أشرف أبو اليزيد

مولانا
جلال الدين الرومي

في الثالث عشر من ديسمبر 1925، أصدر العسكر رفاق كمال مصطفى “أتاتورك” الذين أطاحوا بالإمبراطورية العثمانية القانون رقم 677، الذي يقضي في مادته الأولى بإغلاق كل تكية وزاوية فوق أراضي الجمهورية التركية، سواء كانت وقفا، أو ملكا خاصا، أو مؤسسة تحت أي مسمى، مع إلغاء كل الألقاب التي ترتبط بهذه الأماكن الدينية كالشيخ، والدرويش، والإمام، والصديق، والأمير، والخليفة، وإغلاق مقابر كل السلاطين والدراويش، وإلغاء مهنة حراس المقابر، بل تحريم ارتداء أزياء لها رموز دينية، والإقرار بالحبس لفترة لا تقل عن ثلاثة شهور وغرامة لا تقل عن 50 ليرة تركية لمن يخل بأي مما سبق.

أما اليوم، ونحن نحتفل بمرور 800 عام على مولد مولانا جلال الدين الرومي.. الدرويش الشاعر، فإن الجمهورية التركية هي إحدى الدول التي تحتفل بالدراويش، وتصون التكايا، تحت إشراف اليونسكو وبمشاركة دول إسلامية كثيرة، ليس فقط حيث ولد في أفغانستان ودرس في نيسابور، أو حيث ولدت الطريقة الصوفية الأشهر على يدي الصوفي الكبير في مدينة قونية التركية، بل في كل المدن، وخاصة عاصمة الإمبراطورية العثمانية التاريخية، إستانبول، فعلى ضفاف البوسفور سنعيش أياما مع مولانا جلال الدين الرومي.. الصوفي والدرويش والشاعر، بين معرض للمقتنيات التاريخية، وحفلات لفرق المولوية، وإصدارات للأشعار الرومية، وتسجيلات للموسيقى الصوفية، فكيف حدث هذا التحول؟!

رحلة مولانا

تبدأ رحلتنا مع الصوفي الدرويش الشاعر قبل ثمانية قرون، حيث ولد محمد بن محمد بن حسين بهاء الدين في 30 سبتمبر سنة 1207 ميلادية، بمدينة بلخ (وتقع اليوم في أفغانستان).

هاجرت أسرة بهاء الدين هربا من سنابك خيول المغول الذين داهموا البلاد، ليتجه الشاب محمد مع عائلته إلى نيسابور، فيلتقي الشاعر الفارسي الكبير فريد الدين العطار، الذي يهديه ديوانه “أسرار نامه”، قبل أن يعاود أهل الشاب الذي لقب بجلال الدين الترحال إلى سوريا طلبا للهرب، وإلى مكة المكرمة رغبة في الحج، وصولا إلى الأناضول، واستقرارا في قونية حيث عمل جلال الدين مدرسا وواعظا، بعد أن تلقى العلم على يدي والده، ويدي الشيخ برهان الدين محقق من بعد وفاة والده.

 

 وصولا إلى روحانية مبتغاه

قضى جلال الدين تسع سنوات يتتلمذ على يدي الشيخ محقق، لكن المغول الذين طردوه من بلخ، طاردوه حتى قونية، ووصلوا على مشارفها بعد أن أسقطوا السلاجقة وقتلوا الذكور جميعا في مدينة قيصرية.

ها هو العام 1244 ميلادية، وقد وصل إلى مدينة قونية منذ فترة مولانا الشاعر الفارسي الكبير شمس الدين تبريزي، باحثا عن شخص يجد فيه خير الصحبة، وقد وجد التبريزي في الرومي ضالته، ولم يفترق الصاحبان منذ لقائهما، حتى إن تقاربهما ظل دافعا لحسد الكثيرين على جلال الدين، لاستئثاره بمحبة القطب الصوفي التبريزي، لكن شمس الدين تم اغتياله، وسواء كان القاتل تلميذا حاسدا لهذا أو ذاك، فقد قيل إن شمس الدين التبريزي سمع طرقا على الباب وخرج ولم يعد منذ ليلة شتوية باردة في ديسمبر 1248 ميلادية!

في السنوات الأربع التي صاحب فيها جلال الدين أستاذه شمس الدين، أشعل التبريزي قلب الرومي بالمعرفة والحب الإلهي، وألهمه لينظم رائعته الشعرية المكتوبة باللغة الفارسية في 27 ألف بيت في ستة مجلدات: “مثنوي”.

وبعد هذه الملحمة كتب الرومي ديوان “شمس تبريزي”، الذي أهداه إلى صاحب الخلوة الصوفية وصديق رحلته الروحية، وتضمن 40 ألف بيت من الشعر بالفارسية.

الشاعر..

عن اللغة الفارسية ترجم الدكتور إبراهيم دسوقي شتا رائعة مولانا جلال الدين الرومي “مثنوي”، وأصدرها المجلس الأعلى للثقافة في مصر، في أربعة كتب، ضمن المشروع القومي للترجمة. ومع الترجمة البديعة التي توخت الحفاظ على روح الشعر وإيقاعه، واستلهمت شروح المفسرين، والمفاهيم الفلسفية، والصوفية، قدم شتا شرحا جديدا يغوص في التجربة الرومية، فيستخلص منها درها ويبوح بسرها.

يقول الدكتور “شتا” في مقدمته لهذا العمل الضخم: “إنه من قبيل الإلهام من مولانا أنه لم يختر اسما معينا لعمله هذا، وإنه اختار اسم الشكل الشعري الذي وضعه فيه، والذي يتكرر فيه حرف الروي في كل شطر، ويتغير من بيت إلى بيت، بشكل يتناسب مع طول الكتاب المفرط، ومن ثم فأغلب المنظومات الطولية في الأدب الفارسي (مثل الشاهنامه للفردوسي وحديقة الحقيقة للسنائي ومنظومات العطار) وضعت فيه، وأغلب هذه المنظومات في بحر الرمل المسدس، وتفعيلته الأصلية (فاعلاتن فاعلاتن فاعلن)، وهو بحر سهل في موسيقاه، قابل للغناء، مقبول للحافظة، يصلح كثيرا للشعر التعليمي، وفي الوقت ذاته يتناسب تمام التناسب مع الهياج العاطفي والوجد والحال”.

على طول المثنوي يذكر مولانا كتابه بهذا الاسم، ويضيف أحيانا لقب (المعنوي) عليه، فكأنه يريد من البداية أن ينبه القارئ ليبحث فيه عن المعنى، وكثيرا ما ذكر في ثنايا “مثنوي” أن المعنى هو البر أو القمح، وأن الحكايات مجرد قش يحتوي على القمح، والعالم وكل ما في العالم عند مولانا صورة ومعنى، والمعنى هو الذي يجب أن يكون مطلوبا، وإن لم تكن هناك مندوحة عن التعمق في الصورة من أجل الوصول إلى المعنى.

ويأتي الكتاب المترجم في أجزائه الأربعة على هيئة حكايات ذات مغزى (قش تبحث في ثناياه عن القمح)، تأخذ شكل الأسطر المنفصلة، وتحمل عناوين فرعية، مثل قصة خداع الريفي للحضري ودعوته له بضراعة وإلحاح شديدين.

 

 رقصة صوفية

ويأتي في الحكاية ما يلي: “فيما مضى، كان هناك يا أخي حضري قد تعرف على ريفي/ وعندما كان الريفي يأتي إلى المدينة كان يحط رحاله في الحي الذي يسكن فيه ذلك الحضري/ كان ينزل عليه ضيفا شهرين وثلاثة شهور، كان ملازما لمتجره ولمائدته/ وكلما كانت تعن له حاجة في ذلك الزمان، كان الحضري يقضيها له بالمجان/ فالتفت إلى الحضري وقال: أيها السيد، ألن تأتي إلى القرية أبدا متنزها؟ بالله، هلا أتيت بكل أبنائك في هذا الوقت الذي تكون فيه الرياض في بداية الربيع/ أو تعال في الصيف أوان الثمر، حتى أعقد الحزام في خدمتك/ أقبل بخيلك وولدك وأهلك، وامكث في قريتنا ثلاثة شهور أو أربعة/ ففي أوقات الربيع تكون القرية جميلة، والمزارع وزهور الشقائق تشرح الصدر/ وكان الحضري يعد تهدئة لحاله، حتى مر على الوعد ثماني سنين/ كان كل عام يقول له: متى تتحرك فإن الشتاء قد حل؟/ فكان الحضري تعلل قائلا: هذا العام سوف يأتينا ضيف من مكان كذا/ وفي العام المقبل إذا فرغنا مما يهمنا، فسوف نسرع إلى ذلك المكان/ قال القروي: إن أهلي في انتظار أبنائك يا أهل البر/ ثم يعود في كل عام كطائر اللقلق كي يقيم في قبة (مسجد) المدينة”.

وتنتهي الحكاية بأن ذلك الوعد الذي داوم ثماني سنوات لم يف به القروي، وتنكر لضيفه الحضري حين حل عليه ضيفا.

ويقول الباحث والمترجم الكبير الدكتور إبراهيم الدسوقي شتا إن هذه القصة ورد شبيه لها في كتاب البخلاء للجاحظ، ويقصد بها قصة “المروزي” الذي كان ينزل عند العراقي فيكرمه أشد الكرم فيلح على العراقي في زيارته لرد بعض جميله، وفي النهاية، تعن للعراقي حاجة في مرو، لكن المروزي ينكره تماما!

ويجعل مولانا من هذه القصة بين الحضري والقروي نموذجا في التعامل مع الوقائع كمجرد خلفية لإرشاد المريدين للخوض في الأفكار السامية العالية، ويشك “استعلامي” في كون كتاب البخلاء مصدرا للحكاية ويرى أنها تقدم نموذجا بشريا للجحود والنكران يتكرر في كل عصر وفي كل بيئة، وربما قرأها مولانا في كتاب آخر أو سمعها من شيوخه أو رفاقه أو نقلها اقتباسا.

وعدا الحكايات فإن الأفكار تأتي في سياق الأحداث، وتنهال السطور الشعرية لتشكل مفارق طرق تتفتح على أكثر من تفسير، وتفضي لأكثر من اتجاه، يقول مولانا جلال الدين الرومي بترجمة الدكتور شتا:

– عندما تخطو خطوة واحدة دون احتياط، فإن لبنك ينقلب إلى دم من تخبط.

– ولقد خطا آدم خطوة واحدة في هوى النفس، فصار فراق الجنة طوقا في عنقه.

– وإنما تنبغي الخلوة عن الأغيار لا عن الحبيب، فالفراء من أجل الشتاء لا من أجل البيع.

– فالعقل مع عقل آخر يتضاعف، ومن ثم يزداد النور، ويتضح الطريق.

– والنفس مع نفس أخرى تصير ضاحكة، فتدلهم الظلمة ويختفي الطريق!

– إن الآفة الموجودة في الهوى وفي الشهوة، وإلا فإن ذلك المكان شراب سائغ للشاربين!!

– فلتغلق هذا الفم (الجسدي) لتبصر العيان، فإن الحلق والفم كمامتان أمام ذلك العالم.

– ويا أيها الفم، إنك في حد ذاتك في فوهة للجحيم، ويا أيها العالم إنك على مثال البرزخ.

– والنور الباقي (موجود) إلى جوار الدنيا الدنية، واللبن الصافي موجود إلى جوار أنهار الدم.

… والدرويش

يحكي أن نساجا للصوف في إحدى مدن الشرق الإسلامي، سحب خيطا من بالة (بكرة خيط) فوق رأسه، وبدأ يلفها حول يديه، وأخذ يعيد المحاولة، بين يساره ويمينه، ليحول الخيوط إلى قطعة من نسيج.

كان الرجل كلما انقطع الخيط، ربط الطرف المنقطع إلى آخر جديد، واستمر وهو يسبح باسم الله موحدا في كل شوط: “لا إله إلا الله”.

انتباه الصوفي مع تسبيحه باسم الله كان يعني حضور وعيه. هذا الانتباه هو مغزى الحياة. وسلوك الصوفي يعني الوعي بنوع من حياة غير عادية، كتلك التي يمضي معظمها دون وعي منها. يقول البعض إن لفظة الصوفي تعود صفة لذلك النساج المتنسك الأول، وربما تعود لدى البعض الآخر للعباءة الصوفية التي يرتديها هؤلاء الأولياء فيما يرجعها بعض اللغويين والمؤرخين إلى الكلمة اليونانية sophos وتعني “الحكمة”! كما تصف كلمة “درويش” في بعض معانيها ذلك الصوفي الواقف على باب التنوير.

تأثر جلال الدين الرومي بالدرويش شمس الدين التبريزي، الذي كان يرتدي ملابس سوداء، ولكن الرومي أضاف على ذلك أنه كان يرقص “السيما” وهو ينشد شعره، وهي الرقصة التي عرفت باسم المولوية نسبة إلى مولانا، كما نعرف طرفا كبيرا من أشكالها اليوم.

كانت الرقصات تقام في حضرة مولانا بالتكية المولوية، ولكننا اليوم سنعبر جسر غلطة سراي، متجهين إلى أقدم محطة للقطارات في إستنابول، حيث تحولت إحدى قاعاتها بسقفها المزخرف شاهق الارتفاع إلى تكية عصرية تستقبل عرضا موسيقيا مولويا، مرت عليه أكثر من سبعة قرون ونصف القرن.

يجتمع المشاهدون من كل الجنسيات والأجيال العمرية في مربع ناقص حول ساحة كبيرة. يكمل المربع مكان الفرقة الموسيقية التي ستعزف قبل وأثناء العرض الراقص. تبدأ الفرقة بالدخول والانحناء للحضور، وتجلس ويبدأ النشيد، والابتهال، ثم العزف الذي يرتب لدخول خمسة دراويش.

 

 فرقة صوفية تركية

إنهم يرتدون الثياب السوداء نفسها التي كان يرتديها الدرويش الأول، وها هم ينزعونها عن أجسادهم، وكأنهم يستعدون لترك كل متعلقات الحياة الدنيا، حيث تظهر تحت السوادء ثياب بيضاء ذوات تنورات واسعات، إنها تحمل لون الذات التي تنزع للتطهر. إنهم يدخلون بابا يفضي بهم للاكتمال، وهو باب مفتوح للأجناس جميعا، يأتون للاتحاد.

يأتي هذا العرض ضمن فعاليات رسمية تنظمها البلاد على مدار هذا العام، بعد أن تقدمت وزارة الثقافة في تركيا بطلب لليونسكو لاعتماد 2007 عاما لمولانا جلال الدين الرومي، وهو ما أقرته اليونسكو احتفالا بمرور ثمانية قرون على ميلاد الصوفي الدرويش الشاعر، وتشكلت لجنة برعاية الوزارة من ستة أشخاص لتنسيق الفعاليات المصاحبة للاحتفال في تركيا وخارجها.

الدكتور محمود إيرول كيليتش رئيس متحف الفن التركي والإسلامي وعضو هيئة التدريس في جامعة مرمرة، هو أحد المختارين في هذه اللجنة، وهو أيضا رئيس المركز الدولي للمخطوطات الإسلامية في جامعة كمبريدج، وعضو شرف بمعهد ابن العربي في أكسفورد، كما أنه متخصص في الفلسفة الصوفية والأديان المقارنة، لذلك يكون حديثه لنا عن صاحب هذه الاحتفالية له معناه الكبير:

“درس مولانا القانون حين جاء إلى قونية، لكنه أدرك أن دراسة القانون لن تأخذ بيديه إلى أعماق الدين والفلسفة، فاتجه إلى التصوف، ليجد نفسه فوق أرض صلبة، ويصف مولانا هذه الرحلة الدراسية بلغته الشعرية المعروفة (في ديانتي أرى أن أحد طرفي إبرة البوصلة ثابتا، بينما الطرف الآخر لإبرة البوصلة يدور ما بين اثنتين وسبعين أمة)، أي أنه يقول إذا كان طرفا الإبرة ثابتين فإنه لن يدور ليستمتع ببهاء العالم وجماله، وهذا لا يتطلب أن تكون مسلما أو مسيحيا، امرأة أو رجلا، ذا بشرة سوداء أو بيضاء أو صفراء، فكونك إنسانا يعني أن تشارك الآخرين، والله سبحانه وتعالى يقول في القرآن الكريم (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم)، وهذا لا يعني أنه خلق المسلم وحسب في أكمل صورة، بل خلق الإنسان كافة، (ونفخنا فيه من روحنا) كما قال عز وجل، فالإنسان بقدر ما هو مادي بقدر ما هو روحاني، لأن فيه من روح الله سبحانه وتعالى، وهذا التناقض بين المادية والروحانية هو الاختبار الحقيقي للبشر طوال حياتهم. فطبيعته الروحانية تريد أن تسمو به للأعلى، بينما تشده نوازعه الدنيوية للأسفل. من هنا وضع مولانا أصبعه على عنصر الكونية، فقد سما بروحه على جسده، لذلك تحدث دوما عن الاتحاد والتوحد، ورأى أن الشعر يوجز ما يعسر على النثر، بل إنه يقول: “إن موضعا تكتب عنه في النثر خمسين مجلدا قد يوجزه الشعر في بيتين، لأن الشعر مكمن الرمز”.

انتقل الدكتور كيليتش خلال العام بين إستانبول وقونية، حين عمل منسقا عاما لندوة مولانا الدولية التي أقيمت في المدينتين بحضور بحاثة وفنانين ومتصوفة من إيران وروسيا والولايات المتحدة وأستراليا لدراسة أعمال مولانا، وهو يرى أن رسالة مولانا ترى في كل شيء مادي الأذى والسبب الأول في النزاع بين البشر.

يتصاعد إيقاع الموسيقى ويزيد دوران الدراويش سرعة حتى لتكاد التنانير تحملهم عن الأرض، وتحتفي اليدان اللتان ارتفعتا للسماء كجناحي طائر يتوحد مع السحاب، ولا تسقط القبعات الطويلة السميكة المشدودة إلى الأذن وهي بشكلها الغريب تشير إلى شواهد القبور، وهنا يكتمل معنى رقصة الدراويش: لقد تركوا ما يتعلق بالأرض (الثياب السوداء) وأخلصوا النفس (الثياب البيضاء) وتركوا الحياة (شواهد القبور) وتطلعوا للحياة الأخرى صعودا إلى السماء (الأيدي المنطلقة والتنورات المحلقة)، يكتمل الطقس ويستعيده الراقصون مرة أخرى بمصاحبة الموسيقى، ومرة ثالثة حتى يجلسوا ويرتدوا ثيابهم ويعودوا من حيث أتوا بعد انحناءات وترنيمات، ويختتم القرآن الكريم ساعة الوصل.

في أكثر من 30 مدينة حول العالم سافر الدراويش فطفوا وطافوا.. وكانت هناك على مدار العام عروض ومحاضرات ومعارض في لندن وباريس وواشنطن وشيكاغو وملبورن وسيدني وبروكسل وسراييفو، والقاهرة ودمشق، وجاكرتا ومكسيكو سيتي، وطوكيو عدا جهود غير حكومية تنظمها مؤسسات فنية ودينية أخرى.

مقتنيات مولوية

في متحف أيا صوفيا، كان هناك أضخم صندوق رأيته في حياتي! واكتشفت أنه جدار أبيض يحيط بمعرض لتاريخ المولوية. تم جمع مقتنياته من متحف مولانا في قونية، وتكية مولانا في غلطة بإستانبول، ومتحف الفن التركي الإسلامي، ومتحف طوب قابيه، ومتحف فنون خط الحرف العربي. وهذا المعرض أيضا هو أحد المشاريع المصاحبة لاحتفالية القرون الثمانية على ميلاد مولانا جلال الدين الرومي.

مع الآلاف من الزوار يشبه الدوران في المتحف رقصة مولوية. استحضرت وأنا أدخل إلى ذلك المتحف الذي تشبه طرقاته حبات مسبحة عملاقة، كتلك التي تزين أحد جدرانه البيضاء، كلمات آن ماري شيمل، المستشرقة الألمانية المعروفة، وهي تقدم لكتاب شمس فريد لاندر (الرومي ودراويش المولوية):

“العشق يعني الذوبان في الذات، من أجل البعث في المعشوق، ويمكننا أن نفسر رقصة دراويش المولوية على هذا النحو. إنهم يدورون حول مركز الشمس، شمس العشق الإلهي، إنهم يذوبون كالشمعة التي تنصهر بالنار حتى تضيء حتى آخر قطرة شمع ونور، وعلينا أن نستعيد صورة الدراويش القدامى الذين كانوا يحترقون ألف يوم ويوم لكي يتطهروا برقصهم”. ثم تتذكر آن ماري شميل كلمات الشاعر فريدريش روكيرت وقد وعى سر الرومي ومغزى رقصة الدرويش فأنشد: (من يعرف قوة الدوران، يحيا بالخالق لأنه يعرف كيف يكون القتل بالعشق).

أتجول في ردهات المعرض الذي يعيد اكتشاف محبة الحرف العربي وهو يشكل حروف مولانا بريشات عاشقه. أيضا هناك بعض الصور التذكارية التي تصور أداء الرقصات في قونية قبل الحظر وبعده. ولعلها مناسبة لكي نتعرف على كيفية رفع الحظر عن المولوية، بعد ذلك القانون رقم 677 المجحف.

بعد نحو ربع قرن من الحظر، أقنعت حفنة من الدراويش الحكومة المحلية في قونية أنه لن يكون هناك أي ضرر لتقديم رقصة “الدوران” كنوع من التقليد التاريخي، في الثقافة التركية الجديدة.

وفي عام 1964 دعت منظمة اليونسكو المولوية إلى باريس لتبدأ أول رحلة أوروبية لهذا الطقس الساحر، وجلس سلمان طوسون وسليمان لوراس على الكرسي الأحمر لمولانا، فيما رقص تسعة من الدراويش على أنغام مجموعة من الموسيقيين المتصوفة. وكان ذلك الحدث بداية عهد جديد للاهتمام بالمتصوفة وبأعمال جلال الدين الرومي على الأخص.

حياة المرء حسبما يختزلها مولانا جلال الدين الرومي بأنها كمن أتى إلى السوق ليشتري. فمن جاء مؤمنا، كان كمن ذهب إلى السوق في وضح النهار، سيعرف ما سيتشري وفيم سينفق ماله، أما من أتي في عتمة الليل والكفر، فكمن يذهب للتسوق ليلا، ربما يدفع ماله ليشتري حبلا، فإذا هو يعود للبيت بثعبان، أو ينفق ما معه ليبتاع العسل، فإذا بالقار هو ما في جعبته.

فهل نذهب إلى السوق نهارا أم ليلا، يا مولانا، وأنت القائل: “إلى السوق كلنا جاء من أرحام أمهاتنا كي نشتري غطاء ثم نعود لقبورنا”.

في السابع عشر من ديسمبر سنة 1273 تصعد روح مولانا إلى خالقها، في رحيل شتائي آخر، أنقذه من ألم المرض وتشيد فوق قبره في قونية قباب خضراء مزينة بأبياته: “في يوم وفاتي، عندما يسيرون بنعشي، لا تظن أني متأمل لفراق هذا العالم، لا تبك من أجلي، ولا تقل وا أسفاه، وا أسفاه، فوقوعك في مخيض الشيطان مدعاة للأسف، وعندما ترى نعشي لا تصرخ: الفراق، فوصالي هو في هذا الزمان، ولقائي، وحين أودع القبر، لا تقل الوداع، الوداع، فالقبر هو حجاب عن مجمع الجنان”.


*نقلا عن مجلة “العربي” نوفمبر 2007، عدد 588.