أحمد تمام

إسحاق موسى الحسيني
إسحاق موسى الحسيني

تعرضت فلسطين أرض المعراج وموطن بيت المقدس لمحنتين كانتا من المآسي التاريخية الكبرى: المأساة الأولى في أواخر القرن الخامس الهجري، حين سقط بيت المقدس تحت ضربات الصليبيين في حملتهم الأولى، وظل البيت أسيرًا في أيديهم نحو قرن من الزمان، حتى مَنَّ الله عليه بالفداء؛ فتحرر من الأغلال، ونفض ثوب الذل والمهانة على يد صلاح الدين الأيوبي.

أما المأساة الأخرى فقد بدأت مع بداية الربع الثاني للقرن الرابع عشر الهجري؛ إذ تعرضت فلسطين لمحنة مروعة وهجمة شرسة من قِبَل اليهود والاستعمار الغربي؛ فقد بسطوا أيديهم على معظم فلسطين في غفلة من المسلمين، ووَهْنٍ في قواهم، واختلاف في كلمتهم ورأيهم، حتى أصبح الوضع على النحو الذي نراه الآن.

ولو أن الهجمة الضارية اقتصرت على احتلال الأرض وبسط النفوذ بالقوة لربما هان الأمر؛ لأن حيوية الأمة، ورسوخ عقيدتها، واشتعال جذوة الإيمان في قلوبها قادرة على إعادة المسلوب ورد الحقوق، غير أن الأمر لم يكن كذلك؛ فقد صاحب استلاب الأرض ونهب الخيرات خطة خبيثة لتدمير الذاكرة، وإبادة التراث، ومحو التاريخ، وتشويه الحقائق؛ حتى تثبت الأكاذيب وتصبح حقًا وحقيقة لا مراء فيهما. من هنا أصبح الجهاد جهاديْن؛ جهادًا بالنفس وجهادًا بالكلمة الصادقة التي تخلق الوعي، وتنشط الذاكرة، وتحمس النفس، وتجعل التاريخ حيًا في القلوب، وتشعل جذوة اليقظة، وتمد الأمة بزاد من التجارب تجعلها أكثر قدرة على المقاومة ودفع الواقع المفروض، وإن طال الزمان وكثر الخائنون وتربصوا بها الدوائر.

وكان “إسحاق موسى الحسيني” واحدًا ممن حملوا راية الجهاد بالكلمة مع رفاقه من علماء فلسطين ومفكريها طوال هذه المحنة القاسية للتوعية بقضيتها الدامية، وتنبيه الغافلين من قومنا إلى الخطر المحدق بمقدساتنا وحضارتنا.

المولد والنشأة

ولد إسحاق موسى الحسيني في مدينة القدس سنة (1321هـ=1903م)، ونشأ في أسرة كريمة تنتمي إلى الدوحة الحسينية الطيبة التي أنجبت الشيخ “أمين الحسيني” و”عبد القادر الحسيني” وغيرهما من قادة الجهاد في فلسطين.

تلقى تعليمه في الكلية الصلاحية التي أنشأتها الدولة العثمانية في القدس لتكون مثل الأزهر في مصر، ثم تابع تحصيله العلمي في المدارس الثانوية، ثم رحل في سنة (1342هـ=1923م) إلى القاهرة، والتحق بالجامعة الأمريكية، وظل بها ثلاث سنوات حصل في نهايتها على دبلوم في الصحافة سنة (1344هـ=1925م)، وفي أثناء هذه المدة كان يحضر دروس الجامعة المصرية الأهلية، وجذبته محاضرات الدكتور طه حسين والدكتور منصور فهمي، واتصل بهما ونشأت بينهما مودة. وفي الوقت نفسه حرص على توثيق صلاته بعدد من أعلام الفكر والأدب الذين كانت تزدان بهم القاهرة كأحمد زكي باشا شيخ العروبة ومصطفى عبد الرازق، ومحمد توفيق دياب وغيرهم.

وبعد عودته إلى القدس عمل معلمًا في الكلية الرشيدية، لكن نفسه نازعته إلى القاهرة مرة أخرى، فعاد إليها والتحق بكلية الآداب، وتخرج فيها سنة (1349هـ=1930م)، ثم شد الرحال إلى لندن، والتحق بمعهد الدراسات الشرقية التابع لجامعة لندن، ومكث به أربع سنوات توَّجَهَا بحصوله على درجة “الدكتوراه” في الآداب سنة (1353هـ=1934م).

الحياة العملية

عاد “إسحاق موسى الحسيني” إلى القدس، وعمل مدرسًا للأدب العربي بالكلية العربية، وكانت آنذاك أعلى مؤسسة تعليمية في فلسطين، وكانت تضم نخبة من الأساتذة الذين نالوا شهادتهم من الخارج، وظل يعمل في هذا المعهد حتى سنة (1366هـ=1946م) نجح خلال هذه الفترة في جذب الأنظار، والتف حوله الطلاب النابهون، ووضع بعض المؤلفات مثل: “رأي في تدريس اللغة العربية”، و”علماء المشرقيات في إنجلترا”، و”العروض السهل” في جزأين بالاشتراك مع الأستاذ “فائز الفولي”، وترجم عن الفرنسية مع زميله الأب “أسطفان سالم” كتاب “فن إنشاد الشعر العربي”.

وبعد تركه الكلية العربية عمل مفتشًا أولا للغة العربية في حكومة فلسطين حتى سنة (1368هـ=1948م)، ثم غادر فلسطين بعد نكبتها إلى بيروت، وعُيِّن أستاذًا للأدب العربي في الجامعة الأمريكية سنة (1369هـ=1949م)، وظل بها ست سنوات، ثم رحل إلى القاهرة في سنة (1375هـ=1955م) واستقر بها نحو ثمانية عشر عامًا.

وفي أثناء هذه المدة كان يعمل أستاذًا للأدب العربي في الجامعة الأمريكية بالقاهرة إلى جانب قيامه بالتدريس في معهد “البحوث والدراسات العربية” التابع لجامعة الدول العربية.

في المجامع العلمية

وكان “إسحاق الحسيني” موفور الثقافة، عميق الفكر، دقيق البيان، الأمر الذي لفت الأنظار إليه، وسارعت الهيئات العلمية إلى ضمِّه إليها؛ فاختاره مجمع اللغة العربية بالقاهرة عضوًا فيه عام (1381هـ=1961م)، وقدمه العالم الجليل “إبراهيم بيومي مدكور” بقوله: “الدكتور إسحاق الحسيني ممثل فلسطين جمع بين الثقافة الشرقية والغربية، تخرج في جامعتيْ القاهرة ولندن، ووقف نفسه على خدمة الأدب واللغة”، وفي العام نفسه اختير عضوًا في المجمع العلمي العراقي ببغداد.

وبعد عام واحد اختاره الأزهر عضوًا في مجمع البحوث الإسلامية الذي يعد أعلى هيئة علمية بالأزهر، والذي أنشئ ليكون بديلاً عن هيئة كبار العلماء.

قضية القدس

بعد سقوط مدينة القدس الشرقية في يد اليهود سنة (1387هـ=1967م) كان إسحاق الحسيني لا يزال يعمل بالقاهرة فأهمَّه هذا الأمر، ونذر نفسه للتوعية بقضية القدس؛ فكتب عن عروبتها، وعرف بما كتبه أسلافنا عن فضائل بيت المقدس، باعتباره من المقدسات التي تصان ولا يجوز التفريط فيها، وقاد قسم فلسطين في معهد البحوث والدراسات العربية؛ ليسهم في تخريج متخصصين يعملون على تعبئة طاقة أمتهم، كما اتصل بعدد من المفكرين، وأسس معهم في القاهرة هيئة القدس العلمية.

مؤلفاته ونشاطه العلمي

غلاف كتاب عروبة بيت المقدس لإسحاق الحسيني

امتدت الحياة بإسحاق موسى الحسيني، قضى معظمها في التأليف والتدريس، وأصدر ثلاثة وعشرين كتابًا بين تأليف وترجمة وتحقيق في اللغة والأدب والفكر والتاريخ، ومن أشهر مؤلفاته أطروحته لنيل “الدكتوراه” وكانت عن “ابن قتيبة حياته وآثاره”، وكانت بإشراف المستشرق الإنجليزي المعروف “هاملتون جب”، وله أيضًا: “أزمة الفكر العربي”، و”أبحاث في ماضي المسلمين وحاضرهم” و”عروبة بيت المقدس”، و”معالم القضية الفلسطينية”. وله دراسة رائدة بعنوان: “الإخوان المسلمون كبرى الحركات الإسلامية الحديثة”، وقد نشرها سنة (1372هـ=1952م)، تعرض فيها لنشأة الحركة وتطورها التاريخي، ثم تناول شخصية الإمام “حسن البنا”؛ فعرضها عرضًا جيدًا، وحللها تحليلاً دقيقًا، وكشف عن جذورها الفكرية وسماتها الشخصية ومواهبها المتطورة، وما حباها الله من صحة موفورة كانت سندًا له في دعوته وفي تحمل مشاق السفر والانتقال، ثم تناول مبادئ الجماعة ونشاطها في الداخل والخارج.

وإلى جانب تلك المؤلفات له مئات المقالات والبحوث التي نشرها في كبريات الصحف والمجلات مثل: الرسالة والثقافة، ومجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة، ومجلة الأبحاث التي تصدر عن الجامعة الأمريكية ببيروت.

مذكرات دجاجة

غلاف كتاب ابن قتيبة لإسحاق الحسيني

وكان إسحاق الحسيني يقرض الشعر، وله مجموعة من القصائد لا تزال مخطوطة، وله عمل إبداعي رائع بعنوان “مذكرات دجاجة” نشرها بالقاهرة عام (1363هـ=1943م)، وهي رواية صغيرة عن دجاجة فلسطينية كتبت مذكراتها، ولا يُخفي من اختيار الدجاجة بطلة لروايته أن تكون رمزًا لكل مستضعف مغلوب على أمره، وقد قدم طه حسين هذا العمل بقوله: “هذه دجاجة عاقلة.. مفلسفة تدرس شؤون الاجتماع في كثير من التعمق وتدبر الرأي؛ فتصل إلى استكشاف بعض الأدواء الاجتماعية، وتصف لها الدواء؛ بل هي دجاجة شاعرة تجد ألم الحب ولذته وعواطفه المختلفة.. بل هي دجاجة رحيمة تعطف على الضعفاء والبائسين، وترق للمحرومين وتؤثرهم على نفسها”.

وفاته

عاد إسحاق موسى الحسيني إلى القدس عام (1393هـ=1973م) وترك الإقامة في القاهرة، ورغم ما واجهه في القدس من صعاب بسبب المحتل اليهودي فقد عزم على الثبات فيها، وبنى بيتًا على أرض كانت له هناك، وظل هناك حتى وافاه الأجل المحتوم يوم الإثنين الموافق (29 من جمادى الأولى 1411هـ=17 من ديسمبر 1990م).

هوامش ومصادر:

 

  • محمد مهدي علام – المجمعيون في خمسين عامًا – الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية – القاهرة – 1406هـ=1986م.
  • محمد عمر حمادة – أعلام فلسطين – دار قتيبة – دمشق – 1985م.
  • محمد خير رمضان – تتمة الأعلام للزركلي – دار ابن حزم – بيروت – 1418هـ=1998م.
  • مجمع اللغة العربية بالقاهرة – مجلة مجمع اللغة العربية – الجزء الثاني والسبعون – 1413هـ=1993م.

 


  باحث مصري في التاريخ والتراث.