هاني نسيرة

جدل الهوية

أتى سؤال الهوية في الوعي العربي الحديث متأخرا عن سؤال النهضة الذي بدأ مع الحملة الفرنسية ولم يرحل معها حين رحلت؛ فقد سيطر على الجميع سؤالها وتوترها الوجودي، وإن صيغ بصيغة البحث عن العلة والسبب (لماذا تخلفنا وتقدم غيرنا؟)، فإنه كان تعبيرا عن سؤال الكينونة وتحققها في مسار التاريخ الذي تخلفنا عن ركبه، أي كان سؤال النهضة -بشكل من الأشكال- سؤالا كامنا حول الهوية.

ولم يكن وضوح سؤال الهوية وبروزه على سطح الجدل والوعي العربي الإسلامي، إلا مع حمأة جدل النهضة والتخلف ذاته، ومع تفجر الحديث عن المرجعية التشريعية والقيمية منذ حكم الخديوي إسماعيل في مصر، وإقرار نظام الملة العثماني سنة 1875، وتواتر الحديث عن الرابطة والجامعة السياسية منذ أخريات القرن التاسع عشر والعقود الأولى من القرن العشرين، هل هي رابطة وطنية أم شرقية أم إسلامية… إلخ.

الهوية محملة بالأسئلة

وقد أتى سؤال الهوية “بمدلولاته المختلفة” محمولا على ثلاثة أمور بشكل رئيس:

1- طرح الحداثة الغربية كنموذج يجب تمثله والتزامه، خاصة بعد أن صار تفوق الحضارة الغربية والاستعمار واقعا لا يمكن إنكاره، ما نشط مفهوم الهوية واستعماله كتعبير عن الخصوصية. كما نشط كتعبير عن الانتماء وتجل للحديث عن المواطنة مع قانون الملة سواء في ترويج الاستعمار للأقلية ودعوى حمايتها وهو ما وجد تجاوبا من بعض هوامش الأقليات مثل الجنرال يعقوب مع الحملة الفرنسية أو الدكتور أخنوخ فارس، أو نشاط الإرساليات التبشيرية أو حديثه عن عوائق التقدم الثقافية “اللغة الفصحى – الشريعة وحرية الرأي والتعبير – الأتراك والخلافة العثمانية…” وغير ذلك.

2- ما جد من أسئلة وجدل حول دوائر الانتماء الثقافية والجغرافية المختلفة، التي ضاقت من الدائرة الإسلامية إلى الدائرة المصرية والوطنية في أوائل القرن العشرين إلى المتوسطية في عشرينيات وثلاثينيات القرن إلى الشرقية والعربية في نفس هذا التاريخ وبعده، وما زاد الهوية وسؤالها حضورا هو عدم حسم أي من هذه الدوائر -والتيارات التي تحملها- الإجابة لصالحها؛ فقد استمر الجميع بجوار الجميع ولا يزالون.

3- صعود ما يسمى بعصر القومية دوليا وعربيا، وتصورات الأمة -الدولة كطريق للوحدة- State-Nation خاصة التصور اللغوي والثقافي لها الذي كان حلا لمسألة التنوع الديني بالخصوص وإن فجر التنوع العرقي بشكل آخر(1).

ولكن كان للصعود القومي الذي استمر عقودا، ونجح في الوصول لسدة الحكم في عدد من البلاد العربية منذ الخمسينيات، وما حملته معها من خطاب قومي يعادي الاستعمار وسياساته، كما يتخذ موقفا مضادا لتصورات النهضة والمرجعية الإسلامية والوطنية، في الآن نفسه، وكذلك للتنظيمات + الأقلوية ومطالبها الاستقلالية؛ ففي ظل الصب الوحدوي على المستوى الداخلي وفي وجه الآخرين تفجرت التمايزات والتنوعات الداخلية + الإثنية والدينية والفكرية كل يسائل كينونته ويطرح تصوراته المنطلقة منها لنهضة الوطن أو الدولة.

أولا: مفهوم الهوية بين الثبات والتحول

لا يخرج مفهوم الهوية “Identity” في مدلولاته الحديثة عن التشخص والشخصية وهو ما قال به ابن حزم في “الفصل” حده أنه: “هو أن كل ما لم يكن غير الشيء فهو هو بعينه؛ إذ ليس بين الهوية والغيرية وسيطة يعقلها أحد البتة، فما خرج عن أحدهما دخل في الآخر”(2). وهو ما التمسه الأستاذ جميل صليبا حين عرفها بأنها “المميز عن الأغيار”(3). وهي تستخدم بمعنى الهيئة، والأوصاف الظاهرة، ويأتي مقابلا لها الأوصاف النفسية والجوهر. وفي اتجاه المقابلة بينها وبين الغيرية حددها الدكتور جميل صليبا بتحديدها على أنها “المميز عن الأغيار”.

ولكن بعيدا عن التصور اللغوي والتقليدي الذي غلب على استعمال المفهوم في علوم اللغة والفقه -مقابلا للهيئة- أو الهوية في بحث الأسماء والصفات(4)، حمل مفهوم الهوية مضامين أخرى عليه وإن ارتبطت بمعناه الثقافي، جعلته يمتد ويؤكد على اكتشاف أمرين مهمين:

1- عناصر التميز للجماعة عن الآخرين، وهي عوامل الثبات فيها.

2- تصورات الجماعة للآخرين وعناصر الاندماج معهم، وفق موقع الذات الذي يحدده العنصر الأول، وهي فعل الثبات في التاريخ وممكناته.

وقد ذاع مفهوم الهوية عالميا وعربيا منذ ستينيات القرن المنصرم، ومع الصعود القومي والثوري في منطقتنا، نتيجة حمأة الصراع الدولي أو الثقافي منذ هذا التاريخ، واهتمام العديد من المجالات العلمية بدراسته، حتى يصح في ذلك قول المؤرخ ألفرد كروسر Alfred Grosser يقول: القليل من المفاهيم هي التي حظيت بالتضخم والاهتمام الذي عرفه مفهوم الهوية، حيث أصبحت الهوية شعارًا + طوطميا وأصبح بديهيا أن يحل كل الإشكاليات المطروحة، فصرنا نسمع عن خطاب الهوية، أي تلك الخطابات التي تقوم في أسسها الفكرية على تصور خاص للهوية، يمكن التمثيل لها بالتيارات القطرية والقومية والوحدوية والإسلامية، كما نسمع عن سياسات الهوية أي السياسات التي تمثل الهوية مصدرا لشرعيتها وسندا لها كحقوق الأقليات في تقرير مصيرها أو الصراعات الأهلية وسلطات الحكم الذاتي… إلخ.

والهوية تتحقق في مجال الاتصال بالآخرين، حتى يصح القول إن هوية الفرد الواحد تتبدل حسب اتصالاته ومواقفه ومواقعه المختلفة؛ فالهوية معطى من الآخرين وانعكاس ظاهر وكامن لمواقفنا منهم وردود فعلنا عليهم(5)، فهي رغم ثباتها فإنها صيرورة في التاريخ كذلك.

وتناول مفهوم الهوية تصاعد مع الاستقطاب الحضاري بين الغرب + وآخريه، في ظل الحرب على الإرهاب وانتشار دعاوى الحوار الحضاري، حيث تترادف الهوية فيه مع الثقافة كمنظور ورؤية للعالم.

ومفهوم الهوية ظهر بداية في كتابات الفيلسوف والمؤرخ الألماني الاجتماعي “فلهلم دلتاي” (1833- 1911) وقد جعله ماكس فيبر “Max Weber (1864- 1920) على مستويين يتعلق أولهما بما يطلق عليه دلتاي اسم الصورة الكونية التي تؤلف الكتلة الأساسية للمعتقدات والمسلمات الافتراضية عن العالم الحقيقي الواقعي، التي يمكن في ضوئها وبالإشارة إليها يمكن الوصول إلى إجابات شافية حول مغزى الكون والوجود.

ويتعلق المستوى الثاني بالسياق التصوري – الواعي + والإرادوي الذي تضع فيه الذات الجمعية نفسها ضمن تقسيمات العالم الواقعية أو المركبة من النواحي الثقافية في الأصل، لكن أيضا من النواحي الأخلاقية والاجتماعية والثقافية(6).

وهذان المستويان أشبه بحديث الفلاسفة عن الوجود بالقوة والوجود بالفعل؛ فالأول هو النظرية الكامنة والثاني هو الموقف الفكري والتأسيس لفعل في العالم ومع الحضارات الأخرى.

فمفهوم الهوية وفق منظور الرؤية الحضارية هو الذي يستحق الجدل وليس منظوره الإستاتيكي الذي تورط فيه العديد من الكتاب العرب تحت شعار “من نحن ومن نكون؟” فمثل هذه الأسئلة في غنى عن أية إجابة مجهدة، والهوية أعمق من سؤال “من نحن ومن نكون؟” حيث إن هذه الأمور الثوابت لا تمثل في الواقع أسئلة فلسفية تستدعي الاختلاف أو التوتر الوجودي الذي يصاحبها ويصاحب مثيلاتها من الأسئلة.

ثانيا: إدارة التعاطي مع الهوية

أ‌- التناول الإستاتيكي والتبريري:

يتم تناول الهوية إستاتيكيا عن طريق المرادفة بينها وبين دوائر الانتماء، وهو هنا يتماهى مع التحدد العرقي -الذي يصعب تحدده بشكل علمي- والجغرافي بالخصوص.

أما التناول التبريري فنقصد به مرادفة البعض بين القطرية والهوية من قبيل حديث بعض المصريين عن أنفسهم كمصريين فقط كما كان عقب اتفاقية كامب ديفيد، أو حديث بعض العراقيين الآن في ظل التطورات المستمرة منذ حرب العراق 2003 عن عراق ضد العروبة وتكون صيحة “قطريين فقط” هذه مصمتة متجاهلة لعوامل الارتباط والاندماج أحد أشكال هذا التناول الإستاتيكي والتبريري للهوية وليس سوى تكريس لمنظورات سياسية معينة في مواجهة منظورات أخرى ربما في نفس القطر ومتجاهلة للأبعاد التاريخية والثقافية تكوّن القطر المشار إليه، وهو ما يمكن أن يكون مقبولا في حالة واحدة هي المرحلية والتمرحل ولكن لا شك يكون مرفوضا في حالة “الانخلاع” والقطيعة مع توجهات الجميع ودوائر الأمن القومي المختلفة.

ب- الهوية في الجدل الثقافي والسياسي:

يتم تناول الهوية على المستوى الثقافي كمحدد لما يمكن أن يسمى الخصوصية الثقافية أو الشخصية القومية، وبمثل هذا المفهوم يأتي الخوف الشرقي مما يسمى التنميط الثقافي للعولمة أو الخوف من الهجرات في الغرب خاصة في الولايات المتحدة، حيث يأتي حديث أمثال هانتيجتون وبول كروجمان عن الشخصية القومية الأمريكية التي يهددها الازدواج الثقافي واللغوي والتحدي الديمغرافي الناتج عن هجرات الهسبانيك ومن ثقافات أخرى مغايرة.

وهنا يحضر التاريخ والثقافة كعنصر مهم في تشكل الهوية -رؤية وموقفا- يتجلى في نشاطية الجماعات الثقافية في التكتل حول نفسها واتجاه معظمهم لتخليد وحفظ الذاكرة الخاصة بهم، مثلما تقوم به قبيلة الباوهاتان الهندية في الولايات المتحدة من تخليد ذكرى أول وأكبر قبيلة حاربت المهاجر الأبيض سنة 1511 وتؤكد في ذلك على خصوصيتها وذاكرتها بل تميزها.

ويتم الترادف في هذا السياق بين مفهوم الهوية وبين مفهوم الخصوصية الثقافية والحضارية أو الموقف الحضاري والقيمي، وهو أمر مهم أقره العهد الدولي الثاني للحقوق الثقافية والاجتماعية والثقافية، ويعد مخزونه حاملا مهمًّا من حوامل الفاعلية المجتمعية والسياسية، بل الإبداعية لكن شريطة عدم اعتبار هذه الخصوصية خصوصية مغلقة خارج التماس والتطور الحادث.

الثقافات والحضارات ليست أسوارا بين جزر متنافرة ومتحاربة، ولكنها تشكل في التاريخ يحمل من الاتصال والحوار أضعاف ما يحمل من الصراع والحراب.

فالهوية كتشكل ثابت يصير في التاريخ النسبي يخضع لعوامل التحدي والاستجابة حسب السياقات المختلفة التي تتجلى فيها الهوية خطابا وسياسات؛ فكل عناصر الهوية تستدعى في أثناء الحرب وفي أجواء المقاومة من عنصر ديني وثقافي وحضاري وإثني ولغوي، كما تستدعى حسب مستوى الاستقطاب الحادث بين الذات التي تمثلها حينئذ وبين الآخر المستنفر لها؛ ففي الجدل الوطني يأتي جدلها محمولا على حقوق الأقلية والأغلبية وفي الجدل العالمي يأتي في صورة حضارية أو تاريخية.

كما هو الشأن في عالم ما بعد الحادي عشر من سبتمبر والحديث حول ثنائية الإسلام والغرب أو الدول الفقيرة والغنية، وفي العصر الاستعماري وعصر الحرب الباردة كان الحديث عن الجنوب والشمال، كما كان الحديث عن الشرق التحرري والغرب الإمبريالي، وفي ظل العولمة كان تجليه متنوعا حسب موقع الملتزمين خطاب الهوية ومرجعياتهم “عولمة أم ضد العولمة” شرقيين كانوا أو غربيين؛ فالهوية في عصر العولمة تأكد انتقالها من كونها دوائر انتماء مصمتة إلى كونها رؤية للعالم.

الهوية ومسألة المواطنة

من أكثر المستويات التي يتم استدعاء الهوية في جدلها المستوى المواطني على المستوى الحقوقي والوطني عند الحديث عن المواطنة كمفهوم مركزي في الدولة الحديثة يمثل مع السيادة الوطنية أهم مقومات الدولة القومية الحديثة.

والمواطنة في هذا التصور منتج طبيعي للحق في الجنسية، ولكنها في سياقنا المصري والعربي تأخذ شكلا جماعاتيا متعلقا بالطوائف الدينية والعرقية، ويكون الحديث فيه حول تأكيد هؤلاء هويتهم الطائفية أو بحث هوية الدولة -أي توجهاتها وسياساتها- التي تمثل خطرًا عليها وتنتهك الحقوق الثقافية والاجتماعية وربما الاقتصادية لها.

وهنا يكون الانفتاح السياسي شرطًا للمواطنة إذا أردنا أن تكون الدولة حديثة، وهو ما انتهى له واضعو دستور 1923 في مصر حين رفضوا أوصاف أقلية وأكثرية ومعها ما طرحه البعض عن “تمثيل الأقليات” مركزين على الانفتاح السياسي ومناخ الحرية، بعيدا عن منطق المحاصصة التقليدي الذي ما زال يصر عليه البعض.

فالحضور الطبيعي للهوية يكون بحضور الفعل وليس بحضور التاريخ، أما إذا كبت الفعل وقيد حضر التاريخ وقبلياته الإثنية والدينية ما قبل الحديثة حَكَما وموجها، وليس هناك مثل الاستبداد يجمد الطاقة الإبداعية والحضور الفاعل للجماعات والأفراد مما ينشط التصورات الجامدة للهوية والتوجهات المتطرفة في مسألة المرجعية.

ففي هذا المناخ لا تعاني الجماعات الدينية فقط الحضور المتضخم في الهوية، ولكن كذلك الاتجاهات الفكرية والسياسية والأفراد الذين لا ينتمون لدائرة الحاكمين وفق منطق السلطة وفلسفة الأمر.

فالهوية في أبعادها الثابتة ليست مشكلا؛ لأن عوامل الاندماج والاشتراك صارت كذلك ثابتا بفعل التراكم التاريخي، ولكن المشكل هو الفاعلية والحرية المجتمعية والسياسية التي تتيح للجميع التعبير عن كوامنه أو هويته إن صح التعبير.


المشرف على البحوث في مركز “المسبار” بالإمارات العربية

1- هو تصور يرى أن أول عوامل تشكل أية أمة هو اللغة التي يتكلمها أفراد هذه الأمة، وهو يقدم عنصر اللغة على عنصر “العرق والإثنية” وفي المقام الأول عنصر الدين.

2- ابن حزم: “الفصل بين الملل والنحل” في قسم الكلام عن التوحيد وفي التشبيه، الجزء الأول، تحقيق محمد سيد كيلاني/ دار صادر بيروت 1404 هـ..

3- جميل صليبا، المعجم الفلسفي، مادة هوية، ط دار الكتاب اللبناني للطباعة والنشر والتوزيع سنة 1994 .

4- مثل هذا التطور المفاهيمي نجده في العديد من المفاهيم القديمة شأن مفهوم الأدب الذي يعني الثقافة الآن بعموم، ومفهوم الثقافة الذي لم يكن موجودا بمعناه في تراثنا حيث كان مرادفا للتأدب، أو مفهوم التسامح والتساهل.. هذه المفاهيم التي حملت مدلولات إضافية في تطور الفكر والتاريخ.

5- An introduction of the Concept of Identity , Martin Rost , Independent Centre of Privacy Protection (ICPP , 2003

6- د رضوان السيد: مسألة الحضارة والعلاقة بين الحضارات لدى المثقفين العرب في الأزمنة الحديثة ضمن الصراع على الإسلام الأصولية والإصلاح والسياسات الدولية، دار الكتاب العربي بيروت سنة 2004، ص 125.