بسم الله، والحمد لله والصلاةوالسلام على رسول الله، وبعد:-
لا خلاف بين العلماء فيوجوب الغسل عند خروج المني بشهوة ، كما أنه لا خلاف بينهم في وجوب الغسل عند الجماعمع نزول المني ، و الجمهور من العلماء على أن الجماع – في حد ذاته – يوجب الغسل ولولم ينزل مني أثناءه – وهو الراجح من أقوال الفقهاء.

يقول الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه فقه الطهارة مبينا موجبات الغسل:-
غسل الجنابةيجب بعدة أشياء: –
أولها: خروج المني الدافق بلذة من الرجل أو المرأة فياليقظة أو النوم. سواء كان ذلك بسبب الجماع أو الاحتلام أو المداعبة أو الاستمناءأو النظر أو التفكير في الناحية الجنسية، وسواء كان السبب حلالا أم حراما.

وذلك لما روى الشيخان عن أم سليم،قالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحي من الحق، هل على المرأة من غسل إذا هياحتلمت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “نعم، إذا هي رأت الماء” متفق عليه.
وماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر.

وأما إذا احتلم الرجل أو احتلمتالمرأة، ولم ينزل ماء، أو لم ير بللا يدل على ذلك: فلا غسل. فالمدار على البللوجودا وعدما، وأن يعلم أن البلل هو مني وليس مذيا.
أماإذا نزل المني بغير شهوة، لمرض أو بَرْد، أو غير ذلك، فلا غسل عليه.
وقد اختلفوا فيما إذا أحس بتحرك المني من ظهره، ولم ينزل إلىالخارج، إذا أمسك ذكره، فلم يخرج. فمنهم من أوجب فيه الغسل، ومنهم من لم يوجبه.
والذي أميل إليه:أنه يوجب الغسل، ما دام قد أحس باللذةوالنشوة، وقد يتأخر الإنزال، أو لا يحس به تماما، لقلة الماء النازل، وقد علق الحكمعلى مظنته، وهو الإحساس بالشهوة، إذ بعد انتقاله وتحركه يبعد عدم خروجه.

والثاني:الجماع، ويعبر عنه الفقهاء بـ (التقاء الختانين): أيختان الرجل، وختان المرأة. ويراد بالتقائهما: تغييب حشفة الرجل في فرج، قبلا كان أودبرا. وإن لم ينزل.

ودليل ذلك:الحديث الصحيح الذي روته عائشة: “إذا جلس بينشعبها الأربع، ومس الختان الختان: فقد وجب الغسل” وفي رواية لمسلم: “وإن لم ينزل“.
وكذلك حديث أبي هريرة: المتفق عليه “إذا جلس بين شعبهاالأربع، ثم جَهَدها: وجب الغسل“.
والمراد بشعبها الأربع:يداها ورجلاها، أو رجلاها وفخذاها..
ومعنى (جهدها): أيبلغ جهده، في العمل بها، وكدها بحركته.
قال النووي:معنىالحديث: أن إيجاب الغسل لا يتوقف على الإنزال.
وتعقبهبعضهم بأنه يحتمل أن يراد بالجهد أو الإجهاد للمرأة: الإنزال، لأنه هو الغاية فيالأمر، فلا يكون فيه دليل.
وأجاب الحافظ في الفتح:بأنالتصريح بعدم التوقف على الإنزال، قد ورد في بعض طرق الحديث، فانتفى الاحتمال. ففيرواية مطر الوراق عن الحسن في مسلم “وإن لم ينزل“.
وإنكنت أخشى أن تكون هذه الزيادة مدرجة من الراوي، فهي مخالفة للروايات الأخرىالصحيحة.
هذا مذهب جمهور العلماء من فقهاء الأمصار.
وقال داود: لا يجب ما لم ينزل، لحديث: “إنما الماء من الماء“.
وبهذا قال عدد من الصحابة المعروفين، منهم: عثمان بنعفان، وعليُّ بن أبي طالب، وأبيُّ بن كعب، وزيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل، وأبو سعيدالخدري، رضي الله عنهم، وكل هؤلاء من علماء الصحابة، وهذا ثابت في الصحيحين أوأحدهما.
قال النووي: ثم منهم من رجع إلى موافقة الجمهور،ومنهم من لم يرجع.
واحتج من لم يوجب الغسل بغير الإنزالبما رواه البخاري في صحيحه عن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه: أنه سأل عثمان بنعفان عن الرجل: يجامع امرأته، ولم يُمْن؟ (أي لم ينزل المني) قال عثمان: يتوضأ كمايتوضأ للصلاة، ويغسل ذكره. وقال عثمان: سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالزيد: فسألت عن ذلك: علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله،وأبيَّ بن كعب: فأمروه بذلك. أي أمروه أن يتوضأ ويغسل ذكره. وفي رواية الإسماعيلي:فقالوا مثل ذلك، وظاهره: أنهم أفتوه وحدثوه عن النبي صلى الله عليه وسلم كما حدّثعثمان.
كما روى البخاري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن: أنعروة بن الزبير أخبره: أن أبا أيوب (الأنصاري) سمع ذلك من رسول الله صلى الله عليهوسلم.
وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله صلىالله عليه وسلم أرسل إلى رجل من الأنصار، فجاء ورأسه يقطر، فقال النبي صلى اللهعليه وسلم: “لعلنا أعجلناك!” قال: نعم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذاأُعْجلت أو أُقحطت، فعليك الوضوء” وفي رواية: “فلا غسل عليك، وعليك الوضوء“.
ومعنى: أُعجلت أو أُقحطت: أي جامعت ولم تنزل. (يروى: أقحطتوأُقحطت). وفي حديث آخر لأبي سعيد: أن أحد الصحابة سأله: يا رسول الله! أرأيت الرجليُعجل عن امرأته، ولم يُمْن: ماذا عليه؟ قال: “إنما الماء من الماء“.
ومعناه: لا يجب الغسل بالماء إلا من إنزال الماء الدافق، وهوالمني. وليس بمجرد الإيلاج.

وهذه الروايات الصحيحة كلها واضحة صريحة الدلالة على أن الرجلإذا جامع ثم أقحط، أو أكسل ولم ينزل: فلا غسل عليه.

قال الحافظ في (الفتح): وقد ذهب الجمهور إلى أن ما دل عليهحديث الباب (أو أحاديثه) من الاكتفاء بالوضوء إذا لم ينزل المجامع: منسوخ بما دلعليه حديث أبي هريرة وعائشة المذكوران في الباب قبله. واستدل الحافظ على النسخ بمارواه أحمد وغيره عن أبيِّ بن كعب: أن الفتيا التي كانوا يقولون: “الماء من الماء“:رخصة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم: رخص بها في أول الإسلام، ثم أمر بالاغتسالبعد. وهذا الحديث وإن صححه ابن خزيمة وابن حبان والإسماعيلي: بيّن الحافظ أنهمعلول، وكذا في طريقه الأخرى عند أبي داود.
وقد روىالبخاري حديثا صريحا في ذلك عن أبي بن كعب: أنه قال: يا رسول الله: إذا جامع الرجلالمرأة فلم ينزل؟ قال: يغسل ما مس المرأة منه، ثم يتوضأ ويصلي. قال أبو عبد الله(أي البخاري): الغسل أحوط، وذلك الأخير، وإنما بينا لاختلافهم.
وقول البخاري: الغسل أحوط: ظاهر في أنه لا يرى وجوب الغسل عندعدم الإنزال، بل يستحبه من باب الاحتياط.
ذلك أن الاختلافبين الصحابة كبير في هذه القضية، والمختلفون فيها من كبار الصحابة ومن فقهائهموعلمائهم المعدودين.
وقول الإمام النووي: المسألة اليوممجمع عليها، ومخالفة داود لا تقدح في الإجماع عند الجمهور: دعوى غير مسلمة، كيف وقدرأينا قول البخاري: الغسل أحوط؟
ومحاولة بعضهم ـ كابنالعربي ـ نفي الخلاف: معترض، فإنه مشهور بين الصحابة، ثابت عن جماعة منهم، كما قالفي الفتح.
وادعاء بعضهم ـ كابن القصار ـ ارتفاع الخلافبين التابعين: معترض أيضا، فقد قال به منهم: الأعمش، وأبو سلمة بن عبد الرحمن،وهشام بن عروة، وهو ثابت عنهم بأسانيد صحيحة، كما قال الحافظ.
وروى عبد الرزاق عن عطاء قال: لا تطيب نفسي إذا لم أنزل حتىأغتسل من أجل اختلاف الناس، لأخذنا بالعروة الوثقى.
فهذاأحد فقهاء التابعين بين لنا أن الناس في عهده مختلفون في المسألة.
وقال الشافعي في (اختلاف الحديث): حديث “الماء من الماءثابت، لكنه منسوخ، إلى أن قال: فخالفنا بعض أهل ناحيتنا ـ يعني من الحجازيين ـفقالوا: لا يجب الغسل حتى ينزل. اهـ. قال الحافظ: فعرف بهذا: أن الخلاف كان مشهورابين التابعين ومن بعهدهم، لكن الجمهور على إيجاب الغسل، وهو الصواب. والله أعلم.اهـ.

ومنهجي الذي أرجحه في مثل هذه القضايا الخلافية الكبيرة: أنلا نهيل التراب على الخلاف الثابت، وندعي الإجماع فيما وقع فيه الخلاف، بل يجب أنتظل القضايا الخلافية خلافية، كما يجب أن تظل الإجماعية إجماعية، ولا نحاول أن نحدثفيها خرقا، لما في الخلاف ـ عادة ـ من توسعة ورحمة بالأمة. ولا سيما إذا كان الخلافبهذا الحجم الذي رأيناه بين الصحابة، ثم من بعدهم. وهو يحمل رخصة قد يحتاج الناسإليها في عصرنا، فلا نغلق عليهم بابا للتيسير فتحه الله تعالى.
والله أعلم.

Read more:https://web.archive.org/web/20110219074839/http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?pagename=IslamOnline-Arabic-Ask_Scholar/FatwaA/FatwaA&cid=1122528620350#ixzz4EpT0LaSW

 

 

 

 

العلامة الدكتور يوسف عبد الله القرضاوي