محمد جمال عرفة

Image

لأن مواد قانون الطفل الذي أقره البرلمان المصري في يونيو 2008 تضمنت العديد من “الألغام” القابلة للانفجار، والتي سعي عدد من نواب البرلمان المعارضين لنزع بعضها مثل نسب الطفل لأمه، فلم يلتفت أحد لفقرة خطيرة به تلزم المقبلين على الزواج إجراء فحوصات طبية وتجعله “وجوبيا” وشرطا للزواج الشرعي لا يستطيع أي زوجين التقدم للمأذون الشرعي بدون أن يكون مع كل منهما شهادة طبية تثبت خلوه من أي مانع حتى لو كان العقم.

ولأن القانون دخل حيز التنفيذ في الأول من أغسطس 2008، فقد دخل راغبو الزواج الشرعي في “حيص بيص”، ليس بسبب هذه القيود الجديدة على “مؤسسة الزواج” ماديا ومعنويا (مطلوب من كل زوج إعطاء عينة من سائله المنوي في معمل التحليل.. كيف؟ الله أعلم؟)، وإنما لأن القيود أصبحت تتوالى من كل حدب وصب على (الزواج الرسمي) حتى أصبح الزواج كائنا غريبا يوشك على الانقراض من كثرة السهام التي تمزق جسده من قبل دعاة تحرير المرأة.

فلن يقتصر الأمر على تقييد حق الزواج الشرعي بقيود غريبة -في قانون الطفل- مثل الفحص الطبي، وإنما سيصل الأمر –مع قرب صدور قانون الأحوال الشخصية- لجر الرجال إلى المحاكم بواسطة النساء، حيث سيتم منع تعدد الزوجات رسميا في هذا القانون، وسيرفض أي مأذون -بالقانون– تزويج أي رجل من أي زوجة ثانية، ومن لا يعجبه “باب الزواج العرفي يفوت جمل”!

أيضا سيقيد هذا القانون -الذي يجرى طبخه حاليا- سلطة الزوج على زوجته (ستخرج للعمل غصبا عنه) ويوسع قاعدة “الخلع” و”الطلاق” ويزيد “النفقة الشهرية” كي يعطي مزيدا من الحقوق للزوجات الملائكة من أزواجهن الشياطين، كما سيساوي الزوجة “العرفية” بالزوجة “العادية” في الحصول على العديد من الحقوق التي تحصل عليها المتزوجة رسميا.

والطريف أن بعض الشباب سعى فور علمه بحكاية الفحص الطبي للإقبال في شهر يوليو الماضي على عقد زواجه قبل حلول أغسطس 2008، ليس فقط للتهرب من الأعباء المالية لهذه التحليلات الطبية والتي تتراوح بين 70 جنيها في المستشفيات الحكومية –وفق مسئولي وزارة الصحة- وبين 2000 – 4000 جنيه في المستشفيات الخاصة، وإنما للخروج من حرج بالغ يسببه القانون للأزواج؛ لأنه يطالبهم بتسليم عينة من السائل المنوي لفحصها في المعمل عن طريق الاستمناء.. تخيل الحرج!

وعلى حين يقول العديد من الشباب المقبل على الزواج إن هذه المادة – برغم وجاهتها في الحديث عن منع انتقال أمراض وراثية وتشوهات للأطفال المواليد– تتسبب في المزيد من القيود المادية والحرج للشباب المتزوج، يرى خبراء اجتماع ومدونون أن هذه المادة تحديدا وهذه القيود على الزواج الشرعي سوف تؤدي لمزيد من انتشار الفاحشة أو في أفضل الأحوال انتشار الزواج العرفي إن لم يكن الزنا، خصوصا عندما يمنع قانون الأحوال الشخصية الجديد تعدد الزوجات.

وتشمل هذه الفحوصات الطبية الإجبارية التي حددتها وزارة الصحة المصرية تحاليل للدم لكلا الزوجين وأشعة بالموجات فوق الصوتية على الرحم للزوجة وفحصا للسائل المنوي بالنسبة للزوج؛ ما يتسبب في حرج بالغ للزوج المطالب بتوفير هذا السائل بشكل أو آخر وهو في المختبر.

قاطعوا الزواج الشرعي!

وقد أثار هذا القانون حالة من الرفض بين شباب المدونين على الإنترنت الذين اعتبروا أنه يشجع على الإباحية والزواج العرفي، ودعوا لمقاطعة الزواج الشرعي والتحول للعرفي، وصبوا جام غضبهم على مطالبتهم في المختبرات الطبية بملء أنبوبة بسائلهم المنوي، متسائلين: كيف؟!

ويقول بعضهم إنه ذهب إلى المستشفى بالفعل لإجراء الفحوصات الطبية اللازمة، فأعطته الطبيبة كوبا وطلبت منه عينة من السائل المنوي، لكنه رفض الخضوع لذلك الفحص، وقرر التحايل على هذا بالتفكير في الزواج العرفي حتى يهرب من هذا “الفحص غير الإنساني”.

وعلى حين يقول الشيخ مصطفى أبو السعود مسئول حجز قاعات عقد القران بمشيخة الأزهر -أحد الأماكن المفضلة للمصريين لعقد قرانهم-: إن وزارة العدل وزعت علينا منشورا بتاريخ 15 يونيو الماضي، حددت فيه الأول من أغسطس المقبل موعدا لتطبيق البند القاضي بضرورة حصول الزوجين على شهادة صحية بخلوهما من الأمراض وقدرتهما على الإنجاب كشرط لإتمام عقد القران، يقول م.ج وكيل مأذون –رفض ذكر اسمه– إنه لم يتم البدء بتطبيق هذا الشرط بعد؛ لأن الأمر التنفيذي الخاص بالفحص الطبي لم يصل بعد من وزارة العدل.

ويقول إن مأذوني مصر سوف يمتنعون عن تزويج أي زوجين ما لم يحضر كل منهما شهادة طبية تثبت أنه سليم طبيا، وقال إن هذه الشهادات لن تصدرها المستشفيات أصلا “إلا إذا كان الزوج أو الزوجة سليما تماما”.

ويقول إنه في حالة ظهور عيوب طبية في الزوج أو الزوجة لا يتم الزواج غالبا لرفض الزوجين، ولكن في حالة موافقة الزوجين مع ذلك على هذه العيوب –مثل عدم قدرة أحدهما على الإنجاب أو إصابته بمرض– يجرى أخذ إقرار عليهما بالموافقة ويتم الزواج بعد استيفاء الإجراءات القانونية، مشيرا إلى أنه في حالات الوراثة وتشوه الجنين نتيجة زواج الأقارب أو غيره غالبا سيرفض الزوجان إتمام العقد.

والأكثر طرافة أن العديد من الفتاوى بدأت تتوافد على علماء الدين للسؤال عن شرعية الاستمناء من قبل الأزواج في المعامل الطبية لتوفير السائل المنوي اللازم للتحليل، وتهرب العديد من الشيوخ من هذا السؤال، ولكن الدكتورة سعاد صالح أستاذة الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر أجازت هذا الاستمناء للحصول على عينة السائل المنوي من الشاب المقبل على الزواج، قائلة: “ما دام الهدف منه هو المنفعة ودفع الضرر فلا مانع”، و”الأصل في الأشياء هو الإباحة”.

ولأن العرب متحدون وقرارات حكوماتهم (الداخلية) في مواجهة شعوبهم “موحدة”، فقد أوصت جامعة الدول العربية بالفحص الطبي قبل الزواج وسنت بعض الدول العربية أنظمة لتطبيق الفحص قبل الزواج، ومع هذا فقد جعلت السعودية والبحرين والإمارات الفحص الطبي “اختياريا”، وأخذت مصر والأردن بالنظام الإجباري.

نعم للزواج العرفي

ولم يقتصر الأمر من قبل الشباب -في المدونات وعلى فيس بوك والمنتديات الاجتماعية- على إعلان إضراب ضد الزواج الرسمي، وإنما رفع الجميع رايات إما الزواج من غير مصريات أو الزواج العرفي، خصوصا أنه أصبح معترفا به من قبل الدولة والزوجة العرفية أصبحت لها نفس حقوق “الرسمية”.

ففي أسبوع واحد جرى إطلاق مجموعتين إلكترونيتين تحملان الشعار نفسه إحداهما على (فيس بوك)، والأخرى مجموعة بريدية على (ياهو) تدعوان الشباب المصري إلى الامتناع عن الزواج من المصريات!

وعلقت “نوارة نجم” صاحبة مدونة “جبهة التهييس” على قانون الفحص الطبي الإجباري للزوجين وهرع الشباب باتجاه عقد قرانهم قبل حلول موعد الفحص الطبي قائلة: “اتكلوا (توكلوا) على الله واتجوزوا عرفي” طالما أن القيود وصلت لهذا الحد، وتضيف: “من أول أغسطس كل كلب ح تسول له نفسه الدنيئة أنه يتجوز ح يدفع أربعة آلاف جنيه، ألفين جنيه لوزارة الصحة وألفين جنيه عشان (الفعوصات) الطبية”.

وتبارى مدونون آخرون في شرح وتوضيح أن الجواز في الإسلام “أصله عرفي”، ومفيش حاجة اسمها “مأذون” وفحص طبي.. أما حق الفتاة مثل المؤخر والنفقة وخلافه، فيمكن التغلب عليه بإيصال أمانة، و”قائمة العفش” التي هي مستند قانوني.

الفيس بوك يزوجكم عرفيا

ولأن شباب الفيس بوك عمليون، فقد دشنوا مجموعات للزواج العرفي وللتعارف بين من يرغبون في الزواج العرفي، وهم ينتقدون القيود على الزواج الرسمي والمأذون.

فعلى موقع “فيس بوك” انتشرت مجموعات الزواج العرفي مثل: (فقط للراغبين والراغبات في الزواج العرفي) وهو جروب يضم 1107 أعضاء وعضوات!! كما تضم جماعة أخرى للزواج العرفي 111 عضوا وتضم مجموعة لزواج المسيار 175 عضوا، غير عشرات المجموعات الأخرى.

وفيما نحا البعض للسخرية من قوانين “تقييد” الزواج الرسمي وتشجيع العرفي، والحديث عن مؤامرة حكومية على مؤسسة الزواج تقودها جمعيات مشبوهة لنشر الإباحية (كشفت وثائق عن قيام كنيسة تنصيرية أمريكية كبرى بالمساهمة في قانون الطفل المصري)، نحا آخرون للاستفادة من هذه القيود بتشجيع الزواج العرفي عموما وطلب زوجات عرفيات وترك أرقام تليفونات للاتصال بها لتوفير الزواج العرفي.

قانون “الفحص الطبي” أو تعقيد الزواج الرسمي ليس له من هدف بالتالي سوى رفع راية الزواج العرفي، وتصعيب مسألة الزواج، وحتى هذه الرغبة لمن ما زالوا على إصرارهم على الزواج سيجري تحطيمها قريبا بقيود أخرى في قانون الأحوال الشخصية ستجعل الرجل “شرابة خردة” لا قيمة له في بيته.

فالمرأة -وفق التعديلات المطروحة- ستكون هي صاحبة العصمة والكلمة، ولن يتجرأ رجل على مناطحة نفوذ زوجته في البيت، وإلا مصيره هو الجرجرة على المحاكم.

لم يعد “التقطيع” بالسكاكين و”التعبئة” في أكياس هو الحل للنساء في القرن الجديد، فهذه باتت موضة قديمة، والجديدة هو نزع وإلغاء أي نفوذ له في البيت بالقانون، وقصقصة ريش أي رجل بالخلع والطلاق والنفقة الكبيرة، وسلاح “ما بيعرفش” الذي ساهمت الأفلام الهابطة في نشره على نطاق واسع.

رحم الله الزواج الرسمي.. والبقية في حياة “الزواج العرفي”.. فالقانون الجديد يكاد يقول بوضوح في مسودته التفصيلية: “اتكلوا على الله واتجوزوا عرفي”!!


مستشار النطاقات الاجتماعية، ومحلل الشئون السياسية بشبكة إسلام أون لاين.نت.