أخي الكريم؛
إن العاملين في الحقل الإسلامي في أمسّ الحاجة اليوم إلى منهج “تبليغ” يتقيدون به، وإلى منطلقات فكرية وحركية يصدرون عنها في نطاق دعوة الناس إلى الإسلام.. وإلى أن يكون كل ذلك من الدقة والوضوح بحيث تتحقق معها الرؤيا لأبعاد الطريق وخصائصه ومواصفاته فلا يخبطون بعدها خبط عشواء، أو يسيئون إلى الإسلام وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا.
ولذلك فهم بحاجة إلى منهج يحدد لهم طريق الدعوة إلى الله، وكيفية مخاطبة الناس وإقناعهم، كما يحدد الموضوعات التي يحسن طرحها عليهم وتبسيطها لهم.

** هذا المنهج يتألف -في نظري- من أربعة مباحث:
المبحث الأول:
وهو عبارة عن عرض للخطوط الكبرى التي يقوم عليها المنهج الإسلامي سواء في نطاق العقيدة أم في نطاق الشريعة.. وهذه تشكل بمجموعها الموضوعات التي يحسن طرحها على بساط البحث أمام العناصر المراد دعوتها..

المبحث الثاني:
ويدور حول فرضية الدعوة إلى الله… وأن الإيمان بالإسلام يقتضي العمل له، والدعوة إليه، والجهاد في سبيله، وأن ذلك يقتضي قيام تجمع.. وأن العمل الفردي لن يأتي بواقع إسلامي أو يحدث مجتمعًا إسلاميًّا.

المبحث الثالث:
وهو عبارة عن تأكيد ضرورة قيام عمل جماعي للإسلام، وأنه -أي العمل الجماعي- هو الطريق الذي انتهجه الرسول -صلى الله عليه وسلم- في بناء الجماعة الإسلامية الأولى.. وأن كل عمل فردي للإسلام مآله إلى الضياع ما لم يرتبط بتكوينٍ جماعي.

المبحث الرابع:
وأما المبحث الرابع والأخير فهو عبارة عن عرض للأسلوب الذي يحسن اتباعه في دعوة الناس إلى الإسلام.. وأن على الدعاة أن يخاطبوا الناس من حيث تقدَّر استجابتهم، وأن يخاطبوهم على قدر عقولهم.. وأن تكون سياستهم في ذلك الدراية والحكمة والصبر..

** أما أساليب الإقناع، ففي مجملها:
– خاطبوا الناس على قدر عقولهم:
ينبغي ألا يفهم مما تقدم أن الطريق لدعوة الناس إلى الإسلام، ولفتهم إليه، واحد لا ثاني له، وهو طريق الإقناع العقدي الذي يبدأ بإثبات وجود الله، وينتهي بإثبات أن الإسلام منهج حياة، وأن العمل لاستئناف الحياة الإسلامية واجب على كل مسلم..
والمقصود هنا بطريق الدعوة، المدخل الذي يمكن أن يدخل منه الداعية إلى نفس المدعو حتى يتمكن من إقناعه بالفكرة، وجذبه إلى العمل للإسلام.

ونحن حيال هذا الموضوع وأمثاله ينبغي أن نَصدُر عن أحكام شرعية نعتبرها أساسًا لنَهْجنا وتصرفاتنا، حتى لا يغدو العمل الإسلامي اعتباطيًّا عفويًّا تتحكم فيه العواطف والأهواء والاجتهادات الشخصية، وتخرجه بالتالي عن الحدود والقيود التي وضعها الشرع صيانة له من العوج والانحراف.

بديهي جدًّا أن الناس اليوم بحاجة إلى ما يلفتهم إلى الإسلام أولاً، يشعرهم بوجوده كمنهج حياة، كإمامة، كقيادة، كريادة وسط التيارات والقوى العالمية المتصارعة، وبديهي كذلك أيضًا أن عملية اللفت هذه خطوة تمهيدية تسبق عملية الإقناع، بل هي أشبه بخطوة أولية لتحضير عقول الناس ونفوسهم للتلقي والانفعال.. وهدي الإسلام في هذا الموضوع يظهر بوضوح حين تتبع الأسلوب القرآني والنبوي في دعوة الناس إلى الإسلام..
فمن الأساليب التي اعتمدها القرآن الكريم مرارًا وتكرارًا في سبيل لفت المشركين إلى آياته البينات – وقد كانوا يضعون أصابعهم في آذانهم لدى سماعها – تصديره فواتح السور بحروف متقطعة كان لها أكبر الأثر في إثارة حفيظة المشركين واستدراجهم للإنصات والتلقي.
ولم تكن الأساليب التي اتبعها الرسول صلى الله عليه وسلم في دعوة الناس إلى الإسلام ولفتهم إليه إلا تفسيرًا عمليًّا للتوجيه الرباني الكريم المتوّج بقوله تعالى: “ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ”، وقوله: “وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا”، لقد كان من حكمة الرسول صلى الله عليه وسلم اتباع أسلوب الزجر النفسي غير المباشر حين جاءه شاب يطلب منه السماح له بالزنى، والحادث ثابت في كتب السنة، وسيرد بعد قليل.

– بين الشدة واللين:
فالنفوس جُبِلت على حب من أحسن إليها، وقد تدفعها القسوة والشدة أحيانًا إلى المكابرة والإصرار والنفور فتأخذها العزة بالإثم.. وليس من معنى الدين المداهنة والرياء والنفاق.. وإنما بذل النصح وإسداء المعروف بأسلوب دَمِث مؤثر، يفتح القلوب ويشرح الصدور، خاصة إذا كانت الدعوة لجماعة المسلمين أنه لا ينبغي بحالٍ مجاهرتهم بالتوبيخ والتقريع الشديدين…
ألا ترى إلى القرآن الكريم في معرض التوجيه الرباني يخاطب موسى وهارون عليهما السلام، ويوصيهما بمبادأة الطاغية فرعون باللين والحسنى: “اذْهَبَا إِلَى فِرْعَونَ إِنَّهُ طَغَى، فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى”، بل إن اللفتات القرآنية والإشارات النبوية إلى الرفق ومجانبة الغلظة والقسوة تؤكد بما لا يحتمل الشك فاعلية هذا الأسلوب وقيمته التوجيهية.
ويقول الله تعالى في آخر سورة النحل آمرًا نبيه بالتزام الحكمة في دعوة الناس: “ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدَين”، وفسّرها ابن كثير بقوله: أي من احتاج إلى مناظرة وجدال، فليكن بالوجه الحسن برفق ولين وحسن خطاب.
وفي سورة آل عمران يشير القرآن الكريم إلى فوائد الرفق واللين في كسب الأنصار والمؤيدين، وانطلاق الدعوة والتفاف القلوب حولها: “فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ…”.
وقد ورد في تفسير هذه الآية قول لعبد الله بن عمر رضي الله عنه جاء فيه: “إني أرى صفة الرسول صلى الله عليه وسلم في الكتب المتقدمة أنه ليس بفظ، ولا غليظ، ولا صخّاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح”.
وفي السيرة النبوية نماذج عملية ووقائع تفسيرية للأسلوب الأخّاذ النافذ الذي كان يبلغ به رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوته إلى الناس بلباقة، فقد روى أبو أمامة: “أن غلامًا شابًّا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله.. أتأذن لي في الزنى؟ فصاح الناس به.. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قرّبوه، أدْنُ”.. فدنا حتى جلس بين يديه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “أتحبه لأمك؟” قال: لا، جعلني الله فداك، قال: “كذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم، أتحبه لابنتك؟”، قال: لا، جعلني الله فداك، قال: “كذلك الناس لا يحبونه لبناتهم، أتحبه لأختك؟” وزاد ابن عوف – أنه ذكر العمة والخالة وهو يقول في كل واحدة لا، جعلني الله فداك، فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على صدره وقال: “اللهم طهِّر قلبه، واغفر ذنبه، وحصن فرجه”، فلم يكن شيء أبغض إليه منه، يعني – الزنى.رواه أحمد والطبراني في الكبير.
وأسلوب الدعوة ينبغي أن يكون متجددًا متطورًا في حدود ما يسمح به الإسلام.. ومرونة الإسلام تقتضي العمل على مستوى العصر، وبمختلف الوسائل المشروعة، التي تضمن نقل الإسلام إلى الناس منهج عيش ورسالة حياة، في أجمل صورة وعلى أحسن وجه..

– أساليب أخرى للإقناع:
من طبيعة الدعوة الإسلامية أنها موجهة للناس – كل الناس – على اختلاف أعمارهم وطبقاتهم وثقافاتهم وبيئاتهم وميولهم واتجاهاتهم.. وهذا يفرض على الدعاة أن يكونوا حكماء بارعين في نقل آرائهم ومفاهيمهم إلى هذه الأصناف الشتى من الناس.. وبالتالي يوجب عليهم أن يعرفوا من أين تؤكل الكتف وكيف.. والداعية الموفق الناجح هو الذي يعطي كل إنسان ما يلزمه من أفكار وتوجيهات، ويحاول أن يقنعه بالفكرة ويجذبه إلى الحركة بالأسلوب الذي يؤثر فيه، وينزله منزله، وهذا سر قول عائشة رضي الله عنها: “أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نُنْزِل الناس منازلهم”رواه مسلم.

– تعرَّف إلى الشخص قبل دعوته:
وإذا كانت المسألة هكذا فإنه يصبح من واجب الداعية أن يتعرف إلى الشخص الذي يود دعوته إلى الإسلام.. يتعرف أفكاره ومفاهيمه وتصوراته ويكتشف علله ومشكلاته.. وهو بذلك سيصل حتمًا إلى معرفة المنافذ التي يمكن أن ينفذ من خلالها إلى نفسه.. وهذا من شأنه أن يوفِّر للداعية التشخيص والمعالجة الناجحين، وبالتالي يُكسِب إلقاءاته وتوجيهاته وإيحاءاته فاعلية التأثير والتفاعل.

– من أين تبدأ.. وكيف؟
إن من أبرز الأسئلة التي تواجه الداعية في مجال احتكاكه بالعناصر الجديدة ومحاولة إقناعها بالفكرة الإسلامية هي كيف يبدأ دعوته؟ ومن أين تكون البداية؟.. والحقيقة أن الإصابة في تحديد نقطة البدء توفِّر على الداعية كثيرًا من الوقت، وتسهل عملية الإقناع والجذب.. وفي كثير من الأحيان يكون فشل الداعية في اجتذاب العناصر الجديدة إلى الدعوة مردّه إلى سوء تقديره لنقطة البدء وسوء تشخيصه للعلَّة المراد تطبيبها – فيبدأ من حيث ينبغي أن ينتهي، أو ينتهي من حيث ينبغي أن يبدأ. وصدق عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حيث يقول: “ما أنت بمحدث قوما حديثاً لا تبلغه عقولهم، إلا كان لبعضهم فتنة”.

– من عوامل النجاح:
هنالك عوامل عدة تساعد على نجاح الداعية إلى حد بعيد في مجالات الدعوة، وتحقق له الخصب والأثمار، وتمنحه القدرة على التأثير والتفاعل والإيغال بمبادئه وأفكاره في كل وسط وعلى كل صعيد.
والأسلوب الحسن.. هو أحد العوامل الحساسة الهامة التي توفر على الداعية الوقت والجهد، وتصل به إلى الغاية والمطلوب بأقل التكاليف وأيسرها..
فالداعية في كل مجال من مجالات الدعوة والتبليغ.. في الكتابة.. والخطابة والتحدث.. والنقاش.. في العمل الشعبي.. والنقابي.. والسياسي.. والطلابي، بحاجة إلى الأسلوب الحسن الذي يصيب الهدف ويبلغ القصد.
وقد يكون من أبرز الأمور التي ينبغي توفرها للداعية ليتمتع بالأسلوب الحسن في مجالات دعوته، تعرف على الوسط الذي سيكون ميدانًا لنشاطه وعمله.. يدرس أوضاعه ومشكلاته واتجاهاته وميوله ورغباته.. كالطبيب يرقب عوارض المرض وتطوره ومراحله، ثم يشخّص أسبابه وبواعثه.. على علم ومعرفة.. وعلم بخصائص الداء ومعرفة أسباب الشفاء..
والداعية الناضج كالطبيب الناجح يعرف من أين يبدأ وكيف يبدأ.. ثم لا يبدأ قبل أن تتوفر لديه إمكانية التمحيص والتشخيص والمعالجة، حتى لا يكون عمله سلسة من تجارب فاشلة وأعمال مرتجلة..
والمجتمع اليوم يموج بعديد المذاهب والاتجاهات.. وكلها تتجاذب الناس بما تطلع عليهم من دعايات منمّقة، وأساليب مزوّقة.. تخاطبهم من حيث يصغون ويسمعون.. وتأتيهم من حيث يحسون ويشعرون.. تلامس جروحاتهم، وتتحسس أمراضهم، وتتلمس مشكلاتهم.
ودعاة الإسلام.. يجب ألا يكونوا أقل عناية واهتمامًا بأساليب دعوتهم من سواهم.. فلا يخاطبون العمال الكادحين بلغة “القبوريين”، ولا يناقشون الملاحدة الماديين بلسان “العاطفيين”، وإنما يجعلون لكل مقام مقالاً.
إن الإسلام في هذا الزمن بحاجة إلى دعاة يحسنون عرض أفكاره ومبادئه بأسلوب شيق جذاب.. يؤثِّرون ولا ينفِّرون، ويوضِّحون ولا يعقِّدون ويحسنون فلا يسيئون، وكم من أدعياء شوَّهوا الإسلام بسوء دعوتهم له، وأساءوا إليه وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا..”

ويضيف الدكتور كمال المصري:
أخي الكريم؛
كلام الداعية المعروف الدكتور فتحي يكن كلامٌ قيِّمٌ بالفعل، ينمُّ عن خبرةٍ عميقة، وتجربةٍ كبيرة، وضع فيه أولاً تصوراً لمنهج تكوين الدعاة، بتأسيسهم أولا، ثم إعلامهم بوجوب الدعوة إلى الله تعالى، ثم بيان طريق الرسول صلى الله عليه وسلم في الدعوة الجماعية إلى الله تعالى، وأخيراً وضع نقاطاً أساسية في أساليب التبليغ والدعوة، وضرورة مخاطبة الناس على قدر عقولهم وأفهامهم.
ثم تطرق بعد ذلك لوسائل وطرقٍ للإقناع والتأثير، وعوامل مساعدة على الدعاة الاستفادة منها في الدعوة.