بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
فقد اختلف الفقهاء في حكم التداوي بين القول بسنيته، والقول بأن تركه والتوكل على الله أفضل، والصحيح الوارد عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم- أنه مشروع ومندوب، بل قد يصل إلى الوجوب لو تعين لرفع داء بعينه حتى لا يلقي المسلم بنفسه إلى التهلكة.
يقول الدكتور محمد سليمان الأشقر أستاذ الشريعة بجامعة الكويت:
اختلف العلماء في حكم التداوي لمن به مرض: فذهب الشافعية إلى أنه سنة، واحتجوا بالحديث ” ما أنزل الله داء إلا أنزل له دواء ” وقالوا: قد فعله النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ. قالوا: ولا نقول بوجوبه، لأنه لا يقطع بنفعه ، أي بخلاف الطعام والشراب لمن هو في مخمصة وخشي الهلاك ، فإنه يجب عليه تناوله لأنه مقطوع بنفعه، وقد داوى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ جرحه يوم أحد.

غير أن بعض الفقهاء، منهم النووي في شرح المهذب ، ادعوا أن ترك التداوي توكلا أفضل. وقال بعضهم: التداوي لضعيف التوكل ، وترك التداوي لقوي التوكل أفضل.

وهذا لا يستقيم مع ما علم قطعا أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ تداوى مرات كثيرة، وأنه كانت وفود العرب ترد عليه، وتنعت له الأدوية ، فتصنعها له عائشة ، وهو أقوى المتوكلين بلا شك. و لا منافاة أصلا بين الأخذ بالأسباب وبين التوكل. ولم يرد في القرآن فيما نعلم ما يفيد المنافاة المذكورة. وورد في السنة في باب الطب حديثان ظاهرهما يفيد ذلك:
أولهما: حديث عمران بن حصين عند أحمد والبخاري ومسلم، وفيه أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذكر سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ، ثم قال : ” هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون “. فهذا ظاهره أنهم تركوا التداوي بالكي توكلا على الله. ولكن يحتمل أن صفة التوكل في الحديث ليست متعلقة بالأمور الثلاثة، وهي ترك الاسترقاء والتطير والاكتواء، بل هي أمر رابع مستقل مضاف إلى الثلاثة، فلا تنافي أصلا .

ويحتمل- وهو الأوجه – أنه لما كان الكي منهيا عنه ، لما فيه من التعذيب بالنار، فقد أمرنا بتركه والبحث عما سواه من أنواع المداواة، مع التوكل على الله في أن ييسر دواء آخر. قال ابن قتيبة: الكي نوعان: كي الصحيح لئلا يعتل، فهذا الذي قيل فيه ” لم يتوكل من اكتوى ” والثاني كي الجرح إذا نغل أي فسد، والعضو إذا قطع، فهو الذي يشرع التداوي له.
فإن كان الكي لأمر محتمل فهو خلاف الأولى ، لما فيه من التعذيب بالنار لأمر غير محقق .

وثانيهما: حديث في الكي أيضا، وهو ما رواه المغيرة أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: ” من استرقى أو اكتوى برىء من التوكل ” رواه أحمد والترمذي. والقول فيه شبيه بما تقدم. ونقل ابن حجر في موضع آخر، بعض كلام من أوغل في هذا الباب، وادعى أن خواص الأولياء الذين اشتد توكلهم لا يضرهم ترك الأسباب. وأن من فوض وأخلص في ذلك كان أرفع مقاما، أي ممن باشرها، وأن الذي يستحق اسم التوكل هو من لم يخالط قلبه شيء، حتى من العدو، ومن لم يسع في طلب رزق، ولا مداواة ألم. وعندي أن هذا من أعظم الانتكاسات التي طرأت على العقلية الإسلامية بتأثير ثقافات الشعوب التي دخلت في الإسلام، والتي أدت إلى التواكل، والانصراف عن الأخذ بأسباب الصحة والقوة والتقدم والنصر، اعتمادا على وضع فكرة التوكل في غير موضعها. وأصبح ذلك في الأمة الإسلامية مرضا مزمنا عز علاجه، وأيس منه الأطباء، إلا من شاء الله له أن يستمسك بالكتاب والسنة الصحيحة، عالما أن الحق كل الحق فيما ورد فيهما بعد أن يفهما حق الفهم، والله المستعان.
وقد سأل رجل الإمام أحمد قائلا :إنه يريد أن يخرج من العراق إلى مكة للحج بلا زاد، توكلا على الله. فقال الإمام أحمد للسائل : أخرج مع غير القافلة. قال: لا أستطيع. فقال: إنك لم تتوكل على الله ، ولكن توكلت على أزواد الناس.

ولذا قال ابن حجر رحمه الله: ” الحق أن من وثق بالله، وأيقن أن قضاءه عليه ماض، لم يقدح في توكله تعاطي الأسباب اتباعا لسنته وسنة رسوله، فقد ظاهر ـ صلى الله عليه وسلم ـ بين درعين، ولبس على رأسه المغفر ، وأقعد الرماة على فم الشعب ، وخندق حول المدينة ، وأذن في الهجرة إلى الحبشة وإلى المدينة، وهاجر هو، وتعاطى أسباب الأكل والشرب ، وأدخر لأهله قوت سنتهم، ولم ينتظر أن ينزل عليه من السماء، وهو كان أحق الخلق أن يحصل له ذلك. وقال للذي سأله: ” أعقل ناقتي أو أدعها ؟ ” قال ” اعقلها وتوكل ” فأشار إلى أن الاحتراز لا يدفع التوكل .انتهى كلام ابن حجر.

وأنا ألتمس من كل من يذهب هذا المذهب المردود المرفوض، أن يدلني ولو على واقعة واحدة ترك فيها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الأخذ بسبب معتاد، وهو يقدر عليه، في أمر يحتاج إليه، فترك الأخذ بالسبب توكل! على الله. بل كان ـ صلى الله عليه وسلم ـ يأخذ بالأسباب التي يقدر عليها ويتوكل على الله .

وقد قال ابن القيم في ذلك كلمة عظيمة لمن يعقلون شرع الله، قال: “التداوي لا ينافي التوكل، كما لا ينافيه دفع داء الجوع والعطش والحر والبرد بأضدادها ، بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيات لمسبباتها قدرا وشرعا ، وأن تعطيلها يقدح في نفس التوكل، كما يقدح في الأمر والحكمة ويضعفه، من حيث يظن معطلها أن تركها أقوى في التوكل، الذي حقيقته: اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه، ودفع ما يضره فيهما، ولابد مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب، فلا يجعل العبد عجزه توكلا، ولا توكله عجزا ” .
ومنها حديث أبي رمثة أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال لطبيب ” الله الطبيب، بل أنت رفيق، طبيبها الذي خلقها ” رواه أبو داود. هذا الحديث إقرار للعمل بالطب. وفيه التنبيه إلى قوى البرء المركبة في البدن الإنساني في أصل خلقته، وأن مهمة الطبيب الرفق بالمريض لإتاحة الفرصة لهذه القوى كي تعمل عملها. وشبيه بهذا قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في رقية المريض، كما في صحيح البخاري، عن عائشة ” اللهم اشف، وأنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك ” فبين أن حقيقة الشفاء هي بيد الله تعالى وحده.
والله أعلم

 

 

 

 

أ.د / محمد سليمان الأشقر