يقول المخرج السوري هيثم حقي: إن الفضائيات العربية اعتبرت شهر رمضان “مهرجانا للدراما للتليفزيونية”، فأرغمت المخرجين على الرضوخ لها بتوقيت أعمالهم. وتردد كثيرا في شهر رمضان الماضي (1428هـ) أن العوامل السياسية، وعلى وجه التحديد الضغوط السياسية الإقليمية التي تتعرض لها سوريا، ساهمت في محاولات فرض حصار على الإنتاج الفني السوري أيضا، إلى درجة تغييبه في بعض الفضائيات كما في المغرب، أو امتناع بعض شركات التوزيع عن المشاركة في تسويقه؛ وهو ما أدى إلى تخفيض كميته بصورة ملحوظة في موسم رمضان 1428هـ.رغم هذا وذاك بقي الإنتاج السوري متألقا، وأصبحت كلمة “باب الحارة” رمزًا له لشدة الإقبال على حلقات المسلسل الذي حمل هذا العنوان، للعام الثاني على التوالي، إضافة إلى التعاقد مسبقا على حلقات جديدة للعام المقبل.

قفزة نوعية ومنافسة صحية

حققت مسلسلات تاريخية سابقة، مثل صلاح الدين والحجاج، قفزة سورية نوعية غير مسبوقة في ساحة الإنتاج التلفزيوني العربي، كما أن عددًا من المسلسلات التي توصف بتعبير “الدراما” وآخرها باب الحارة، حققت قفزة نوعية أخرى في هذا الميدان. وإذا كان الإنتاج المصري يعاني من صعوبات ملحوظة في الوقت الحاضر، فإنه لا يصح (إعلان وفاة الدراما المصرية.. ولا عزاء للمشاهدين..!) كما كتب السيد يونس في “الأسبوع” المصرية مع حلول منتصف رمضان 1428هـ، ويبدو أن المشكلة تكمن في أن الإنتاج المصري – على النقيض من منافسه السوري – لم يستطع بعدُ الفكاك من الموروث من عهود قريبة، رغم ما يردده الجميع من أن التفوق الفني لا يتحقق بالوراثة، إنما يحتاج إلى إبداع متجدد باستمرار، وصعود مطرد من موسم إلى آخر، وأن العاملين في الميادين الفنية في حاجة إلى حس مرهف في إدراك احتياجات الجمهور في كل مرحلة من المراحل.

ولكن النجاح السوري يعني -أو ينبغي أن يعني عربيا- ظهور مركز آخر للمنافسة في الساحة الفنية، لا سيما أن أحد تجليات نجاحه هو طرحه تحديات جديدة من حيث المضمون والأداء على عالم الفن العربي المعاصر.

إلى وقت قريب كان بعض ميادين المعيشة اليومية، ونقاط التقاطع السلبية مع فئات صناعة القرار، بل كثير من القيم أو التصورات المرتبطة بالموروث المعرفي والثقافي، إما من المحرمات عرضة للتجاهل، أو من المشاعات عرضة للتحريف والتهجم. واستطاع الإنتاج السوري في ميادين عديدة، فكاهية كما في مسلسلات المرايا وحكاياها، وتاريخية و”درامية” أن يحقق القفزة النوعية عبر تحرير صناعة الفن من قيودِ توجيهٍ استمر لعدة عقود سابقة، وهو توجيه تجاوز حرية الرسالة الفنية، وإن ادعى الحرية المطلقة، واستهدف تحقيق أغراض سياسية وعقائدية، وإن ادعى كسر التزمت عبر التعلق بما ساد منها، وحاول نشر الأغراض السياسية والعقائدية الجديدة بأسلوب “الإملاء” على الجمهور، وسعى لإعادة تشكيل أذواقه وفقا لها، بأي ثمن وأي وسيلة، وهو ما شمل مختلف أشكال العطاء الإبداعي أدبا وفنا وفكرا.

رؤية سلبية عقائدية

السيد يونس من مصر، في مقاله المشار إليه، يتحدث عن (الأعمال الدرامية السورية التي تفوقت ونجحت في جذب المشاهد المصري والعربي من خلال حوالي 20 مسلسلا ما بين تاريخي واجتماعي)، فيرى في هذه العلاقة الناشئة بين العطاء الفني والجمهور جوهر النجاح وأساسه وصورة واقعية للتعبير عنه.

مقابل هذه الشهادة – هي مثال على كثير سواها- التي تعبر عن رؤية النجاح إيجابيا، يمكن أن نرصد من يرى النجاح ويعبر عنه ولكن من منظور الرفض والانزعاج الصادر عن قيود الماضي القريب على الإبداع الفني، ومثال ذلك مقالة ناقدة لمسلسل باب الحارة، نُشرت بعنوان (الدراما السورية تعتمر النقاب) لتعبر كاتبتها عن نظرة ذاتية لم تخرج من نفق التوجيه المفروض من قبل؛ فهي لا ترى في المسلسل الذي شهد من الإقبال الجماهيري ما لم يشهد سواه، إلا “ما لا تحب” هي أن تراه، فتعدد أمثلة على جوانب من الواقع المرفوض كما صوره المسلسل عن جزء سكني شعبي من دمشق القديمة.

والواقع أن المشاركين في إبداع هذا المسلسل لم يزعموا قط أنهم يروجون لكل ما جاء فيه، بل لم يزعموا أنه هو وحده الذي يمثل المجتمع السوري في الحقبة المعنية في أثناء الاستعمار الفرنسي.

ولكن -وهنا ينبغي للرؤية العقائدية ألا تتحول إلى غشاوة تحجب الرؤية الواقعية- كان ما عرضه مسلسل باب الحارة جزءا فعليا من الواقع القديم في دمشق، ولا يزال بعض صوره منتشرا في “حاراتها القديمة”، وتتجلى القدرة الفنية في مصداقية عرضه كما هو، وهذا ما جعل الجيل الأكبر سنا، والأكثر التصاقا بالأحياء الشعبية، يشعر بتلك المصداقية، بغض النظر عن قبول هذه الصورة أو تلك من الصور الاجتماعية التي يعرضها المسلسل.

إن عرض الواقع كما هو، هو الخطوة الأولى لاستيعابه، ومن ثم لتقويمه منهجيا، وربما رفض بعض ما فيه وقبول البعض الآخر، أما أن يختلط التوجيه والتقويم بعملية العرض نفسها، فهذا في مقدمة ما أساء إلى الإبداع الفني في حقبة سبقت، وحوله إلى أداة ترويج لما يريد “السلطان”.

لقد كان في مسلسل باب الحارة مثلا صور معبرة عن “عنترية الرجال على النساء وخضوعهن لها”، وهذا واقع اجتماعي كان سائدا ولا تزال بعض ذيوله موجودا، وعند رؤيته وجها لوجه في عرض فني مشوق، يعود المسلم إلى إسلامه فيرفضه، ويعود من ينطلق من غير الإسلام إلى ما ينطلق منه فيرفضه، وفي الحالتين يبقى عرض الصورة الواقعية كما هي مطلوبا ومفيدا.

أما أن يقال إن عرضها كان (محاولة لاسترضاء أذواق مريضة أو رقابة تائهة داخل العالم العربي) فيدل على تحيز مرفوض إلى درجة اتهام المخرج والمنتج والممثلين في نواياهم، رغم وجود إنتاج آخر من أنواع أخرى لهم، لا تدل قطعا على ما يمكن معه تسويغ هذا الاتهام.

وكان في المسلسل التعبير عن الشهامة، والوطنية، والتضامن، والحرص على الأسرة، والتسامح، وغير ذلك من القيم التي تتحول عبارة “أذواق مريضة” أمامها إلى اتهام موجه لمن يستخدمها.

وكانت في المسلسل صور عن انشغال النساء بالأعمال المنزلية، وبالثرثرة، وبالكيد، وبكثير من التفاهات، وهذا جزء من واقع قائم أو كان قائما، يُعرض لبيانه، وللتشجيع على إنكاره، وما تضمن المسلسل إطلاقا ما يدعو إلى تثبيته ونشره أو استحسانه، بل على النقيض من ذلك يمكن استخلاص رسالة غير مباشرة منه، عندما نلاحظ أن مجرى الأحداث يفضي إلى أضرار ناجمة عن تلك السلوكيات، فمن شأن ذلك أن ينفر منها لا أن يشجعها، وهنا من المفروض أن يلتقي المستمسك بالقيم الإسلامية مع أي إنسان نزيه يستمسك بمعايير أخرى، فيدعو إلى استعادة ما افتقدناه حقبة من الزمن، من شهامة وكرامة وعلاقات أسرية حميمية، وتخليصها في الوقت نفسه من شوائب قديمة مرفوضة، ومن أمراض اجتماعية خبيثة حديثة تقضي على الأسرة نفسها.

الناقد الفني والجمهور

إن التغول في نقد مسلسل ناجح من قبيل باب الحارة، لا يعود إلى مضمون المسلسل نفسه، بل يعود إلى مضمون الفهم المسيطر حتى الآن على كلمة إبداع فني. ونبقى مع كاتبة مقالة (الدراما السورية تعتمر النقاب) لنجد أن العنوان نفسه يعطي الاتجاه العام المقصود من النقد، ثم نجد في فاتحة المقالة ما يعبر عن منطلق الكاتبة في فهمها هي للعطاء الفني، حيث تقول حصريا إن (الفن الدرامي يمتلك “سمات الحداثة”)، وهو ما يعني أنه ينبغي لذلك الفن ألا يتضمن شيئا آخر لا يتفق مع “سمات الحداثة” تلك!.

ولا نستغرق بوقفة تاريخية عند نشأة الحداثة في أوروبا بعد نشأة التنوير بزمن طويل نسبيا، وتقويض الفلسفات المتفرعة عنها والتي أوصلت لاحقا إلى فلسفات “الإلحاد”، لكثير مما أعطاه التنوير في حقبة زمنية تلت مباشرة ما عُرف بالفلسفة الإنسانية فاستفاد منها؛ إذ سينقلنا مثل ذلك الاستغراق إلى حديث آخر عن مدى ما أساء به التنويريون والحداثيون في الساحة العربية للتنوير والحداثة معا، فهما وعرضا وترويجا، فضلا عن محاولة انتزاعهما من موطنهما التاريخي والاجتماعي والجغرافي ومساعي تجذيرهما في سواه.

ولكن نقف عند مدلول تلك العبارة التي تريد تقييد الإنتاج الفني، من خلال مثال “الفن الدرامي” بقيود الحداثة، وهي بذلك لا تنسخ من تاريخ الفنون ما كان عبر ألوف السنين قبل ظهور الحداثة، وما ظهر من بعدها دون التقيد بسماتها، بل هي تناقض أيضا ما يقول به التنويريون والحداثيون الغربيون عن العطاء الفني تحديدا؛ إذ أرادوه -بزعمهم على الأقل- “حرا طليقا” من مختلف القيود، وتكشف العبارة المشار إليها عن أن المقصود في حدود ما نقل إلى مجتمعاتنا ليس “حرية مطلقة” بل هو “تحرير الفن.. إلا من قيود الحداثة” نفسها، ولا غرابة إذن أن يشكو فيلسوف ما بعد الحداثة فوكو من “القيود التي صنعتها فلسفة الأنوار”!.

إن القيمة الفنية المجردة عن المنطلقات العقائدية والأحكام المسبقة، لمسلسل باب الحارة بجزأيه الأول والثاني ولمسلسلات مشابهة له، هي تلك التي تلاقت عليها أقلام ناقدين معتبرين، يأبون استبدال قيود بقيود، ولا يغفلون عن أن القيود الباقية -إذا صح وصفها بالقيود بدلا من الضوابط التلقائية الذاتية- على أي عطاء تبقى متمثلة في القيود القيمية والمعرفية التي نشأ عليها الجمهور بتأثير موطنه هو، جغرافيا وثقافيا واجتماعيا وحضاريا، ولهذا يقبل على ما ينسجم معها، ويدبر عما لا ينسجم، هكذا عفويا وفق أذواق أفراده وتصوراتهم دون توجيه فوقي.

ولا يزعم هذا القلم لنفسه موهبة “النقد الفني” ليطرح بالتفصيل أمثلة نموذجية من باب الحارة، من ميدان لغة الحوار، وجماليات التزيين “الديكورية”، وتشابك الأحداث التفصيلية، وارتباط الأسري منها بالمجتمعي المشترك وبالوطني الأعلى في وجدان الجميع، أو من ميدان الألبسة، ومشاهد “حمام السوق” و”النزاع بين حارتين” وغير ذلك مما يكون بمجموعه القيمة الفنية للإنتاج، وقد تجد فيه أقلام النقد المتوازن النزيه ما يستحق الإشادة أو ما يستوجب لوما بقصد الدعوة إلى التحسين. ولكن يتحدث هذا القلم بلسان “المشاهد” من عامة الجمهور، فيرى المواصفات الفنية متحققة لأنها استأثرت بإعجابه، وإن لم يربط تفاصيلها بمدرسة فنية أو قوالب تخصصية.

ومن أخطاء التوجيه العقائدي للفنون في الحقبة الماضية ما اقترن بها من استهانة بالمشاهد، فإن أقبل على ما يعرض المبدعون المتوافقون مع ذلك التوجيه كان مشاهدا “واعيا حصيفا” وإن أدبر وأنكر كان “جاهلا متزمتا”، والأصل في كل فن -باستثناء الغرائزي المحض- هو أن إقبال الجمهور المستهلك عليه يحقق له النجاح فيفترض بالناقد الفني أن يبحث عن سر نجاحه تخصصا، وأن إدبار الجمهور المستهلك عنه يدمغه بالإخفاق، فيُفترض بالناقد الفني أن يبحث عن سر الإخفاق تخصصا، وما عدا ذلك يعني على أرض الواقع أن ينصب الناقد نفسه معلما للجمهور، وما هو بمعلم.

إن العامل الأهم والأكبر في الإقبال على مسلسلات من قبيل “باب الحارة” يكمن أولا في جودة الإنتاج نفسه، وثانيا في تحقيق عدة عناصر حاسمة في وقت واحد، بما يشمل اختيار الموضوع، ومصداقية المضمون، والاستجابة لأذواق النسبة الأكبر من الجمهور، فضلا عن الشروط الفنية إخراجا وحوارا وأداء وتصويرا، وهذا ما ينبغي للناقد الفني أن يعيه كيلا يفصل نفسه عن الجمهور، أو عن المجتمع الذي يعيش فيه.

للإبداع خصائصه

يبدو أن بعض الحداثيين في الساحة العربية -أو من ينسبون أنفسهم إلى الحداثة الغربية- يواجهون ورطة كبيرة، بعد أن “انقلب السحر على الساحر”، فكم كانوا يزعمون أن قيمة الإبداع تكمن في تحرره من جميع القيود، ولكنهم كانوا يرون تلك القيود فقط فيما يسود من اقتناعات دينية بالدرجة الأولى، أما أن يتحرر إبداع ما من هذا “القيد الحداثي” في تعريف الإبداع، فذاك تحرر مرفوض، والواقع أنه مرفوض عندهم ليس إلا، كما يُثبت الإقبال الجماهيري على إبداعات لا تتفق مع ما يرون.

إن الإبداع الفني وغير الفني ليس حكرا على اتجاه دون اتجاه، أي لا يمكن القول إن الإبداع لا يكون إبداعا إلا إذا كان حداثيا، أو إلا إذا كان إسلاميا، ولا يزعم “الحداثيون” الغربيون شبيه ذلك لأنفسهم، مثلما يزعمه بعض الناقلين عنهم، إنما ترتفع قيمة الإبداع وتهبط بقدر ما يحقق عطاؤه هدفَ رسالة يحملها أو لا يحقق، ومن هنا تتألق أعمال إبداعية عبر تلاقيها مع تطلعات جمهورها إلى مستقبل أفضل، أو تضمحل قيمتها وتتلاشى عندما تفترق عن الجمهور، مهما وجدت من التصفيق الحاد من جانب قلة من أصحاب اتجاه ما، يريدون فرض أنفسهم فرضا على أذواق الجمهور وأفكاره واقتناعاته.

لا يعني هذا ألا يطرح المبدعون جديدا، ولكن الفارق كبير بين جديد لم يعرفه الجمهور من قبل، ولكنه ينسجم مع تكوينه الثقافي والمعرفي والقيمي والحضاري، وآخر يجد الاستهجان بقدر ما يتناقض مع تكوينه ذاك.

إنما تضيع المقاييس كلية عندما تحصر إلى درجة الاختناق في إطار كلمة “جديد” وحدها، مهما انطوى هذا “الجديد” على هبوط بأذواق الجمهور إلى الحضيض، أو ازدراء بها مع محاولة “إعادة تشكيلها” قسرا، ناهيك عن اعتبار الإبداع متحققا لمجرد كسر المحظورات وإن كانت ذات فائدة وجدوى، وتدمير القيم وإن كان فيها الحماية للمجتمع نفسه، ونشر الشذوذ مهما حمل من أضرار وأخطار.

القيمة الفنية الإبداعية لمسلسل باب الحارة تكمن في أنه لا يدافع عن اتجاه محدد أو يروج له، إنما يعرض جانبا من الصورة الاجتماعية التي اختارها لنفسه دون تزييف، وهذا بالذات ما جعله يحقق قفزة نوعية في تاريخ الإنتاج الفني، لا التلفزيوني فقط، قليلا ما شهدنا مثلها منذ عشرات السنين.

وصانعو المسلسل تأليفا وحوارا وإنتاجا وإخراجا وتمثيلا لا يرتبطون باتجاه ديني قطعا، ويبدو أنهم لا يرتبطون باتجاه علماني أيضا، ولهذا جمع المسلسل صورا تتناقض مع الاتجاهين في وقت واحد، ولكنه -وهنا تكمن قيمته- عرض صورا من الواقع الاجتماعي الذي عرفته أحياء دمشق القديمة في تاريخها الحديث، ثم ترك الأمر للمشاهد أن يقبل ما يراه يستحق القبول ويرفض ما يراه جديرا بالرفض، وأن يؤيد ويعارض، ويستملح ويستهجن، وقد كان في تلك الصور الاجتماعية مثلا -كما سبقت الإشارة- ظلم فاضح للمرأة، وهو مرفوض، وكان فيها شهامة وحياء وتضامن، وهذا مقبول، وكان فيها ألوان من الغدر أو الرشوة أو العدوانية، وجميع ذلك مرفوض، وكان فيها روح الوطنية والتعالي على الخلافات الشخصية من أجل المصلحة العامة، وهو مقبول ومطلوب.. أو ذاك هو التقويم الذي نحسبه سائدا عند الكثرة الكاثرة من أهل مجتمعاتنا العربية والإسلامية.

ارفعوا القيود عن الإبداع

باب الحارة مثال على سواه مما يوصف بالمسلسلات الرمضانية التي استطاعت اختراق مفعول قيود سابقة على الإبداع، ولا نخوض هنا في الأسباب والظروف التي استدعت ذلك، سواء كانت اقتصادية محضة، أو كانت بتأثير التطورات الاجتماعية في المنطقة العربية، إنما ننظر في مضمونها ومفعولها لتأكيد ظاهرة بالغة الأهمية في البحث عن أرضية مشتركة للتحرك في مختلف الميادين، لا سيما الفكرية والأدبية والفنية التي تكون عادة الوعاء القيمي الضروري لنهوض حضاري.

وإن عدنا مثلا إلى مسلسل صلاح الدين، وجب علينا أن نقول لكثير من أصحاب النظرة الضيقة تحت عنوان إسلامي، بمعنى التي تضيق بكل إنتاج فني دون النظر في مضمونه ومفعوله لنقول إن هذا الضيق والتضييق لا يخدم التطلع إلى تغيير حقيقي تتفاعل فيه التصورات المتناقضة لتستقر في مرحلة لاحقة على أرضية مشتركة تسعها وتبني عليها مسيرة نهوض مشتركة. وقد كان مسلسل صلاح الدين نموذجا لعمل فني يجمع بين مصداقية العرض التاريخي وقوة الأداء الفني الرفيع في حقبة نحتاج فيها إلى أمثلة تاريخية نموذجية، تجدد الثقة بالقدرة على التغيير في الاتجاه الصحيح.

وإن عدنا مثلا إلى مسلسلات مرايا وحكاياتها، وجب علينا أن نقول لكثير من أصحاب النظرة الضيقة تحت عنوان علماني، بمعنى التي تضيق بكل إنتاج فني يتمرد ولو جزئيا وفكاهيا على قيودها، إن الأمراض الاجتماعية التي تعرقل النهوض والتي انتشرت مع محاولات نشر العلمانية من فوق في البلدان العربية والإسلامية، لا يمكن علاجها دون طرحها طرحا صادقا واعيا ناقدا، كما هو الحال مع ظاهرة الرشوة، والمحسوبية، والقمع باسم الأمن الداخلي، والاستبداد حتى على مستوى صغار موظفي الدولة، وجميع ذلك كان وليد الحقبة الحديثة من تاريخنا بالدرجة الأولى، فإن جرت معالجته، لا عرضه فقط، قطعنا خطوة حقيقية في اتجاه التغيير في الاتجاه الصحيح.

وإن عدنا مثلا إلى مسلسل باب الحارة، وجب علينا أن نقول لهؤلاء وهؤلاء إن في تاريخنا القريب، وفي مجتمعاتنا القائمة حاليا، صورا سلبية وإيجابية، لا غنى عن رؤيتها كما هي، دون تعميم رفضها ولا تعميم القبول بها، بل من خلال تقييم آثارها الفعلية في حياتنا الاجتماعية والثقافية، لنستخلص منها القيم الإيجابية التي يجب التمسك بها، والعادات السلبية التي يجب التخلص منها، ولنبحث معا عما يتوافق مع معطيات إيجابية قائمة في مجتمعاتنا، وإن خالف أهواء بعضنا، وعما يكشف عن معطيات قائمة في مجتمعاتنا أيضا، ولا ينبغي استمرارها وإن وافقت أهواء بعضنا، وبقدر ما نرفع من مستوى تقويمنا لحقيقة ما نحن عليه، نفتح أبواب التلاقي على أرضية مشتركة لما ينبغي أن نكون عليه.

إن الإنتاج الفني الرفيع الكامن وراء هذه المسلسلات وأمثالها يكشف عن حقيقة بسيطة، هي أن رفع القيود ولو جزئيا يفتح أبواب عطاء واسع النطاق من جانب القادرين من أصحاب المواهب والطاقات والإمكانات في بلادنا، فكيف إذا رفعت سائر القيود، سواء ما كان منها من منطلق سياسي معوج، أو من تصور فلسفي منحرف؛ فالقيود -سيان ما مصدرها وتسويغها- تعرقل ولا تحرك، وتهدم ولا تبني، وتجمد ولا تغير، وتؤخر ولا تطور.

ارفعوا القيود عن الإبداع والمبدعين، وليكن جمهور بلادنا هو المقياس، بحس أذواقه السليمة، وتكوينه المعرفي والثقافي والحضاري، وقدرته على الرفض والقبول، وعلى التفاعل مع الخبيث فيضمحل فلا يُخشى منه ومن آثاره، ومع ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ولا جدوى من محاولة صده وتقييده.

كاتب وباحث مقيم في ألمانيا.