وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته..

أهلا بك ومرحبا سيدتي من أرض مباركة نَحِنُّ إليها ويكن لها كل مسلم مكانة وتقديرا. أبدأ معك سيدتي بالرد على سؤالك الأخير: هل أنا فشلت في التربية؟ كلا لم تفشلي -سيدتي- لكنك مثل كل الأمهات بل مثل كل البشر يخطئون ويصيبون، يتعثرون ويقومون، ولم يفت الوقت بعد، وكما يقول المثل: “لأن تصل متأخرا خير من ألا تصل أبدا”، ولكن الأمر يحتاج إلى مزيد من الصبر والمثابرة والوقت والجهد وهذا ليس بالأمر المستحيل.

وتعالي لنبدأ ونحدد معا المشكلة التي تضمنتها رسالتك، ويتبلور هذا التحديد في أمرين أساسيين ألا وهما:

1. اللبس الذي حدث -سيدتي- عند قراءتك في الموضوعات التربوية عن أسلوب الحوار والنقاش مع أبنائك.

2. طبيعة المرحلة التي يمر بها أبناؤك وهي مرحلة المراهقة.

ولنبدأ بالأمر الأول؛ فقد فهمتِ -سيدتي- من الموضوعات التربوية التي قرأتِها أن التربية تقوم على الحوار والنقاش بينك وبين أبنائك وإقناعهم بكل أمر أو طلب تطلبينه منهم، وهنا بالتحديد كان الخطأ أو اللبس، فليس معنى أن العلاقة بين الوالدين من ناحية والأبناء من ناحية أخرى تقوم على الحوار ألا يكون هناك حزم في التعامل، وألا يكون هناك ثوابت وخطوط حمراء ينبغي للأبناء عدم تجاوزها، فالحوار والنقاش لا يمنعان الحزم في الأمر كله، فلا يصح مثلا أن تناقشيهم فيما إذا كان من حقهم أن يصلوا أو لا يصلوا، ولكن من حقهم أن يفهموا من خلال الحوار بعض الحِكَم التي من أجلها شرعت الصلاة، وليس من حقهم أن يبروك أو لا، ولكن من حقهم أحيانا أن يعترضوا على بعض أوامرك لكن بمنتهى الأدب والاحترام، ولا يحدث هذا إلا من خلال أسلوب تربوي يجمع بين الحب والحزم؛ فلا ينفع طغيان الحب على حساب الحزم كما لا يصح العكس.

وهناك تجربة قامت بها إحدى المدارس في المرحلة الثانوية؛ حيث وزعت استطلاع رأي على طلابها عن مُعلمَين من معلميها لمادة الكيمياء؛ أحدهما متمكن من مادته ويغلب على أسلوبه مع طلبته الحب واللين في المعاملة، والآخر مستواه جيد بمادته لكنه أقل تمكنا من المعلم الأول، وكان الحزم من أهم صفات هذا المعلم الأخير، وفي وسط دهشة إدارة المدرسة تظهر نتيجة هذا الاستطلاع لصالح المعلم الحازم رغم تفوق الآخر عليه في تمكنه من مادته.

وهذا بالضبط ما يحتاجه أطفالنا، ولا أعني بالحزم الصرامة والغلظة والقسوة؛ بل أعني أمرا آخر سيتضح خلال نقاط عملية برسالتي بعد أن نوضح النقطة الثانية من المشكلة ألا وهي طبيعة المرحلة العمرية التي يمر بها أبناؤك، فلا بد أن تدركي سيدتي أن ثلاثة من أبنائك -حفظهم الله جميعا- يمرون بمرحلة المراهقة، وهي مرحلة لها سماتها وتغيراتها الجسمية والانفعالية والاجتماعية والعقلية، وهي سمات لا بد من التعرف عليها حتى تتمكني من التعامل مع هذه المرحلة (عليك بالاطلاع على أهم خصائص هذه المرحلة من خلال كتب علم نفس النمو، وهي متوفرة بجميع المكتبات المعنية بالتربية)، ولكن ما يهم هنا هو أن نتناول النمو الانفعالي لدى الأبناء في هذه المرحلة:

يذكر الدكتور علاء الدين كفافي في كتابه (رعاية نمو الطفل) عن هذا النمو ما يلي: يمر المراهق في المجتمعات المدنية بصراعات نفسية؛ وذلك بسبب رغبة المراهق في الاستقلال عن والديه وعمن يمثل السلطة بشكل عام (كالمدرسين والإدارة المدرسية، والمدربين بالنوادي… إلخ)، وتتمثل هذه الصراعات في:

1. رغبة المراهق في الاستقلال، وفي الوقت نفسه هو ما زال يعتمد على والديه.

2. لديه دوافع جنسية يتطلب إشباعها، لكن هناك الدين والعرف والمجتمع يحول بين ذلك.

3. الرغبة في الانطلاق والحرية، ونظم المجتمع تمنع هذا.

وهذا النمو الانفعالي يتسم بعدة سمات أو بعدة صفات، ألا وهي:

• التعبير عن الغضب بحدة وثورة شديدة.

• الغضب كالطفل بسرعة شديدة ولأسباب قد تبدو تافهة.

• الحساسية المفرطة، فهو يخشى التواجد في اجتماعات ومناسبات اجتماعية، ويشعر بأنه محط أنظار وتعليقات الجميع، ولذا نجد أن كثيرا من المراهقين -إن لم يكن كلهم- يشعرون بالأمن والراحة بالتواجد أطول فترة ممكنة مع من هم في مثل سنهم وليس مع الكبار.

• وهو دائما يشعر بالذنب لأنه يرسم لنفسه صورة مثالية لا يستطيع الوصول إليها، ومن ثم يحاسب نفسه كثيرا على هذه الأخطاء وليس الأخطاء السلوكية فحسب، بل كل ما يراوده من أفكار وهفوات، وهذا أيضا يجعله أكثر حدة وعصبية.

• يشعر دائما بأن من حوله لا يقدرونه ولا يحترمون رغباته؛ وهو ما يزيد من شعوره بالغربة والإحباط.

• ومن أسباب الصراع لدى المراهق أحيانا: عدم التوازن بين الجوانب المختلفة للنمو، فالنمو الجسمي يسبق النمو العقلي، ومن هنا يبدو المراهق في حجم كبير؛ الأمر الذي يترتب عليه أن يتعامل معه الجميع على أنه أصبح راشدا، مع أنه لم ينضج بعد، ويتوقعون منه ما لا يستطيع، ويوقعون عليه كثيرا من اللوم لأخطائه التي تبدو طفولية ولا تتناسب مع حجمه.

كل هذه الأسباب وغيرها -والتي ستجدينها عندما تقرئين عن مرحلة المراهقة- تسبب ما يشبه الأزمة عند المراهقين.

والآن بعد أن حددنا المشكلة تعالي لنتناول معا الأسلوب الذي تتعاملين به مع أبنائك، أو بمعنى آخر الخطوات العملية، بناء على ما سبق تناوله من معلومات:

1. عليك أن تتحدثي مع زوجك وتخبريه بأنك سوف تقومين بتغيير في أسلوب تعاملك مع أبنائك، وأنك قد علمت أن الحزم مطلوب إلى جانب الحب والحوار والنقاش، لكن لكلٍّ مكانه ومواقفه، وعليه أن يساعدك في ذلك.

2. عليكما بالاجتماع مع أبنائكما، وأن توضحا لأبنائكما أنكم جميعا أسرة واحدة وأن مسئولية البيت وأعماله ليست مسئولية تقع كلها على فرد واحد، وأن الجميع لا بد أن يشارك في هذا، وعليه فلا بد من تقسيم المهام المنزلية بينكم، وهنا لا بد من تحديد مسئولية كل واحد في لوحة كبيرة تعلق على الحائط في مكان يراه الجميع، وأن يكون هناك مسئوليات ثابتة لكل فرد؛ كأن يقوم بترتيب سريره والحجرة التي ينام بها، ولا بد أن يكون له أيضا مهمة إضافية أخرى، فعلى البنات المساعدة في تنظيف البيت والطهي، وعلى الصبيين شراء ما يلزم البيت من الخارج، ومهمة كي الملابس مثلا.. وهكذا.

3. لا تستجدي العطف والاحترام من أبنائك، فلا تذكري على سبيل المثال أنك تتعبين كثيرا في أعمال المنزل وأنهم لا يقدرون هذا التعب، ولكن البديل عن هذه الشكوى وهذا الاستعطاف هو ما ذكرته لك سابقا من تحديد مسئولية كل فرد بالبيت، وكذلك لا تطلبي من أبنائك احترامك بشكل مباشر، فهذا يجرئ أبناءك عليك أكثر من ذي قبل.

4. عليك ألا تلعبي دور الضحية والأم المغلوبة على أمرها قليلة الحيلة، فهذا يستفز أبناءك ويجعلهم أكثر انفعالا عليك، وكذلك أكثر جرأة، ولذا لا بد أن تظهري بمظهر الواثق من نفسه المعتد بآرائه.

5. انتهزي فرصة أن أحد الأبناء قد تحدث إليك بطريقة غير لائقة وأعلني بصوت حازم حاسم (غير صارخ) قائلة: ربما تكون غاضبا أو منفعلا لكن هذا لا يعني أن تصرخ أو تنفعل بهذا الأسلوب، وأنا لن أسمح بمثل هذا التصرف مرة أخرى، وعليك أن تخبرني بما أغضبك حينما تهدأ. واتركيه يفكر فيما قلته، فإن تكرر هذا الأسلوب أعرضي عمن يصدر منه هذا التصرف، واطلبي منه ألا يتحدث معك حتى يعرف كيف يتعامل مع أمه.

6. ولا يعني ما سبق أنك تعلنين الحرب على أبنائك؛ بل عليهم أن يدركوا أنهم كلما أحسنوا إليك كلما كنت أكثر لطفا وتفهما، ولا بد أن يعرف كل منهم حدوده.

7. ولا تخشي أن تتحول طريقتك إلى خشونة وجفوة بينك وبين أبنائك، ربما يحدث هذا في بادئ الأمر لأنهم لم يعتادوا منك على هذا الأسلوب، لكن في الوقت نفسه عليك أن تشعري أبناءك بأنك تهتمين بما يهتمون به، وأن جسور المحبة بينكم موصولة في إطار الاحترام المتبادل بينكم، وافتحي معهم مجالا للحوار والمناقشة في الأمور التي تسمح بهذا؛ مثل أن تشاهدا معا برنامجا أو فيلما أو مسلسلا، ويفتح مجال للنقاش في أهم أحداثه وأهم الشخصيات التي لعبت دورها بإتقان والتي لم تتقن، وأسباب نجاح أو فشل هذا العمل الفني من وجهة نظرهم، ويفضل أن يشارككم الأب في ذلك، واجعلي ذلك تقليدا جديدا بالبيت؛ أن تجتمع الأسرة لمناقشة موضوعات عامة تهم المجتمع أو الأسرة.

8. عليك بالنسبة لبنتيك (16 – 18 سنة) أن تشعريهما باهتمامك بأمورهما خاصة من الناحية الأنثوية، وأن تتحدثي معهما في الموضوعات التي تهم الفتيات في مثل هذه السن، ولكن احذري أن يحدث ذلك عن طريق استجواب أو “محايلة” منك لكي يتحدثا معك؛ بل كل ما عليك أن تكوني على استعداد لتسمعيهما وتحتوي مشاعرهما وتقدريهما حينما يرغبان في الحديث معك دون إلحاح منك.

9. سيدتي، ما زال لديك طفلان دون سن الخامسة عشر، فعليك أن تتداركي الأمر معهم بتعويدهم على هذا الأسلوب الجديد؛ أسلوب الحب الحازم.

10. إن هذه الطريقة الحازمة لن تتمكني منها بين يوم وليلة، وخاصة أن هذا الأسلوب يصطدم قليلا مع طبيعتك السمحة الودودة، وبالتالي يمكنك تعلمها والتدريب عليها، وسوف تمتلكينها يوما ما بالصبر والمثابرة، وبملاحظتك لأداء زوجك حينما يتعامل مع أبنائكما.

وأخيرا: أدعو الله أن يعينك على أمرك كله، ونحن على موعد آخر للمتابعة، فإلى لقاء آخر إن شاء الله.

 

اقرأ أيضًا:

 

 

 الخبيره أ/عزة تهامي