تقول الأستاذة نور الإيمان عبد الله من فريق الاستشارات:
أختي الكريمة م م ح؛
بارك الله فيكِ على حرصكِ على برِّ والديك، وتحرِّي سُبل طاعتهما والتقرب لهما.
إن أسئلتك المطروحة لعدة جوانب مهمة، سنأخذ كلَّ سؤالٍ منها على حدةٍ ونجيب عنه سائلين الله تعالى التوفيق والرشاد.

* أولا حقوق الوالدين:
موضوع حقوق الوالدين علينا –أخي الكريم- موضوعٌ واسعٌ وكبيرٌ جدًّا، ولا يمكن حصره في مجرَّد ردٍّ على استشارة، ولكنَّني سأعرض عليك بعض الأمور الهامة في حقوق الوالدين علينا.. وفي نهاية الرد ستجد بعض الروابط التي تخدم نفس الموضوع يمكنك الرجوع إليها، والله المستعان.
إنَّ للوالدين مقامًا وشأنًا يعجز الإنسان عن إدراكه، ومهما جهد القلم في إحصاء فضلهما فإنَّه يبقى قاصرًا منحسرًا عن تصوير جلالهما وحقّهما علينا كأبناء، وكيف لا يكون ذلك وهما سبب وجودنا، وعماد حياتنا، وركن البقاء لنا؟!
لقد بذل الوالدان كل ما أمكنهما على المستويين المادي والمعنوي لرعايتنا وتربيتنا، وتحملا في سبيل ذلك أشدَّ المتاعب والصعاب والإرهاق النفسي والجسدي، وهذا البذل لا يمكن لشخصٍ أن يعطيه بالمستوى الذي يعطيه الوالدان، لهذا فقد اعتبر الإسلام عطاءهما عملاً جليلاً مقدَّسًا استوجبا عليه الشكر وعرفان الجميل، وأوجب لهما حقوقًا علينا لم يوجبها لأحدٍ على أحدٍ إطلاقًا، حتى أن الله تعالى قرن طاعتهما والإحسان إليهما بعبادته وتوحيده فقال: (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا وبالوالدين إحسانًا)، إنَّ الفضل على الإنسان بعد الله هو للوالدين، والشكر على الرعاية والعطاء يكون لهما بعد شكر الله وحمده، واليك بعض النماذج من حقوقهما علينا:
– حبهما وتوقيرهما في النفس والقلب ما استطاع، لأنَّهما أحق الناس بحسن الصحبة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجلٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أبوك) رواه البخاري.

– الرعاية والقيام على شئونهما لأن هذا ديْنٌ في عنقنا، فلا يصح أن نتأخر في بذل أي جهد أو عون لهما بطلبٍ أو بدون طلبٍ منهما.. وتحرى سُبل راحتهما وسعادتهما والقيام بها لننال رضى الله ورضاهما.

– عدم إيذائهما ولو بإسماعهما ما يكرهانه من القول أو الفعل.

– النفقة عليهما إن احتاجا, وإن كان الأب معسرًا فيجب علينا مساعدته في النفقة ومدّ العون والمال لهما بما في الاستطاعة لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (أنت ومالك لأبيك).

– أمَّا بعد موتهما -بارك الله في أعمارهما- فيُسنُّ قضاء ما يكون عليهما من كفارات، والتصدق عنهما، والحج أو الاعتمار عنهما، والاستغفار والدعاء لهما، وإكرام صديقهما، وأن نصل الرحم التي لا توصل إلا بهما.

وأختم حديثي عن حقوق الوالدين بهذا الحديث الخاص عن فضل الأمّ للإمام عليٍّ رضي الله عنه حين قال: “فحقّ أُمِّك أن تعلم أنَّها حملتك حيث لا يحمل أحدٌ أحدًا، وأطعمتك من ثمرة قلبها ما لا يُطعِم أحدٌ أحدًا، وأنَّها وَقَتْك بسمعها وبصرها ويدها ورجلها وشعرها وبشرها وجميع جوارحها مستبشرةً بذلك فرحةً موبلة -كثيرة عطاياها- محتملة لما فيه مكروهها وألمها وثقلها وغمّها، حتى دفعتها عنك يد القدرة وأخرجتك إلى الأرض فرضِيَتْ أن تشبعك وتجوع هي، وتكسوك وتعرى، وترويك وتظمأ، وتظللك وتضحى، وتنعمك ببؤسها، وتلذذك بالنوم بأرقها، وكان بطنها لك وعاءًا وحجرها لك حواءًا، وثديها لك سقاءًا، ونفسها لك وقاءًا، تباشر حر الدنيا وبردها لك دونك، فتشكرها على قدرِ ذلك ولا تقدر عليه إلا بعون الله وتوفيقه”.

** ثانيا فيما يتعلَّق بسؤالك هل تطيع أمك في كل ما تأمرك به:
بدايةً لم تذكري أختي أمثلةً لبعض الأمور التي تخالفين فيها والدتك، لأنَّ الأمر يتوقَّف على ماذا تخالفينها؟؟ وفي ماذا؟؟
ولكنني سأجيب على سؤالك بشكلٍ عام، وإن شاء الله تجدين فيه الفائدة.

إن الخلاف بين الأبناء والآباء واردٌ جدًّا، وأمرٌ طبيعي في كلِّ العائلات، وإنَّه من العادي أن تختلف مع أحد والديك في فكرةٍ أو موضوعٍ، ولكن لا بد أن تراعي عدة أمورٍ في ذلك:
* أنَّ اعتراضات الوالدين تكون أحيانًا وجيهة، ويكون الأبناء غير مبالين بها إمَّا لقلَّة خبرتهم، أو لاندفاعهم وراء عواطفهم.. لذلك لا تستعجلي في الحكم على فكرةٍ أو رأيٍ تطرحه والدتك، بل تناقشي معها وحواريها حوارًا هادئً، وتفهَّمي وجهة نظرها جيِّدًا ودوافعها وفكّري بها جيِّدًا قبل أن تقرري.. ننصحك بالتروي.

* كوني على ثقةٍ أنَّ والدتكِ هي أحنُّ إنسانةٍ عليك، ولن تكلفك فوق طاقتك واستطاعتك، لذلك حاولي إرضاءها على قدر استطاعتك ومقدرتك إحسانًا لها ووفاءً ورحمةً بها.

* الأمر الهام جدًّا في سؤالكِ هو أهمية التفريق بين أمرين مهمين جدًّا التبس على كثيرٍ منّا فهمهما الصحيح، وهو -كما يقول الأستاذ معتز الخطيب-: “الفرق بين مفهوم “الطاعة” للوالدين، ومفهوم “بر الوالدين”، “فالطاعة” لا تكون سوى لله ورسوله، ولم ترد أي آيةٍ من آيات برِّ الوالدين في القرآن فيها كلمة “طاعة” إلا في موضوعٍ واحدٍ وهو حالة الشرك في الله فقال “لا تطعهما”، ذلك التفريق بين المعنيين ينبني عليه التالي:
– أنَّ الطاعة تكون استجابةً للأمر من دون مناقشةٍ ولا خِيَرة، كطاعة أوامر الله ورسوله إذا قضيا أمرًا، بينما يختلف الأمر مع الوالدين فالمراد “إرضاؤهما”، وهو مُقتضى معنى البرِّ والمصاحبة والإحسان والوصية، وإرضاؤهما يمكن أن يحصل من دون تنفيذ أوامرهما، أو قد يحصل بعد مناقشتهما في رأيهما وإقناعهما بصواب رأينا نحن أو غير ذلك.

– أنَّ الطاعة تدخل في المسائل الاعتقاديَّة لأنَّها مطلوبةٌ لتنفيذ ذات الأمر، بينما لم يأمرنا الله بتنفيذ أوامر الوالدين كلِّها هكذا وعلى الإطلاق، وإلا للزم أن ننفِّذ كلَّ ما يطلبانه سمعًا وطاعة!

– أنَّ الطاعة تحكُّمٌ وخضوع، وهذا يُطلَب لله سبحانه وحده، بينما لا يجوز مع الوالدين أو غيرهما.

كثيرًا ما يتمُّ تصوُّر أنَّ برَّ الوالدين يكون بالاستجابة لكلِّ أوامرهما، وهذا ناشئٌ من الخلط بين مفهومي “البرّ” و”الطاعة”، وهنا يجب التفريق بين ما يخصُّ الوالدين ويدخل في دائرة حقوقهما، وبين ما يخصُّ الابن أو البنت ويدخل في دائرة حقوقهما، ولكن يحقُّ للوالدين أدبًا، ومن باب المصاحبة والإحسان، إبداء الرأي والمشورة في ذلك، وبعد هذا الرأي والمشورة يعود القرار لصاحبه.

ولكن هذا لا يعني أن تقفي في صدامٍ مع والدتكِ وتخَلقي جوًّا من التنافر بينك وبينها لا أبداً، وهنا نأتي لشرح مفهوم “البر” عمليًّا، حيث يفترق عن “الطاعة” فنقول: إنَّ مقتضى قوله تعالى: (وصاحبهما في الدنيا معروفًا)، أنَّه لا يجوز لكِ إلاَّ الرفض برفقٍ وحكمةٍ دون إساءةٍ لها بالقول، وإن استطعتِ وأردتِ الأجر العظيم حبذا لو نزلتِ عند رغبتها وإن كان لا يجب، ولكن من باب التضحية والإيثار فإنها أحق من تحسني إليها، فقد جعل الله تعالى طاعة الوالدين من بعد عبادته مباشرة”.

* ثالثا فيما يتعلَّق بسؤالكِ هل يجوز إخبار والدك بما يحدث في المنزل في أوقات غيابه في العمل:
كذلك أختي فإن الجواب على هذا السؤال يعتمد على ماهية الشيء الذي ستخبرين عنه والدك!! ولكن بشكل عام فإنَّ هناك قواعد أساسية في هذا الأمر نوضحها لكِ ونرجو أخذها في الاعتبار:
– هناك أمورٌ كبيرةٌ جدًّا لا يمكن السكوت عنها وإخفائها عن ربِّ الأسرة، لأن علاجها مع الأب من البداية يكون خير سبيلٍ وأفضل حلٍّ وأقصر طريق.. ولكن لا يعني ذلك أن تقومي أنت بهذا الدور، لأن إخبار الوالد بمثل هذه الأمور هو من واجب الأم، فإذا لم تقم الأم بهذا فيمكنك أن تحدثيها في ذلك، وتتحاوري معها فيه.. وحتى إذا لم تستجب أمكِ لكلامك لا يصح أن تخبري والدك، لأن ذلك يعرض البيت لفتنة كما قلت بالفعل، لكن يمكنك –وذلك إذا كان الأمر كبيرا بحيث لا يسكت عنه بالفعل- أن تدخلي طرفًا آخر يكون له القبول لدى والدتك –كخالتك مثلا- حتى تقنع أمكِ بذلك.. وأؤكد أن الصراحة والوضوح والثقة مهمَّةٌ جدًّا لقيام بيت سليم وصحي، لذلك لا داعي أن يكون هناك أمورٌ مخفيةٌ عن الأب، لكن تحسب الأمور جيدًا ويتوسل إليها بالوسيلة التي تصلح ولا تفسد.

– التحاور أفضل طريقة لحل المشاكل، فلو حدث أيُّ شيءٍ في المنزل حاولي أن تقفي مع أسرتك في إيجاد حلها وإيجاد سبل لعلاجها، وبذلك تخففين من أعباء والديك وتساعدينهما في مهامهما بعد يومٍ طويلٍ من العمل المتعب.

– نحن نريد جميعًا أن تكون أسرنا المسلمة أسرًا يسودها الحب والألفة بين جميع أفرادها كبارًا وصغارًا، وذلك يكون باحترام بعضهم البعض، ووجود ثقة متبادلة بين أفرادها, ولا أعتقد أن إخبار الأب بصغائر الأمور والتي يمكنه حلها بين الأسرة دون إزعاج الأب وعمل نزعات لا داعي لها سيؤدِّي إلى ضررٍ ما، بل على العكس ربما بذلك يتولَّد نوعٌ من الكره بينك وبين أفراد عائلتك من جهة، وقلة ثقة بين والدك وأفراد العائلة من جهة أخرى وهذا مالا نريده أبدًا.

الوضوح والصراحة طريقٌ مختصرٌ لكلِّ شيءٍ، ويجنّبنا كثيرًا من المشاكل، لذلك أبدئي أنت بأسرتك وحاولي أن تكسبي ودّ الجميع، والتقرب إليهم وكسب حُبهم وثقتهم، وبذلك سيكون كل شيءٍ واضحٌ أمام الجميع، وتتعاونون دائما على حل مشاكلكم ومعالجة أموركم سويًّا ويدًا بيد.
نرجو لك التوفيق والسداد.. وتابعينا بالأخبار.

فتويان ذواتا صلة:
فريق الاستشارات الدعوية