادنا

* هل يستطيع الرسام نشر كل ما يفكر به في عالمنا العربي، أم أنه يعاني من متاعب سياسية؟

– لنا مشاكل كثيرة في النشر للافتقار إلى الديمقراطية الصحيحة في بلادنا العربية، كما أن الحكام العرب يغضبون من رسوم الكاريكاتير الشخصية لهم.

أهم قضية كاريكاتيرية تعرضت لها شخصيا هي رسومي للرئيس المصري السابق السادات، وسخريتي منه بعد اتفاق كامب ديفيد وزياراته لـ”إسرائيل” مما جعلني في الصفحات الأولى على الصحف المصرية بأمر من وزارة الداخلية.

* وكيف تتعامل أنت شخصيا مع المحظورات ومقص الرقيب في وزارات الإعلام العربية؟

– لا أخفيك أنني أرسم بحرية محدودة، وباعتقادي أن الإحساس بالمسئولية يحد من حرية الفنان، فالرقابة الذاتية هي التي تمنعه من الاقتراب من هذا الموضوع أو ذاك.

في مصر مثلا أنا مضطر لأن أتعامل مع الرقيب الذاتي الموجود في داخلي، وأشير إلى أنني أتفق مع رئيس تحرير الصحيفة التي أنشر فيها على أن أرسم كل فكرة، تخطر على بالي -حتى ولو كانت لاذعة- وأرسلها بالفاكس إليه ليختار ما يشاء، إذن أنا حر في أن أرسم ما أريد، وهم أحرار في نشر ما يريدون، وأعتقد أن هذا تفاهم ديمقراطي بيني وبينه إلى حد كبير.

وأعترف هنا بأني فنان مسالم، فأنا أبحث دوما عن توليفة أوصل بها ما أريد بالطريقة السلمية، أنا لست مقاتلا مثل الشهيد ناجي العلي؛ لذلك ألامس بعض القضايا من بعيد، فلا أريد أن أتورط أكثر من ذلك.

* من المعروف أنك كنت أول من رسم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر على غلاف مجلة روزاليوسف، ثم رسمت السادات.. كذلك شارون.. من سترسم أيضا من الرؤساء!؟

– أرغب في رسم الرئيس الفرنسي ساركوزي؛ لأن شكله مليء بعناصر الكاريكاتير، والفنانون الفرنسيون وجدوا فيه ذلك؛ لذلك هو يظهر يوميا -تقريبا- كاريكاتوريا في حين أن رسامي الكاريكاتير في الوطن العربي لا يتمتعون بهذه الحرية؛ لأن الجميع يعتقدون خطأ أن الرسم الكاريكاتوري هو نوع من أنواع التشويه.. في شخص هذا الرئيس أو ذاك.

ولا أنكر هنا أنني تفاجأت كثيرا بعد رسمي للراحل جمال عبد الناصر عندما أُخبِرت أنه ضحك كثيرا عندما شاهد رسمه الكاريكاتوري، في حين أن أنور السادات، كما أسلفت، أمر باستجوابي من قبل المدعي العام بعد رسمي له وموقفي الواضح من قيامه بعقد اتفاقية سلام مع إسرائيل. كما رسمت رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إريل شارون، وهو في العناية المشددة يطلب تغيير دمه، وقد أثارت هذا الرسم غضب الإسرائيليين كثيرا.

جمال خاص

 

 للعين مكانة مميزة عندي

* من أين تستوحي عناصر ومقومات لوحتك الكاريكاتيرية؟

– استمدها بالدرجة الأولى من معاناتي الشخصية، ومن معاناة أسرتي ومن يحيط بي أيضا لابد لرسام الكاريكاتير من أن يقرأ الصحف ويسمع الإذاعة والتلفزة حتى تكون أفكاره حاضرة مع كل لحظة –كاريكاتير طازج- ساخن.

* ولماذا التأكيد على تشويه الوجوه في أعمالك؟

– الفن التشكيلي ليس هدفه تبليغ رسالة معينة، فالرسالة الأولى هي في البحث التشكيلي الجديد فـ “بيكاسو” جعل العالم يُرى بعيونه هو، ووفق رؤية جديدة، لذلك حقق الإدهاش ووصل إلى الجميع وكان أشهر شخصية في عصره.

* وأين الجمال في لوحاتك وهي ذات وجه مشوه وعين واحدة كبيرة…؟

– أحرص على وجود الجمال في لوحاتي، ولكنني أراه في هذه الوجوه المشوهة، لأن مفهوم الجمال بالنسبة لي مختلف عن المفهوم التقليدي له، فأنا أتجاوز فيه الشكل الخارجي، فهو لا يعنيني؛ لأنني لست مصورا، وهنا أذكر أن صديقة لـ”بيكاسو” طلبت منه أن يرسمها فرسمها فقالت له إن ما رسمه لا يشبهها أبدا فأجابها بأن الصورة ستشبهها فيما بعد عندما ترى الصورة كما يراها هو.

* على ذكر العيون، يلاحظ أن لك فلسفة خاصة حول رسم العيون الدائم في لوحاتك، وتأكيدك على قوة عين واحدة فقط؟

– العين لها مكانة مميزة عندي، ولكن لوحاتي ترى بعين واحدة قوية، أما الأخرى فثانوية وهذا له علاقة بالبحث التشكيلي ولي فلسفة حوله، فأنا أرى أن العين هي نافذة الروح، وعندما تتكرر تقلل من جمالية اللوحة؛ لذلك نرى أن فنانين عصر النهضة كانوا يهتمون بالعين الأولى، أما الثانية فغالبا ما تكون في الظل والعتمة.. العين أراها مرادف للحياة ألا ترمز لوفاة الإنسان بغلق عينيه.

أفكار لاذعة

* متى يصل الفنان إلى مرحلة تشير خطوطه التي يرسمها إلى اسمه..؟

– لا يصل الفنان إلى هذه المرحلة إلا بعد خبرة طويلة قائمة على موهبة حقيقية، وهناك أسماء كثيرة استطاعت أن تصل إلى هذه المرحلة، خاصة في مجال الرسم الكاريكاتوري.

* إلى ماذا يحتاج الكاريكاتير العربي..؟

– يحتاج إلى الفكرة اللاذعة بالدرجة الأولى.

* متى لا يستطيع فنان الكاريكاتير إيصال فكرته؟

– عندما يكون هناك خطأ ما إما في الرسم أو في الفكرة، أو عندما يكون الفنان ضعيفا في الرسم وفي التعبير عن فكرته فأنا مثلا تولد في ذهني يوميا عشرات الأفكار أحاول أن أترجمها إلى خطوط بأسلوبي الخاص، وأصعب شيء هو إيصال فكرتي بوضوح عبر الخط، وأي خلل في الخط أو في الفكرة يؤدي إلى ضياع الرسالة.

* هل يزعجك عدم فهم ما ترسمه أو تفسيره بشكل مختلف عما قصدته؟

– نعم هذا يزعجني كثيرا، وذلك يحدث؛ لأنني إما فشلت في التعبير أو أن المتلقي لا يجيد قراءة رسمت.

* ما أسباب جهل المتلقي العربي بقراءة الرسوم أو الصور؟

– سبب ذلك بالدرجة الأولى يعود لأمية العين المنتشرة في البلاد العربية فنحن أمة تعودت الإصغاء، ولم تتعود النظر بالعين أي أننا تعودنا على السمع أكثر من الرؤية.

ناجي العلي

* أشرت إلى الفنان الراحل ناجي العلي مرارا في حديثك؟

– برأيي أن أكبر محنة شهدها وسط فن الكاريكاتير في عالمنا العربي هو رحيل ناجي العلي، هذا الفنان الذي جعل لفن الكاريكاتير طعما آخر، فقد كان ناجي العلي رساما أسطورة، والرسامون في الغرب مندهشون بتلك الشخصية التي خلقها العلي والمتمثلة بشخصية حنظلة التي أصبحت رمزا للرفض وللمقاومة.. ناجي العلي كان يطعن بريشته التي تحولت لسكين في صدر المحتل.

* تقول في حوار لك: «أشعر بأني أهم فنان تشكيلي في العالم العربي، ولا يتفوق علي رسام في مصر»؟

– أنا متواضع لحد الغرور ومغرور لحد التواضع، وأنا اليوم في أحسن ظروفي وحالاتي، وأعتقد أنني في قمة إبداعي؛ لأنني على الأقل وصلت لسن السبعين ولم أسكت يوما عن ممارسة لغتي بالرسم، وأخفى في مرسمي بباريس أعمالا تصل إلى ملايين الرسوم موضوعة في كتب يصل عددها إلى 600 كتاب هي شرح كامل لتاريخ حياتي، وهي مذكرات يومية لعمر طويل عندما أقلب فيها وأتذكر ما مررت به أرى أنني أتقنت لغة الرسم ووصلت لحالة متفوقة من البلاغة، وأعتقد أنه لا يوجد فنان في العالم أرخ لحياته بهذه الغزارة من الإنتاج والبحث عن طريق الخط الواحد.


  كاتب سوري