شرع الغربيون في الاعتناء بالإسلام وعلومه منذ أواخر عصر النهضة حين ظهرت الترجمات الأولى للقرآن الكريم وبعض دراسات في اللغة العربية، وقد أحرزت هذه الدراسات تقدما كبيرا في القرن التاسع عشر مع تأسيس أول كلية للدراسات الشرقية في باريس عام 1795- قبيل ثلاث سنوات من توجه فرنسا لغزو مصر-، وتلتها كليات أخرى في روسيا وألمانيا وانكلترا، وبدءا من عام 1873 أخذت تعقد مؤتمرات دولية للمستشرقين كان لها أبلغ الأثر في توجيه الدراسات الاستشراقية لكنها توقفت في الذكرى السنوية المئوية الأولى لتأسيسها تحت تأثير السمعة السيئة التي باتت تلاحق الاستشراق ودفعت الدارسين الغربيين للتخلي عن  التسمية.

وقد عني المستشرقون بدراسة الفقه الإسلامي في وقت مبكر وهم ينطلقون في دراستهم من ذات الطريقة التي تنتهج في دراسة القانون الروماني أي باعتباره نظاماً قانونياً عريقاً لكنه لم يعد اليوم بالقوة والحيوية نفسها ولم يعد صالحا للتطبيق، ويمضي هؤلاء في نفي أي أصالة للفقه الإسلامي زاعمين أنه مستوحى من القانون الروماني[1]، وهي الفكرة التي ظهرت منذ منتصف القرن التاسع عشر لكنها تبلورت على يد المستشرق الألماني جوزيف شاخت (1902-1969م) الذي يعد أهم الدارسين الغربيين للفقه الإسلامي.

السيرة الذاتية

ولد شاخت في مدينة راتيبور الألمانية لأب يعمل مدرسا للصم والبكم، وخلال دراسته الجامعية درس اللاهوت واللغات السامية في جامعتي برسلاو وليبيستك، وقد بدأ نبوغه مبكرا فحصل عام 1922 على جائزة أفضل بحث جامعي عن العهد القديم، وفي العام التالي نال درجة الدكتوراه في الفقه الإسلامي عن كتاب الإمام الخصاف في الحيل، وتعين أستاذا بجامعة فرايبورغ ولم يزل في الخامسة والعشرين من عمره فكان أصغر أستاذ بالجامعات الألمانية، ويعترف شاخت بأنه تتلمذ وتأثر معرفيا بكل من برجستراسر الذي حثه على دراسة الفقه الإسلامي والهولندي سنوك هورخرنيه وأنه يدين لهما بالفضل والعرفان[2]، وهو ما يعني أنه لم يتأثر بالمستشرق غولدتسيهر كما يٌظن.

وكان شاخت تواقا لزيارة البلاد الإسلامية حتى يضيف لأفكاره النظرية رافدا واقعيا فقصد تركيا ومصر وسوريا حيث درس واقع السكان المسلمين وعلاقتهم بالشريعة، وسنحت له فرصة الإقامة بالشرق حين عُينً محاضرا بالجامعة المصرية عام 1934 ثم جامعة الجزائر، وفي عام 1950 زار نيجيريا وهي أكبر المستعمرات البريطانية في غرب إفريقيا برعاية من مكتب المستعمرات البريطاني[3] واختتم حياته الأكاديمية بالتدريس في جامعة ليدن ثم جامعة كولومبيا.

وآثار شاخت وبحوثه كثيرة ومتنوعة، وتتوزع مؤلفاته الفقهية على اتجاهين: الأول دراسة المخارج والحيل الفقهية فقد نشر كتاب “الحيل والمخارج” للخصاف، و”الحيل في الفقه” للقزويني، و”المخارج في الحيل” لمحمد بن الحسن الشيباني، والثاني دراسة نشأة الفقه الإسلامي وتطوره واختلاف المدارس الفقهية ومن مؤلفاته في ذلك “بداية الفقه الإسلامي” وسلسلة محاضراته المعنونة “في تاريخ الفقه الإسلامي” وقد وصف هاملتون جب هذه المؤلفات بأنها ستصبح أساسا دراسة الإسلام في الغرب، وهي النبوءة التي شهدنا تحققها في الجيل التالي من المستشرقين.

آراؤه حول الفقه والشريعة

استطاع شاخت من خلال دراسته للفقه والشريعة أن يكون بعض الآراء حولهما، ويمكن تلخيصها في النقاط التالية:

أولا: تاريخية الفقه الإسلامي: يعتقد شاخت أن الفقه الإسلامي في مجمله هو نتيجة عملية تطور تاريخي، وأنه لا يمت بصلة لأي مصدر إلهي نافيا ما يؤكده الفقهاء من أن علوم الشريعة بأسرها تأسست على مصادر خمسة هي: القرآن والسنة والإجماع والقياس والاستحسان، وفي المقابل يدعي شاخت أن هنالك مصادر أخرى تشكل منها الفقه الإسلامي وهي على التوالي: أعراف البدو وتقاليدهم التي سادت الجزيرة العربية قبيل ظهور الإسلام وهي ما يطلق عليه اسم “السنة” أما سنة النبي صلوات الله تعالى عليه فهي حسب زعمه “اختراع متأخر” Late invention، وقوانين البلدان المتحضرة التي فتحها العرب وهي: العراق وفارس والشام والتي كانت على درجة من التطور القانوني، وتأتي المذاهب الفقهية في المرتبة الثالثة وقد عمدت إلى إعادة صياغة القوانين المحلية بعد عزوها إلى الآيات القرآنية[4].

ثانيا: تأثر الفقه الإسلامي القانون الروماني: وهو ادعاء قديم تأثر به شاخت لكنه افترض أن التأثير قد تم في مرحلة ما قبل تشكل المذاهب الفقهية وليس بعدها -كما اعتقد غولدتسيهر- وتم ذلك على يد بعض المهتدين للإسلام من البلاد المفتوحة، ويدلل على ذلك بعدم تشكل الفقه خلال هذه الحقبة المبكرة، وأن المسلمين لم يتجهوا إلى حل المشكلات القانونية إلا بحلول القرن الثاني مع تشكل المذاهب وهذا الفراغ القانوني الذي شهده القرن الأول استطاع القانون البيزنطي ملؤه، لكن هذا الادعاء ينفيه عدم وجود أي كتابات قانونية بيزنطية بين يدي الفقهاء، وأن كثيرا من القوانين البيزنطية في البلاد المفتوحة لم تجد لها مكانا في النظام القانوني الإسلامي.

ثالثا: تلفيقية المذاهب الفقهية، يُعرِف شاخت المذاهب الفقهية بأنها نزعات عامة بدت في نواح مختلفة من العالم الإسلامي، وهي بهذا المعنى ليست مدارس علمية لها مناهج مختلفة، ويعزو اختلافاتها التي يصفها بالشكلانية وعدم الجوهرية إلى أسباب جغرافية وأسباب مدنية كاختلاف القوانين المحلية في كل قطر[5]، ويذهب شاخت إلى أن الفقهاء الأوائل عملوا بدون منهج محدد وكانت غايتهم هي “تصحيح مادة القوانين التي كانت موجودة إذ ذاك والتوفيق بينها وبين مبادئ الدين الإسلامي وسلكها في نظام خاص”، وهذه التلفيقية الفقهية تتجلى في مظاهر عديدة كما نستنتج من أعماله: في اختلاق الأحاديث واستنباط أحكام شرعية منها، وفي الإكثار من آلية النسخ التي استعملت للتوفيق بين نصوص القرآن والسنة المتعارضة ثم استعملت على نطاق واسع في المجال الفقهي، وأخيرا في اللجوء إلى “الحيل والمخارج” والذي انتشر بين الحنفية ثم انتقل الشافعية والمالكية، وهو بهذا يغض الطرف عن أن المخارج لا تحل حرامًا ولا تحرم حلالا كما توهم، وأن غايتها رفع الحرج عن المكلف لا التحيل على الأحكام الشرعية.

رابعا: الحط من شأن الأئمة الأربعة: يعتقد شاخت أن التراتبية التي نشأت عليها المذاهب الفقهية لا تعكس القيمة العلمية للأئمة فالإمام أبي حنيفة الذي نسب إليه مذهب أهل العراق يشغل منزلة “أقل شأنا بكثير من أصحابه أبي يوسف وزفر ومحمد بن الحسن الشيباني” والأخير يحق له أن يشغل صدارة المذهب بما أثر عنه من الكتب المشتهرة المسماة “ظاهر الرواية” على حين ليس لأبي حنيفة سوى كتاب واحد هو “الفقه الأكبر”، ويذهب شاخت إلى أن السمعة العلمية المرموقة التي حظي بها أبي حنيفة تأسست لاحقا عبر روايات مختلقة كان غرضها تعظيم مكانته وإقصاء أصحابه عن زعامة المذهب، ومثل هذا ينطبق على ابن حنبل وهو محدث وليس فقيه ورغم ذلك تصدر المذهب الحنبلي[6]، ولا يجد شاخت دليلا على مدعاه سوى روايتين حول فطنة أبي حنيفة  احداهما تحوي تفصيلات زائدة عما تحويه الأخرى فيستنتج منها أن مكانة أبي حنيفة تم تعزيزها في مرحلة متأخرة.


[1] شافية صديق، الاستشراق والفقه الإسلامي: المعرفة والقراءة والتأويل، بيروت: مجلة المسلم المعاصر، ع 153، سبتمبر 2014.

[2] يوسف شخت، في تاريخ الفقه الإسلامي: ثلاث محاضرات، بيروت: مجلة المشرق، نيسان -حزيران 1935، ص 265.

[3] Janrtte Wakin, Remembering Joseph Schacht (1902-1969), Islamic Legal Studies Program: Harvard Law School, January 2003, p.1-7

  [4] David F. Forte, Islamic Law: The Impact of Joseph Schacht, 1 Loy. L.A. Int’l & Comp. L. Rev. 1 (1978) p.9.

[5] يوسف شخت، المرجع السابق، ص362.

[6] نفسه، ص 363.