حسن القمحاوي

ترتب على تغير دور الدولة في التنمية وظهور القطاع الخاص كبديل أفضل في إقامة مشروعات البنية الأساسية، ظهور حاجة ماسة الي صيغة تمويل جديدة تتوافق مع المفاهيم الإسلامية، فلم يعد مقبولاً أن تقدم البنوك الإسلامية التمويل للحكومة لإقامة هذه المشروعات، كما أنه ليس من المقبول – في ظل التطور الجديد – أن يقدم البنك التمويل لمشروعات القطاع الخاص في شكل قروض مُعْفاة من الفوائد؛ لذلك كان الاستصناع هو الشكل الإسلامي والاقتصادي الأنسب لتمويل مشروعات البنية الأساسية، وهو الشكل الذي اعتمده مؤخراً البنك الإسلامي للتنمية إضافة إلى أدوات التمويل الأخرى كعمليات الإجارة والبيع الآجل.

تعريف الاستصناع

الاستصناع هو شكل من أشكال تمويل إنتاج السلع في مرحلة ما قبل الشحن أو مرحلة الإنتاج بمعنى تمويل عملية انتاج السلعة ذاتها(رأس المال العامل)، وإذا كانت آراء الفقهاء قد تباينت حول تعريف الاستصناع وطبيعته القانونية، فإنهم جميعاً قد اتفقوا على العنصر الضروري فيه، والذي يتمثل في صنع السلع بناءً على أمر المشتري طبقاً للمواصفات التي يحددها هو، ويتم تسليمها له خلال فترة معينة وبالثمن المتفق عليه.

ويرى الفقهاء أن الاستصناع هو عقد بين البائع أوالمنتج والمشتري، لكنهم اختلفوا في مدى إلزام هذا العقد، حيث كان الرأي السائد للفقهاء القدامى هو أن العقد قابل للنقض من أي من الطرفين في أي وقت، ويمكن للمشتري أن يلغي العقد، حتى ولو تم صنع السلع طبقاً للمواصفات وتسليمها له، ومقابل ذلك كان رأي الأقلية أن العقد ملزم للطرفين منذ إبرامه بالإيجاب والقبول، وأن كل طرف يُخِلُّ بالتزامه إذا لم ينفذ واجبه الذي حدده العقد، ويرون أن الحالة الوحيدة التي يمكن فيها للمشتري أن يبطل العقد هي عندما يسلم البائع سلعاً غير مطابقة للمواصفات.

وفي هذا الصدد اتخذ مجمع الفقه الإسلامي القرار رقم (67/3/7) الذي يقضي بأن الاستصناع عقد محله السلع المحدد وضعها والخدمات المطلوب تقديمها؛ وهو ملزم للطرفين في حالة تلبية شروطه التي تتمثل في الآتي:

– تحديد طبيعة السلع المطلوب صنعها ونوعيتها وكميتها وأوصافها.

– تحديد وقت صنع السلع.

– النص على تأجيل الدفع أو التقسيط خلال فترة محددة .

–   جواز تحديد شرط جزائي إذا ما اتفق الطرفان على ذلك باستثناء حالات القوة القاهرة.

مما سبق يمكن تعريف عقد الاستصناع بأنه عقد بيع بحت يتم بمقتضاه تسليم البضاعة في المستقبل مع دفع ثمنها مقدماً، كما أنه عقد عمالة واستخدام أشخاص لإنتاج سلعة معينة.

صور عقود الاستصناع

لا يحتاج البائع في معاملة الاستصناع إلى أن يورد بنفسه الخدمات اللازمة لصنع السلع أو أن يمتلك المصنع الذي سينتجها؛ بل يمكن لمؤسسات التمويل كالبنوك الإسلامية أن تقوم بدور البائع في عقد الاستصناع، غير أنه لا مفر في هذه الحالة أن تقوم تلك المؤسسة بإعادة تأجير عقد الاستصناع إلى جهة تكون قادرة على تقديم الخدمات اللازمة أو تمتلك المصنع المنتج للسلعة، وفي هذه الحالة يصبح أطراف عقد الاستصناع ثلاثة هي:

-البائع: وهو البنك أو مؤسسة التمويل التي تتولى تمويل العقد.

-المشتري: الذي يشتري السلعة في وقت محدد بأوصاف معينة.

-الصانع: الذي يورد الخدمات اللازمة أو يمتلك المصنع المنتج للسلعة.

وبذلك يتضمن الاستصناع عقدين أولهما بين البائع (البنك) والمشتري يقضي بتسليم سلع مطابقة للمواصفات التي يحددها المشتري، وبثمن متفق عليه، وموعد محدد للتسليم، وثانيهما: عقد بين البائع (البنك) والصانع(مورد الخدمة أو صاحب المصنع) يقضي بصنع السلعة محل العقد أو تزويدها بالخدمات والخامات اللازمة، وتسلميها في فترة زمنية محددة تسبق الفترة المحددة في العقد الأول، وبثمن يقل عن الثمن الأول بهامش يمثل عائد البائع “البنك” من وراء العقد.

وأحياناً ما ينص العقد الموقع بين البائع والمشتري على موافقة المشتري على استلام السلع من الصانع والإشراف من خلال مستشار وخبير آخر على تنفيذ العقد مع الصانع، وإصدار مستشار المشتري لشهادة الدفع النهائية بمقتضى العقد المبرم مع الصانع، كما ينص العقد المبرم بين البائع والصانع على صنع السلعة وتسليمها مباشرة للمشتري، وعدم أداء البائع أية دفعات مرحلية بموجب العقد ما لم يصادق مستشار المشتري على الفواتير المتعلقة بها.

التصفية أولى المخاطر التي تواجه الاستصناع

نظراً لأن الاستصناع يتضمن تصنيع السلع أو تشييد المباني أو إقامة المرافق والخدمات والمشروعات؛ لذا فإن جميع المخاطر المرتبطة بعقود التصنيع توجد في عقد الاستصناع، وتتمثل هذه المخاطر -كما ترصدها دراسة حديثة أعدها مركز البحوث المصرفية والمالية بالأكاديمية العربية للعلوم المالية والمصرفية- في عجز الصانع عن تسليم السلع في الوقت المحدد أو عدم مطابقة السلع للمواصفات، وقد يرجع عجز الصانع عن تسليم السلعة في موعدها لعدة أسباب منها:

– التأخر في تنفيذ الأشغال.

–   وقوع حدث طارئ يؤدي إلى احتراق السلع أو فقدانها.

–   حالات القوة القاهرة.

– إعسار الصانع.

– التصفية.

ورغم أن التصفية تأتي في المرحلة الأخيرة من حيث ترتيب الأحداث إلا أنها تمثل المخاطرة الأولى في سياق الاستصناع، ولعل هذا يستوجب توخي الحذر الشديد في اختيار الصانع واختيار مركزه المالي وقدرته الفنية والإدارية، وإذا تم هذا الأمر بشكل سليم فإن احتمال التصفية لن يكون واردًا في هذا الشأن.

غير أنه في حالة حدوث التصفية فإن المشتري المحتمل سوف يحتاج إلى استرداد ما دفعه من مبالغ إلى الصانع كدفعات مقدمة، وإذا لم يحصل على ضمانات كافية فإنه سيتساوى في هذه الحالة مع الدائنين الآخرين، وهو أمر غير مقبول بالنسبة للبنك أو البائع، ومن ثم فإن هناك عددًا من البدائل المتاحة أمام البنك لضمان حقه تتمثل في:

-رهن أجزاء السلع التي تم تنفيذها.

-رهن جميع موجودات الصانع.

-ضمان رد المبالغ المدفوعة.

أساليب مواجهة المخاطر

ولا شك أن لكل واحد من الضمانات السابقة عيوبها؛ فالأول منها لن يفيد كثيراً إذا وقع تنفيذ السلعة في موقع الصانع؛ لأن المشتري في حالة التصفية لن يستطيع استكمال صنع السلعة، فضلاً عن انخفاض ثمن ما تم إنجازه من السلعة في حالة الحجز عليها، أما الرهن على جميع موجودات الصانع فهذا أمر يستغرق وقتًا طويلاً فضلاً عن التكلفة العالية. وعلى الرغم من أن الضمان الثالث وهو ضمان رد المبالغ المدفوعة مكلف أيضًا باعتباره ضمانًا مصرفيًا إلا أن هذا الضمان يختلف في حالة الاستصناع لعدة أسباب منها: أنه ضمان لمبالغ تم دفعها بالفعل للصانع ولم يحصل أي مقابل لها، كما أن الصانع يتسلم دفعة من البائع مساوية لمبلغ الضمان، هذا فضلاً عن أن المبلغ المدفوع من البائع للصانع غير خاضع لرسوم مالية بعكس القرض الذي يمكن أن يحصل عليه الصانع، كما أنه ليس من المعتاد في التمويل الدولي طلب ضمان برد المبالغ المدفوعة. ومن هذا المنطلق فإن طلب هذا الضمان ليس ضروريًا دائمًا كما في حالة بناء محطة كهرباء أو بناء طريق تحصل رسوم على المرور فيه حيث يكفي الاعتماد على ضمان حسن التنفيذ والمبالغ المحتجزة.

وفي حالة قيام الصانع بالتأخر في تسليم السلعة أو المشروع المتفق عليه، فإنه يمكن إلزامه بدفع تعويضات صارمة عن هذا التأخير، ولقد وافق مجمع الفقه الإسلامي على مبدأ فرض شرط جزائي لسداد تلك التعويضات، وعندما يكون التأخير في التسليم لفترة طويلة فإنه من الإنصاف للمشتري أن ينهي العقد، والمطالبة بما دفعه من مبالغ مقدمة أو تنفيذ الضمان.

وهناك وسيلة أخرى يمكن للصانع من خلالها التقليل من حجم الخسائر تتمثل في التغطية التأمينية، وفي هذا الصدد يلتزم الصانع بشراء عقود التأمين المناسبة والتنازل عن حصيلتها للبنك المعني، وفي حالة الخسارة الجزئية يجوز للصانع استخدام حصيلة التأمين لإعادة الأمور إلى نصابها قبل الضرر أو الخسارة.

شرط الإعفاء والخلاف بين الفقهاء

يشترط عقد البيع ضمنيًا أن تكون السلع خالية من العيوب، وإذا اتضح أن في السلع المباعة عيبًا أو تلفًا فإن للمشتري بمقتضى الشريعة الإسلامية الخيار، إما أن يُبْطل العقد ويسترد الثمن الذي دفعه، أو أن يقبل السلع المعيبة دون أن يكون له الحق في الحصول على التعويض.

ويمكن استثناء هذا الشرط الضمني بسلامة السلعة أو الخدمة من العيوب بشرط صريح في العقد لا يحمل البائع المسئولية عن العيوب، وهو ما يعرف في القانون الحديث “بشرط الإعفاء” وقد اتفق على ذلك معظم فقهاء المسلمين، لكنهم اختلفوا حول الظروف والعيوب التي يمكن استثناؤها، كما أن المؤسسات المالية والبنوك لا تقبل بفكرة رد السلعة نتيجة اكتشاف عيوب كامنة بها بعد تسليمها، ومن ثم فإن السؤال المطروح هنا هل يمكن للبائع في عقد الاستصناع أن يقي نفسه من احتمال وجود عيوب كامنة في السلع المنتجة أو المشروع المقام باستخدام شرط الإعفاء أم لا؟

ورغم أن الفقهاء التزموا الصمت تجاه هذه القضية إلا أن الأستاذ مصطفى الزرقا –الفقيه الإسلامي المعروف رحمه الله – قدم حجة قوية تقول إن الاشتراط في عقد الاستصناع بعدم مسئولية البائع عن العيوب الكامنة في السلعة إجراء باطل؛ لأن البائع هنا لا يشعر بالحاجة لبذل مزيد من الجهد، ويضيف أن منطق الإعفاء هذا لا ينطبق على الاستصناع؛ لأن السلع لم تكن موجودة وقت التعاقد كما أن البائع هو الذي يصنعها، ومن ثم فإن شرط الإعفاء لا يعفي البائع من عدم كفاءته في التصنيع.

ورغم أهمية هذا الرأي إلا أن القضية لها أبعاد كثيرة، ولها أهميتها الكبرى للاقتصاد والمؤسسات المالية على حد سواء؛ لذلك فإنها تنتظر مجمع الفقه الإسلامي ليبدي فيها رأيًا قاطعًا حتى يخرج عقد الاستصناع كأداة تمويل إسلامية تناسب روح العصر وتلبي متطلبات الحياة الاقتصادية.