مصطفى عاشور

Image

الإنترنت أصبح وسيلة اتصال مهمة في العالم اليوم، والتساؤل المطروح مع تنامي هذه الظاهرة عالميا: هل من الممكن أن تصبح الإنترنت منبرا جديدا للأفراد والجماعات غير الحكومية للتعبير عن نفسها وآرائها؟ وهل من الممكن أن تسهم الإنترنت في تحويل ودفع المجتمع العربي لأن يكون مجتمعا أكثر ليبرالية؟ وما هي العلاقة بين التطور الديمقراطي في العالم العربي وبين تنامي مستخدمي الإنترنت؟…

تلك هي الأسئلة الكبرى التي يطرحها كتاب “الإنترنت في مصر والعالم العربي” الصادر 2005 للدكتورة “رشا عبد الله” الأكاديمية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، والكتاب في الأصل مأخوذ عن رسالتها للدكتوراة حول هذا الموضوع.

الإنترنت والتواصل والسياسة في العالم العربي

والحقيقة التي طرحها الكتاب فيما يتعلق بالإنترنت والعالم العربي هي أنه رغم اختلاف الأيديولوجيات السياسية والثقافية في العالم العربي فإن العرب يقفون مع شبكة الإنترنت للمرة الأولى بلا حدود حقيقية تفصلهم أو حواجز تعترض تواصلهم أو تعوق عملية انتقال المعرفة بينهم؛ إذ أتاحت الإنترنت للعرب إمكانية الخوض في مناقشات ومناظرات حول الدين والمرأة والحكم بجرأة وحرية كبيرة، ويمكننا القول إن الإنترنت أصبحت منبرًا حرًّا في العالم العربي بعدما أرست مجموعة من القواعد الضمنية للتواصل بين الأفراد والجماعات والقوميات المختلفة، وأتاحت إمكانية الانفتاح على المجتمع العالمي على اعتبار أن أي تكنولوجيا تعمل تدريجيا على خلق بيئة إنسانية جديدة.

يرى البعض أن الإنترنت ستؤثر على السياسة في العالم العربي، وستجبر القادة العرب على السماح بحريات أكثر، كذلك ستؤثر الإنترنت في الرأي العام وصنع القرار السياسي العربي، حيث إن استخدام الإنترنت سيؤدي إلى إيجاد نظام سياسي يتسم باللامركزية والانفتاح الديمقراطي، ومن الممكن أن تشجع الإنترنت الحكومات العربية على تبني القطاع الخاص.

ولكن انعكاسات الإنترنت على الثقافة العربية سوف تعتمد على الطريقة التي يقررها العرب في استخدام الإنترنت، وهناك توقعات أن تؤدي الإنترنت إلى المساعدة في تحريك المجتمع المدني العربي وإلى خلق جو يتسم بالحرية والديمقراطية ، كما أن الإنترنت لديها القدرة على عبور الفجوة الثقافية بين العرب والغرب رغم مخاوف بعض العرب من تأثير ذلك على هويتهم القومية وثقافتهم.

ويذهب البعض إلى أنه بالرغم من أن عدد مستخدمي الإنترنت في العالم العربي كان يُقدر بحوالي 1% على أكثر تقدير من مستخدمي العالم الذين يقدرون بحوالي 800 مليون شخص، وهو ما يشكل حوالي 3% إجمالي الشعوب العربية، فإن هناك إحصاءات عالمية عن المنتدى الاقتصادي العالمي تشير إلى أن الدول النامية تتجه بخطى سريعة وواسعة لتقليص الفجوة الرقمية، وذكر التقرير أن عدد مستخدمي الإنترنت ارتفع في مصر إلى أربعة ملايين شخص في يناير 2005 بعد أن كان حوالي 100 ألف شخص عند بداية الإنترنت في مصر في أكتوبر 1993.

لماذا يتجنب العرب الإنترنت؟

يلاحظ وجود تباين كبير بين الدول العربية في الترحيب بحرية انتشار المعلومات التي توفرها الإنترنت، وعرضت “رشا عبد الله” لبيانات وإحصاءات مهمة عن الإنترنت في مصر والعالم العربي، وخلصت من الدراسة العلمية التطبيقية (التي أعدتها عن استخدامات الطلاب العرب للإنترنت وتطبيقاته المختلفة والعلاقة بين التعرض للإنترنت وبين الإحساس بأهميتها ومدى الإشباع والقناعة التي تحققها الإنترنت للمستخدم) إلى نظرة مستقبلية للإنترنت في العالم العربييمكن تلخيصها في الآتي:

– أن الحكومات العربية تتعامل مع الإنترنت بحساسية وحذر شديدين على اعتبار أن الإنترنت قادرة على إحداث قدر من التحول في مسألة الحريات والديمقراطية للشعوب العربية.

 – أن الإنترنت خلقت مساحة كبيرة للتفاعل الاجتماعي في العالم العربي، وهو ما يشكل مساحة جديدة في الواقع الاجتماعي قد تفعل أساسيات قبول الآخر، وإيجاد التفاهم بين الشعوب وإنشاء مجتمع مدني أكثر قوة وحيوية، وأشارت دراسة ميدانية إلى أن مستخدمي الإنترنت من الطلاب العرب لا ينظرون إلى الإنترنت على أنها تمثل تهديدًا للأعراف والتقاليد الثقافية العربية، بل يرونها عاملا مساعدا في فهم الثقافات الأخرى، وفرصة لعرض الثقافة العربية على الشعوب الأخرى.

وكان ختام الكتاب تساؤلا كبيرا، هو: لماذا يتجنب العرب الإنترنت؟ وهل هذا التجنب راجع لأسباب الأمية والتكلفة وعائق اللغة والأمية الكمبيوترية؟ أم أن السبب في ذلك يرجع إلى أن العرب يعتبرون الإنترنت صراعًا بين الأعراف الثقافية والتقاليد؟ أم أن هذا الإحجام يرجع إلى العاملين معا؟.

والواقع أن الإجابة على هذا التساؤل الكبير تحتاج إلى دراسة اقتصادية واجتماعية وثقافية وتشريح للفئات التي لم تتعرف على الإنترنت بعد لتحديد موقفها من هذا الوسيط الإعلامي الجديد الذي بدأ في غزو العالم وهو يتوسع كل دقيقة جاذبًا ملايين البشر إلى ساحته بطريقة أو بأخرى.


من أسرة إسلام أون لاين