صبحي مجاهد

Image
د.محمد سليم العوا

القاهرة- أكد الدكتور محمد سليم العوا -الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين- أن الاجتهاد من أجل اكتشاف مقاصد شرعية جديدة أمر ضروري وواجب على علماء الأمة، مشددا على أن المقاصد ليست محدودة، وأن هناك العديد منها ما زال في حاجة لاكتشافه من أجل تحقيق الفهم والتطبيق الصحيح للدين.

جاء ذلك خلال محاضرة بعنوان: “مقاصد الشريعة الإسلامية وتحديات الواقع”، ألقاها الأربعاء -11 إبريل 2007- بجامعة القاهرة في إطار موسمها الثقافي.

وأوضح العوا أن المقاصد عند جمهرة الأصوليين تدور حول حفظ أمور خمسة؛ هي: “الدين، والنفس، والعِرض، والمال، والعقل”، ولكن هذه الأمور الخمسة ليست نهائية أو محصورة، “فمقاصد الشريعة قائمة مفتوحة يمكن الإضافة إليها في أي وقت”.

ونبه على أن ما يحصى من المقاصد يكون بطريقتين: الأولى: طريقة النظر في الكتاب والسنة، والثانية: أن يفتح الله على عباده بفهم مقاصد لم تفهم من قبل؛ ولذلك نحن ضد نظرية إغلاق باب الاجتهاد لأن الصحيح هو أن الاجتهاد مستمر، وأن النظر إلى القرآن الكريم والسنة النبوية مستمر، ويتولد منه مقاصد كثيرة.

أساس المقاصد وأنواعها

ثم لفت العوا النظر إلى الأساس الذي ظهر منه علم المقاصد، وقال: “إن القرآن لفت نظرنا إلى نظرية المقاصد في أخص ما يعنينا في ديننا وهو صدق بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم؛ حيث ذكر ستة مقاصد لبعثته صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾، فهذه المقاصد الستة لا تستقيم النبوة له بدونها، وهذا يلفتنا إلى البحث في المقاصد، ولو أن العلماء التفتوا إليها لاكتشفوا أشياء هائلة، لكن انشغل العلماء بالفقه وقواعد الأصول، وتركوا هذا العلم الواسع”.

وفيما يتعلق بأنواع المقاصد أوضح الدكتور محمد سليم العوا أن “هناك ثلاثة أنواع من المقاصد: مقاصد ضرورية، إذا انعدم واحد منها اختل المجتمع، فلو ضاع مقصد حفظ النفس مثلا سيقتل الناس بعضهم بعضا، وهناك مقاصد احتياجية تقلل المشقة وتزيل عنا الحرج، لكن عدم وجودها لا يعطل الحياة؛ مثل مقصد تيسير الطرقات لأداء الأعمال، ومقصد رفع الحرج عن الناس عموما، والنوع الثالث من المقاصد هو المقاصد التحسينية وهي التي تجمل الحياة وتكملها، ولا يحصل بفقدانها مشقة أو حرج”.

وأشار إلى أن “المقاصد بمراتبها الثلاث يجمعها بعض الخصائص: أولها الثبات.. فما دخل فيها لا يخرج، ومع ذلك فالعلماء مؤهلون لكشف مقاصد أخرى كلما تغير الزمان، كما أنها عامة، كذلك فإن المقاصد حاكمة لا محكومة، بمعنى أنها تحكم الاجتهاد والتشريع ومعرفة العلة والبحث عن الحكمة، مثل حفظ العقل فهو المقصد من حرمة الخمر، وليس منع شرب كل سائل”.

ثم قسم العوا العلماء المتعاملين مع المقاصد الشرعية من المعاصرين إلى ثلاثة أنواع: النوع الأول هم من قالوا إنه لا يوجد سوى النصوص؛ ولا بد من استقاء المقاصد منها، وأن نتتبع ما جاء فيها بالحرف ولا نخالفه، وهؤلاء سماهم الشيخ القرضاوي الظاهرية الجدد؛ نسبة إلى المذهب الظاهري، حيث تمسكوا بالجمود وعدم إعمال العقل، وفاتهم العلم باللغة والأثر.

أما النوع الثاني فأوضح العوا أنهم الذين قالوا إن المقاصد هي أهم شيء، وعمود الأمر كله، وروح التشريع، وإن المصلحة أولى من العمل بالنص، ولا بد من ترك العمل بالحدود، ولا بد من العمل بالمقاصد، ويجب عدم اتباع هذه النصوص، وهؤلاء سماهم الشيخ القرضاوي بأنهم المعطلة الجدد، الذين يعطلون الأحكام وعلم الحلال والحرام، وما ينبغي أن يكون به التشريع.

أما النوع الثالث -حسب العوا- فهم مدرسة الوسطية التي تقف عند النصوص الجزئية ولا تتعداها، لكنها تفهمها في ضوء حكمتها وعلتها والمصلحة التي تكمن فيها؛ فتفعل كما فعل عمر رضي الله عنه حينما أوقف حد السرقة في وقت المجاعة.

ثم عرج العوا على الحديث عن خصائص المقاصد الشرعية، فأوضح أن “قائمة المقاصد لها طابع خاص، فما دخل فيها لا يخرج منها، وما لم يدخل فيها يجتهد فيه العلماء ليدخل في المقاصد بالاجتهاد، ودليل ذلك أنه لا يستطيع أحد مع تطور الحياة أن يقول إن حفظ النفس لم يعد مقصدا شرعيا، فباب المقاصد مفتوح لإضافة مقاصد أخرى بشرط أن يكون ذكره من باب الاجتهاد السليم، وعليه فإدخال شيء جديد للمقاصد لا ينافي ثباتها، فهي ثابتة من حيث ما اكتشف، ومفتوحة لما لم يكتشف”.

وألمح إلى أن هناك بعضا من العلماء يركز على أن مقاصد الشريعة خمسة فقط، بينما يرى آخرون أن المقاصد هي ما جاء فيها ما ينص على حد، وهو ضيق نظر شديد؛ لأن الحدود تحفظ الحد الأدنى للسلام الاجتماعي، وتدل على أن لله مقصدا، لكن الحدود ليست في حد ذاتها مقاصد.

وأضاف: إنه “بمواجهة هؤلاء العلماء بالمقاصد الجديدة -مثل مقصد الحرية- قالوا: إن هذا المقصد موجود في مقصد حفظ النفس، وعليه فهم لا ينكرون المقاصد الجديدة، ولكنهم يدخلونها في الأصول الخمسة التي قال بها الأقدمون، وهذا من اختلاف العقول؛ إذ لا بد من القبول به، وعليه فلا يجوز لأهل الخمول والجمود والكسل أن يحملوا على أهل التطوير والتجديد، ولا يجوز لأهل التجديد أن يضيقوا بأهل الجمود والكسل؛ لأن الاختلاف مستمر إلى يوم القيامة”.

الاجتهاد ضرورة

وفي معرض حديثه عن أهمية البحث في المقاصد الشرعية قال العوا: “إن دراسة علم مقاصد الشريعة ضروري لأمرين: الأول: أن نفهم معاني الكتاب والسنة؛ حيث لا يمكن أن نفهم مقصد القرآن إذا لم نفهم مقصد الله من تشريعه لهذا الحكم؛ ففهم نصوص القرآن والسنة يتوقف على العلم بمقاصد الشريعة فنعرف السبب في إباحة الله لأمر وسكوته عن آخر”.

وأضاف: إن الأمر الثاني لأهمية البحث المقاصدي هو مواكبة الاجتهاد في كل عصر، وعليه يجب ألا يصدق أحد دعوى إغلاق باب الاجتهاد وأن العلماء توقفوا عنه في أي عصر من العصور؛ حيث إن الواقع يكذب ذلك، فكتب الفتاوى مليئة بالاجتهادات لأن الوقائع لا تتناهى، والنصوص محدودة.

واعتبر العوا أن الاجتهاد الإسلامي الذي يستحق أن يوصف بأنه اجتهاد إسلامي هو الاجتهاد في كشف المقاصد، وإخضاع الأحكام في كل المجالات لها؛ لأن أي حكم أو تصرف لا يحقق المقصد منه فلا ثمرة له، وهو باطل من أساسه.

وألمح إلى أن التعرف على المقاصد لا يكفي فيه الاجتهاد الفردي وإن كان مطلوبا، كما أن الاجتهاد الجماعي في المجامع نادر، وأكد أنه يجب أن يتوجه الاجتهاد في علم المقاصد صوب العمل التشريعي والقوانين ليقيمها على الجادة.

وألمح إلى ضرورة أن يراعي العالم عند اجتهاده المقصد من التشريع، ضاربا مثالا على ذلك بمشكلة الزواج العرفي التي تنتشر في قرى وجامعات مصر، وأوضح أنه ليس في الإسلام شيء اسمه الزواج العرفي، لأنه إذا وُجد الزوج والزوجة والشهود والمهر والولي والإعلان فهو زواج.

واستطرد قائلا: “لكن فرضت الدولة بعد ذلك الوثيقة الرسمية؛ وظللنا ندافع عن حق الناس في أن يتزوجوا بلا توثيق ما دامت الشروط متوفرة، إلى أن تفشى الزواج العرفي بصورة مزرية، وبين شباب الجامعات بصفة خاصة، وعندئذ غيرنا اجتهادنا، وقلنا إن المصلحة تقتضي أن نحرمه مطلقا، حتى وإن قامت به أرملة للمحافظة على معاشها؛ لأن هذا أشد حرمة حيث فيه استحلال مال في غير وضع وجب فيه، ما يجعل الأمر أكل مال بالحرام”.

وشدد العوا مكملا على أن مقصد الشارع من الزواج حفظ كيان الأسرة، وحفظ النسل، والسكن، فلو أفسدنا هذا بالزواج العرفي أصبح هذا الزواج غير شرعي، فما حقق المقصد الشرعي أجزناه، وما غفل عن تحقيق المقصد أبطلناه.

الزمن يحكم فهم المقاصد

وفي سياق حديثه عن تغير المقصود من المقصد الشرعي من زمن لآخر قال العوا: “إن مقصد الحرية كان يطلق ويقصد به مواجهة العبودية، ولكن بيّن العلماء أن الحرية في مواجهة الرق مفهوم مقصدي قديم، إلا أن المفهوم الأعم لمقصد الحرية الآن هو حرية الإنسان في التفكير، ثم في التعبير، ثم في التنقل، ثم في الاختيار السياسي، ثم في تولي المناصب، ثم في ممارسة المهن التي يريدها، خاصة أن هناك العديد من القوانين تنظم ممارسة المهن، وفي التجارة، ولا يستطيع أي إنسان أن يتاجر فيما يشاء”.

ومن المقاصد الجديدة التي لفت العوا إلى أهميتها مقصد المساواة؛ حيث أوضح أنه كان قديما مكفولا بالأنفة العربية التي تحفظ للناس تساوي الرءوس، فلما ضعفت بالاستعمار والاستبداد الداخلي وجب النص على مقصد المساواة الذي خفض وضعف نتيجة الطغيان الذي أضعف الشعوب.

وأضاف: إن مقصد حقوق الإنسان كان مقصدا جديدا قال به الطاهر بن عاشور، وقيل: إن حقوق الإنسان هي أن يكون أهلا في المساواة بغيره، وأن يكون كفئا في صناعة ما يشاء، وفسر هذا المقصد بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية للإنسان.

وأكد العوا أن أول من نوه للمقاصد الخمسة هو الإمام الغزالي وهو يبحث عن المصالح المتوهمة حيث قال: “إن هناك مصالح حقيقية، وهناك مصالح يتخيلها الناس، وأنه لا بد أن نفهم أن هناك ضروريات حفظها الشارع”، وذكر هذه المقاصد في إطار رفضه للمصالح المتوهمة.

وأوضح أن أهم طرق الفهم “المقاصدي” الجديد وضعها الشيخ الطاهر بن عاشور -أحد كبار “المقاصديين”- حيث أضاف للمقاصد الضرورية مقاصد العدل والحرية والمساواة، ففي العدالة قال: إنها اجتناب الكبائر، والبعد عن الصغائر، وهذه عدالة الفرد ليكون الإنسان شاهدا أو حاكما.

وأشار إلى أن هذا المقصد يشمل أيضا عدالة المجتمع بأن توزع الثروة بشكل عادل، وأن يتم تداول الحكم بانتخابات نزيهة، ومع أن هذا المقصد لم ينص عليه الفقهاء السابقون لعدم وجود الحاجة إليه فإنه وجب النص عليه بعدما أصبح مناط الحكم مختلطا بين الشريعة والأحكام.

واختتم العوا محاضرته بالتأكيد على أن المقصد الأسمى للدين -والجامع للمقاصد كلها- هو حفظ نظام الأمة، واستدامة صلاحه بصلاح المهيمن عليه وهو الإنسان، وصلاحه يكون في نفسه وماله وبدنه وصلاح العالم الذي يعيش فيه.


  صحفي مصري