يقول الباحث الأستاذ خباب بن مروان آل حمد، فلسطيني مقيم بالسعودية:

 

أخي الحبيب: عبد الرزَّاق (حفظه الله وبارك فيه)

 

لا أكتمك سرِّاً بأنَّني كنت أغالب دمعاتي فرحاً بتوبتك، وابتهاجاً لما أراه من خلال رسالتك من صدق في التوبة، وندم على ما فات من أيام الجاهلية والمعاصي- أحسبك كذلك والله حسيبك ولا أزكي على الله أحداً-.

 

وحقاً عزيزي عبد الرزَّاق: ما أحلى التوبة، وما أحلى نسائم الإيمان التي تهبُّ على العبد التائب، من انشراح بالصدر، وابتهاج بحلاوة الإيمان، ورقَّة في القلب والفؤاد!

 

ولي معك – أخي الحبيب- عدَّة وقفات، علَّ الله أن ينفعك بها، ويجعلها سبباً في تسلية ما بنفسك من هموم ووساوس:

 

أولاً: إنَّ من طبع الإنسان الخطأ والمعاصي، ومن الذي سلم من الذنوب والمعاصي، ولم يقترف ما حرَّم الله؟ ورسول الهدى حَسَمَ ذلك بقوله- صلَّى الله عليه وسلَّم- : (كلُّ بني آدم خطَّاء وخير الخطَّائين التوَّابون) أخرجه أحمد والترمذي، وانظره في صحيح الجامع: (4391).

 

ثانياً: إنَّ المؤمن السَّوي إذا عصى ربَّه، واقترف ما حرَّمه ونهى عنه، فإنَّه يجب عليه التوبةإلى الله من هذه الذنوب والمعاصي، كيف والله – سبحانه- يقول: (وتوبوا إلى الله جميعاً أيُّها المؤمنون لعلَّكم تفلحون)، فهو – سبحانه- يقبل من عباده توبتهم، كما قال: (وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفوا عن السيئات) [الشورى- 25].

 

كما أنَّه يحبُّ من عباده أن يستغفروه ويتوبوا إليه، بل يدعوهم إلى المسارعة بالتوبة فيقول:( يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إنَّ الله يغفر الذنوب جميعاً) كما أنَّه يفرح فرحاً يليق بجلاله- عزَّ وجلَّ- إذا تاب عبده المقصِّر في حقوقه.

 

وقد أخبرنا – صلَّى الله عليه وسلَّم- قائلاً :(لله أشدُّ فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه، وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلِّها، وقد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثمَّ قال من شدَّة الفرح: اللهم أنت عبدي، وأنا ربك. أخطأ من شدَّة الفرح) أخرجه مسلم (2747). وعليه فإنَّ توبتك إلى الله من أحبِّ القُرَبِ والعبادات إلى الله، فأبشر أخي بقبول التوبة من ربٍّ كريم برٍّ رحيم.

 

ثالثاً: إنَّ الله لا يجازي عبده المؤمن إذا تاب إلاَّ بالحسنى والغفران، بل يكفِّر الله سيئات من عصاه إلى حسنات، وهذا فضل من الله وإنعام منه على عباده، وتشجيعاً لهم في طرق أبواب التوبة والانطراح بين يدي الله- تعالى- وسؤاله المغفرة والعفو والرضوان، ومن كرمه – تعالى- على عباده أن يبدِّل سيئاتهم إلى حسنات، ولهذا يقول- سبحانه وتعالى-: (إنَّ الحسنات يذهبن السيئات) [هود – 114]، ويقول :(إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفِّر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريماً) [النساء- 31].

 

رابعاً: إنَّ هذه الآيات- يا عزيزي- بشائر مفرحات، تجعل النفس العاصية لربِّها تتفاءل بما عند الله من غفران، وتمضي قدماً إلى العمل الصالح والمزيد من البر والعمل الصالح. لهذا فإنَّه- تعالى- يقول: (لا تقنطوا من رحمة الله)، وذلك لأنَّ المسلم قد يأتي بالذنوب الكثيرة، ثمَّ إذا همَّ بالتوبة قالت له نفسه الأمَّارة بالسوء: كيف يغفر لك ربك هذه المعاصي والفواحش التي اقترفتها وأنت الذي فعلت كيت وكيت، فيستحيل أن يغفر لك ربك هذه المعاصي!.

 

ولكن لسعة رحمة الله– تعالى- فإنَّه يقول: (لا تقنطوا من رحمة الله)، وهذا خطاب للمذنبين والمقصِّرين في حقوق ربِّهم أن لا يقنطوا من رحمته، ولا ييأسوا من غفرانه وعفوه، فإنَّ لله الرحمة المطلقة، فليعمل الصالحات وليبشر بفضل الله فقد قال- تعالى- :(وإنِّي لغفَّار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثمَّ اهتدى) [طه-82].

 

خامساً: بعد هذا الإيضاح أنصحك ألاَّ تلتفت إلى الوساوس التي توسوس لك بأنَّك على باب الموت، وأنَّ شبح الموت يطاردك، ويجعلك كئيباً ومهموماً وحزيناً… نعم أخي الموت حق، وكلٌّ يخاف منه ولا يحبُّه، وكلٌّ منَّا سيلج مدخله، كما قيل:

الموت باب وكلُّ الناس داخله *** يا ليت شعري! بعد ذاك ما الدار؟

 

والرسول- عليه الصلاة والسلام- أوصانا بكثرة تذكره فقال:(أكثروا ذكر هادم اللذات) أخرجه الترمذي وحسَّنه، ولكنَّ الإكثار من ذكر الموت يجعلنا نزيد سرعة في اللجوء إلى الله، والعمل لمرضاته، والتقرب إليه بسائر أنواع العبادات.

 

فلا تكن أيَّها الحبيب وساوس الموت قاطعة لك عن العمل الصالح، ومشغلة لك عن الطاعات، وتبقى تدور في دائرتها، إلى أن تكون مريضاً بالوساوس والهموم، ومن ثمَّ تنتقل من المعاصي إلى العجز والكسل والتفكير السلبي الذي لا يفيد شيئاً، بل يودُّ الشيطان لو ظفر من المسلم بذلك، والرسول عليه السلام يقول: (احرص على ما ينفعك ولا تعجز) أخرجه مسلم، ويقول (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف) أخرجه مسلم.

 

إذاً اجعل توبتك هذه محفِّزة لك في المضي في درب الهداية، والابتعاد عن طريق الغواية، واعلم أنَّ الموت طريق الكل في هذه الدنيا، ولكنَّ المسلم يستغلُّ لحظات الحياة بكلِّ ما يرضي ربَّه ويسارع إلى مرضاته، وإن لقي ربَّه فمات فيا سعادته بلقاء ربِّه!

 

وأخيراً؛ أحب أن أوصيك وأذكرك ونفسي بهذه النصائح:

 

أولاً: أكثر من الدعاءبأن يشرح الله صدرك، ويرزقك حلاوة الإيمان، وأن يثبتك على دينه، ويكون لسان حالك بين يدي ربِّك:

التائبون إلى رحابك أقبلوا *** عافوا بحبِّك نومهم فتهجَّدوا

أبواب كل مملِّك قد أوصدت *** ورأيت بابك واسعاً لا يوصد

 

ثانياً: اعقد صداقاتك مع أهل الخير والصلاح، وارتبط معهم وأشعرهم بحبك لهم، فإنَّ المرء يحشر مع من أحب كما أخبر بذلك الصادق المصدوق- صلى الله عليه وسلم- ورحم الله مالك بن دينار حين قال:( إنَّك إن تنقل الحجارة مع الأبرار خير من أن تأكل الحلوى مع الفجَّار)، وأصحاب السوء أيَّاً كانوا فإنَّه لا يجنى منهم إلاَّ العلقم المر، ويكفي أنَّهم لا يودُّون لك الاستمرار في التوبة، بل يحاولون صرفك عنها بشتَّى الأساليب، لهذا يقول الحق- جلَّ جلاله- :(والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً ) [النساء-27].

 

فسر في طريق الله مستمسك العرى *** فطوبى لمن لله عاش وأخلصا

وإيَّاك أن ترضى بصحبة فاجر *** تقمَّصه إبليس فيمن تقمَّصا

تراه غريقاً في الضلال كأنَّما *** تخرج تلميذاً له وتخصَّصا

ومن سار في درب الردى غاله الردى *** ومن سار في درب الخلاص تخلَّصا

 

ثالثاً: تفاءل في حياتك، واعقد العزم على المضي في العمل الصالح من : الصلاة، والصدقة، والصوم، وخدمة الناس، وكفالة الأيتام، والمشاركة في المشروعات الإسلامية الدعوية والإغاثية والخيرية، وتأمَّل في حال الصحابة فإنَّهم كانوا كفَّاراً فحين هداهم الله، لم يبقوا يتذكَّروا ما كانوا عليه من الكفر والفسوق والمعاصي، بل أقدموا على العمل لهذا الدين بكلِّيَّتهم و نصروا الله فرضي الله عنهم وأرضاهم.

 

رابعاً: اجعل لك عملَ سرٍّ لا يعلم به أحد إلاَّ الله، وستشعر بعد ذلك كم هي حلاوة الإيمان التي ستخالط قلبك، وتجد بشاشتها في صدرك.

 

خامساً: أحسن الظنَّ بربِّك، وابق على خشيتك له مع رجاء رحمته، والله- تعالى- يقول: (ولمن خاف مقام ربه جنتان) ويقول- صلَّى الله عليه وسلَّم- 🙁 لا يموتنَّ أحدكم إلاَّ وهو يحسن الظنَّ بالله) أخرجه مسلم.

 

سادساً : استمرَّ في توبتك وجدد العهد مع ربِّك كلَّ حين وسيفتح الله عليك بالخير والمتاع الحسن، وهذه بشرى أزفُّها إليك من كتاب الله حيث يقول- سبحانه- : (وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتِّعكم متاعاً حسناً إلى أجل مسمَّى ويؤت كلَّ ذي فضل فضله وإن تولَّوا فإنِّي أخاف عليكم عذاب يوم كبير) [هود-3]. يقول الشيخ الشنقيطي- رحمه الله- :(والظاهر أنَّ المراد بالمتاع الحسن سعة الرزق، ورغد العيش، والعافية في الدنيا) أضواء البيان(2/170).

 

سابعاً: أكثر من تلاوة القرآن، فستجد اطمئناناً ويقيناً وسعادة، ويكفيك أنَّه كلام الرحمن، وكفى بربك هادياً ونصيراً.

 

وأخيراً أنصحك بمطالعة هذه الكتب:-

 

1ـ منزلة التوبة من كتاب مدارج السالكين في منازل إياك نعبد وإياك نستعين للإمام ابن القيم.

 

2ـ برنامج فعلي في التوبة إلى الله للدكتورة نوال العيد.

 

3ـ الوسائل المفيدة في الحياة السعيدة للشيخ عبد الرحمن السعدي.

 

4ـ برنامج تائب للكاتب مالك سيف سعيد.

 

سائلاً المولى أن يحفظك ويرعاك ويسدد على درب الهدى والخير خطاك، ويبارك في مسعاك، ويرزقك الحياة السعيدة، ويختم لنا و لك بالحسنى، إنَّه أعظم مأمول، والسلام.

 

طالع أيضاً:

عصيته صحيحاً فهل يقبلني مريضاً؟

نار الذنوب تحرق قلبي.. أطفئها بالتوبة

وساوس الإيمان الشائكة ( ملف )