بسم الله، والحمد لله، والصلاةوالسلام على رسول الله، وبعد:-


يطلب الإسلام من غير المسلمين أن يراعوا مشاعر المسلمين،وحُرمة دينهم، فلا يظهروا شعائرهم وصلبانهم في الأمصار الإسلامية، ولا يحدثوا كنيسةفي مدينة إسلامية لم يكن لهم فيها كنيسة من قبل، وذلك لما في الإظهار والإحداث منتحدي الشعور الإسلامي مما قد يؤدي إلى فتنة واضطراب.


أما في القرى والمواضع التي ليست من أمصار المسلمين فلايُمنعون من إظهار شعائرهم الدينية وتجديد كنائسهم القديمة وبناء ما تدعو حاجتهم إلىبنائه، نظرًا لتكاثر عددهم.


وفي المسألة آراء أخرىمؤداها أنه يجوز لإمام المسلمين أن يسمح بإنشاء دور جديدة للعبادة في أمصارالمسلمين إذا رأى في ذلك مصلحة.


يقول الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي:-


صان الإسلام لغير المسلمين معابدهمورعى حرمة شعائرهم، بل جعل القرآن من أسباب الإذن في القتال حماية حرية العبادة،وذلك في قوله تعالى: (أُذِن للذين يقاتلون بأنهم ظُلموا، وإن الله على نصرهم لقدير*الذين أُخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله، ولولا دفع الله الناسبعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرًا). (الحج: 39– 40).


وقد رأينا كيف اشتمل عهد النبي – صلى الله عليهوسلم – إلى أهل نجران، أن لهم جوار الله وذمة رسوله على أموالهم وملَّتهم وبِيَعهم.


وفي عهد عمر بن الخطاب إلى أهلإيلياء (القدس) نص على حُريتهم الدينية، وحرمة معابدهم وشعائرهم:“هذا ما أعطى عبدالله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان:

 أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهموكنائسهم وصلبانهم وسائر ملَّتها، لا تُسكن كنائسهم، ولا تُهدم ولا ينتقص منها، ولامن حيزها، ولا من صليبها، ولا من شيء من أموالهم، ولا يُكرهون على دينهم، ولا يُضارأحد منهم. ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود . . ” كما رواه الطبري . (تاريخالطبري ط . دار المعارف بمصر ج ـ 3 ص 609).


وفي عهد خالد بن الوليد لأهل عانات:“ولهم أن يضربوا نواقيسهمفي أي ساعة شاءوا من ليل أو نهار، إلا في أوقات الصلاة، وأن يخرجوا الصلبان في أيامعيدهم” .(الخراج لأبي يوسف ص 146).


وكل ما يطلبه الإسلام من غير المسلمين أن يراعوا مشاعرالمسلمين، وحُرمة دينهم، فلا يظهروا شعائرهم وصلبانهم في الأمصار الإسلامية، ولايحدثوا كنيسة في مدينة إسلامية لم يكن لهم فيها كنيسة من قبل، وذلك لما في الإظهاروالإحداث من تحدي الشعور الإسلامي مما قد يؤدي إلى فتنة واضطراب.


على أن من فقهاء المسلمين مَن أجاز لأهل الذمة إنشاء الكنائسوالبِيَع وغيرها من المعابد في الأمصار الإسلامية، وفي البلاد التي فتحها المسلمونعنوة، أي أن أهلها حاربوا المسلمين ولم يسلموا لهم إلا بحد السيف إذا أذن لهم إمامالمسلمين بذلك، بناء على مصلحة رآها، ما دام الإسلام يقرهم على عقائدهم.


وقد ذهب إلى ذلك الزيدية والإمام ابن القاسم من أصحاب مالك (انظر: أحكام الذميين والمستأمنين ص 96 – 99).


ويبدو أن العمل جرى على هذا في تاريخ المسلمين، وذلك منذ عهدمبكر، فقد بُنِيت في مصر عدة كنائس في القرن الأول الهجري، مثل كنيسة “مار مرقصبالإسكندرية ما بين (39 – 56 هـ) .كما بُنِيت أول كنيسة بالفسطاط في حارة الروم، فيولاية مسلمة بن مخلد على مصر بين عامي (47 – 68 هـ ) كما سمح عبد العزيز بن مروانحين أنشأ مدينة “حلوان” ببناء كنيسة فيها، وسمح كذلك لبعض الأساقفة ببناء ديرين.


وهناك أمثلة أخرى كثيرة، وقد ذكر المؤرخ المقريزي في كتابهالخِطط” أمثلة عديدة، ثم ختم حديثه بقوله: وجميع كنائس القاهرة المذكورة محدَثة فيالإسلام بلا خلاف (انظر: الإسلام وأهل الذمة للدكتور علي حسني الخربوطلي ص 139،وأيضاً: “الدعوة إلى الإسلام” تأليف توماس . و . أرنولد ص 84 – 86 ط . ثالثة.ترجمة د . حسن إبراهيم وزميليه).


أما في القرى والمواضع التي ليست من أمصار المسلمين فلايُمنعون من إظهار شعائرهم الدينية وتجديد كنائسهم القديمة وبناء ما تدعو حاجتهم إلىبنائه، نظرًا لتكاثر عددهم.

وهذا التسامح مع المخالفين فيالدين من قوم قامت حياتهم كلها على الدين، وتم لهم به النصر والغلبة، أمر لم يُعهدفي تاريخ الديانات، وهذا ما شهد به الغربيون أنفسهم.

يقولالعلامة الفرنسي جوستاف لوبون: “رأينا من آي القرآن التي ذكرناها آنفًا أن مسامحةمحمد لليهود والنصارى كانت عظيمة إلى الغاية، وأنه لم يقل بمثلها مؤسسو الأديانالتي ظهرت قبله كاليهودية والنصرانية على وجه الخصوص، وسنرى كيف سار خلفاؤه علىسنته” وقد اعترف بذلك التسامح بعض علماء أوروبا المرتابون أو المؤمنون القليلونالذين أمعنوا النظر في تاريخ العرب، والعبارات الآتية التي أقتطفها من كتب الكثيرينمنهم تثبت أن رأينا في هذه المسألة ليس خاصًا بنا.


قالروبرتسن في كتابه “تاريخ شارلكن”: “إن المسلمين وحدهم الذين جمعوا بين الغيرةلدينهم وروح التسامح نحو أتباع الأديان الأخرى وأنهم مع امتشاقهم الحسام نشرًالدينهم، تركوا مَن لم يرغبوا فيه أحرارًا في التمسك بتعاليمهم الدينية” . (حاشية منصفحة 128 من كتاب “حضارة العرب” لجوستاف لوبون).


والله أعلم.


ويمكنكم قراءة الفتاوى التالية:

 

بناء الكنائس في المملكة العربية السعودية

حكم بناء الكنائس فى بلاد الإسلام

عمل المسلم في ترميم الكنائس

حكم بناء الكنائس فى بلاد الإسلام

 

 

 

 

العلامة الدكتور يوسف عبد الله القرضاوي