محمد حامد

قاربت تركيا على الانتهاء من مشروع لمراجعة وتنقيح الأحاديث النبوية الشريفة وإعادة تفسيرها لجعلها “أكثر توافقا مع مستجدات القرن الحادي والعشرين” الميلادي، حسبما نقلت وسائل إعلام بريطانية اليوم الأربعاء عن مسئول تركي.وتوقعت المصادر نفسها أن يثير المشروع ضجة في الأوساط الإسلامية داخل وخارج تركيا وأن يغير بشكل جذري الطريقة التي تفسر بها تعاليم الإسلام، مشيرة في الوقت نفسه إلى أن حكومة رجب طيب أردوغان في تركيا تسعى من وراء هذا المشروع إلى “إبراز وجهها الإصلاحي”.

وذكرت صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية أن السلطات التركية توشك حاليا على الانتهاء من المشروع الذي وضعت بذرته قبل منذ 3 سنوات تحت اسم “المراجعة الجذرية لأحاديث وأقوال وأفعال النبي محمد” صلى الله عليه وسلم.

طالع أيضا:

ويهدف ذلك المشروع الذي كلفت به وزارة الشئون الدينية -السلطة الدينية الأعلى بتركيا- حوالي 80 عالما دينيا وأستاذا بجامعة أنقرة “للقيام بعملية مراجعة شاملة للأحاديث النبوية لحصر الأحاديث التي يتم استخدامها كمبرر لأمور منها معاملة النساء بصورة قمعية، من أجل تنقيتها ووضعها في صورة تتفق مع العصر الحديث”، بحسب الصحيفة.

التوافق مع القرن الـ21

ونسبت “فايننشال تايمز” إلى مسئولين أتراك قولهم: “هناك بالفعل عدد لا يستهان به من الأحاديث منسوبة إلى النبي محمد زورا، وحتى بعض الثابت صحتها عنه بحاجة إلى إعادة تفسير”.

وصرح محمد جورميز نائب مدير وزارة الشئون الدينية للصحيفة عبر الهاتف بأن “الهدف من إعادة التفسير هو جعل الأحاديث أكثر توافقًا مع مستجدات القرن الحادي والعشرين”، واستطرد “الهدف الرئيسي هو توصيل المعنى الصحيح لمن يعيشون الآن”.

من جانبها، رأت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) أن هناك جانبا “ثوريا” لهذا المشروع الذي “سيغير بشكل جذري الطريقة التي يتم بها تفسير تعاليم الإسلام”، باعتبار أنه يتعلق بالسعي لإعادة تفسير الأحاديث الصحيحة، وهي أهم مصدر لتفسير القرآن والقواعد الشرعية، بما يتوافق مع متطلبات العصر.

ونقلت “بي بي سي” عن جورميز مثالا توضيحيا ساقه لعملية إعادة التفسير فقال: “هناك أحاديث تمنع النساء من السفر أكثر من 3 أيام دون إذن أزواجهن.. إنها أحاديث صحيحة.. لكنه ليس منعا دينيا، بل أحكام جاءت بناء على حالة السفر في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، والذي كان محفوفا بالمخاطر على عكس اليوم.. إلا أن الناس توارثوا أحكامًا لم يكن مقصودا منها إلا حماية النساء في حقبة محددة”.

ويبرر المشرفون على المشروع لـ”بي بي سي” إقدامهم على مثل هذه الخطوة بنتائج “أبحاث أكاديمية جدية أظهرت غاية الرسول صلى الله عليه وسلم من ذلك المنع، فينقلون عنه ما معناه أنه أعرب عن أمله في “أن يأتي اليوم الذي يمكن لامرأة فيه السفر وحدها”.

لكن جورميز في حديث آخر مع صحيفة “ذا ديلي تليجراف” البريطانية قال: “إن حقوق المرأة والعنف –كما يدّعي أناس– ليست هي السبب في هذا المشروع.. إنه مشروع أكاديمي (لإعادة تفسير الأحاديث) والمرأة والعنف مجرد جزء كباقي الأجزاء”.

الوجه الإصلاحي لتركيا

وفي السياق ذاته، يقول فيلكس كرونر أحد مستشاري المشروع: “إن العديد من أحاديث النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) تم تلفيقها بعد وفاته بقرون لخدمة مصالح معينة.. للأسف، يمكنك تبرير أي شيء باستخدام حديث نبوي ملفق، بما في ذلك بتر أعضاء النساء التناسلية تحت مسمى أن ذلك ختانًا”.

والحقيقة من وجهة نظر كرونر هو أن “ثقافات متتالية، معظمها من المحافظين، استغلت الدين الإسلامي لدعم عدة أشكال من السيطرة داخل المجتمع”.

وتابع: “تسمع الكثيرين يقولون أمورا ويدافعون عنها بالقول إن ذلك ما أمر به النبي، لكن من الممكن تاريخيًا تفسير الظروف والحيثيات التي صنعت فيها أحاديث وأُقحمت في الدين افتراء”.

واعتبرت “فايننشال تايمز” أن هذا المشروع يأتي “في إطار حرص تركيا على إبراز وجهها الإصلاحي”. وتوقعت صحف بريطانية أن يثير الإعلان عنه جدلا واسعا في الأوساط الإسلامية داخل وخارج تركيا.

من جانبها، نقلت “ذا ديلي تليجراف” عن شخصيات تركية قولها: “إنه جزء من مخطط أمريكي لمحاربة عناصر الإسلام التي يعتبرونها متشددة”، لافتة النظر إلى أن أنقرة حليف قوي لواشنطن في “الحرب على الإرهاب”.

أما صحيفة “ذا جارديان” البريطانية فعلقت علي المشروع قائلة: “إن هذه الممارسة لإصلاح الفقه الإسلامي التي ترعاها حكومة رجب طيب أردوغان الإسلامية المعتدلة ينظر إليها باعتبارها حملة لكسر الثوابت وإقامة شكل لإسلام القرن الـ21 تنصهر فيه المعتقدات والتقاليد الإسلامية مع الأساليب والمبادئ الفلسفية الأوروبية والغربية”.

ورأت “أن هذه التجربة الطموحة يمكن أن تقلل التمييز ضد المرأة وتلغي بعض الحدود في الشريعة الإسلامية كالرجم وبتر أعضاء (الختان) وإعادة تعريف الإسلام كقوة معاصرة وديناميكية في هذا البلد الممتد بين الشرق والغرب”.

ووصف أحد الخبراء الأتراك في المركز الدولي للدراسات الإستراتيجية المشروع بأنه محاولة لجعل الإسلام السني التركي “متوائما تماما مع القيم الاجتماعية والأخلاقية المعاصرة”.

ونقلت عنه “ذا جارديان” أن هذه الخطوة بمثابة “عودة إلى الإسلام الأصيل بعيدا عن التحفظ الزائد الذي أحبط كل الإصلاحات في القرون القليلة الماضية، وأن ما يحدث قريب الشبه بالإصلاح المسيحي.. إن لم يكن نفسه”.

وقال أحد المعلقين الأتراك الذين كتبوا في الشأن الديني في تركيا المعاصرة: “إن المشروع عكس حقيقة أن الناس الذين يتكلمون نيابة عن الإسلام في تركيا يجب أن يضعوا في حسبانهم الأفكار المعاصرة للمساواة في المجتمع”.

وأعطت “فايننشال تايمز” بعدا آخر للمشروع حيث رأت أن جانبا كبيرا منه قام لخدمة هدف حكومة أردوغان الأساسي المتمثل في “انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي”، ورأت أن هذه الحكومة ذات الجذور الإسلامية “فعلت أكثر من أسلافها العلمانيين للقضاء على جرائم الشرف في الريف التركي وضمان المساواة في التعليم بين الجنسين”.

“إسلام جديد”

وفي معرض تعليقه على المشروع رأى فادي حكورة الخبير البريطاني من مؤسسة تشاتام هاوس البحثية بلندن أن ما تقوم به تركيا الآن هو “تحويل الإسلام من دين يجب طاعة تعاليمه إلى دين يلبي متطلبات الناس في ظل ديمقراطية علمانية”، بحسب هيئة الإذاعة البريطانية التي أشارت إلى أن “كلية الشريعة في أنقرة تقوم بهذا التجديد مستخدمة تقنيات النقد والفلسفة الغربية في التعامل مع الحديث”.

ورفض حكورة تشبيه المشروع التركي بمشروع إصلاح الكنيسة الأوروبية قائلا: “ليس نفس الشيء بالطبع.. إذا دققنا النظر فيما تقوم به تركيا، فهو عبارة عن تغيير في جذور الدين.. تركيا كانت دائما تحاول تصميم حياة سياسية تتماشى مع الإسلام، لكنها الآن تريد تصميم إسلام جديد”.

من جانبه يعقب د. محمد عبد اللطيف البنا مدير تحرير النطاق الشرعي بشبكة إسلام اون لاين علي المشروع التركي بقوله: “إن أي تجديد في شرع الله تعالى إن كان يعني إبرازه للناس، وبيان مقاصده، وتفعيله ليأخذ دوره في الحياة فإننا نرحب به”.

غير أنه استدرك مضيفا: “أما إن كان يعني التبديد، والخروج عن القواعد الأساسية في التشريع الإسلامي، أو الخروج عن القواعد الدقيقة للحكم على الحديث فلن يسلم أحد بما جاءوا به”.

الضوابط الشرعية

وأوضح البنا قائلا: “نريد بحق تفعيلا للتراث الإسلامي، وتنقية له وبيانا للصحيح من الباطل، من خلال متخصصين غيورين على شرع الله تعالى وفي نفس الوقت يدركون الواقع جيدا بما فيه.. أما التجديد بمعنى الحكم على الصحيح بالعلة، والفساد فلا يصح لأنه سيكون مناقضا للمنطق العلمي”.

وعن القول بتكييف الأحاديث لتتوافق مع الواقع قال: “أما إعادة تفسير الأحاديث الصحيحة واختيار ما يصلح للفتوى فلا بأس بذلك مادام متفقا مع المنطق العلمي والضابط الشرعي”.

ويأتي الكشف عن هذا المشروع في الوقت الذي يستعر فيه الجدل في تركيا مؤخرا بعد إقرار رفع الحظر عن الحجاب في جامعاتها بعد فترة حظر دامت لحوالي 28 عاما، وهو ما أحدث غضبا في الأوساط التركية العلمانية.

ويمثل المسلمون نسبة أكثر من 99% من جملة سكان تركيا البالغ عددهم حوالي 71 مليون نسمة.