أخي الفاضل، إن الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها، يبحث عنها من مهده إلى لحده.

أردت يا أخي الفاضل بهذه المقدمة أن أشعرك بعظم الرسالة التي أنت بصدد حمل شرف تأديتها في البلد الذي ستسافر إليه الذي أتمنى أن يصلني كل أخبار نجاحاتك التي ستحرزها فيه بإذن الله على كل الأصعدة أنت وأسرتك الكريمة.

لا بد أنك تعرف يا أخي العزيز أن كل إناء بما فيه ينضح، وأن فاقد الشيء لا يعطيه، فإذا لم تكن لديك القناعة التامة بأسباب سفرك وأهميتها فكيف يصل لولدك الشعور بالأمان إذن والقناعة بهذا السفر الذي ينقله من بيئة إلى بيئة جديدة مختلفة؟ إذ يخشى على ولدك أن ينتقل إليه قلقك وخوفك من الآثار السلبية لسفرك فيتم شحنه بأجسام مضادة رافضة لهذه البيئة مسبقا بشكل غير مباشر.

وفي سبيل الوصول لهذه القناعة التي لا بد من وجودها بشكل أساسي لتمهيد نقل الطفل إلى بيئة جديدة سيكون الرد في اتجاهين أساسين: الأول خاص بك شخصيا، والآخر خاص بأولادك الأعزاء.

أخي الكريم..
أود أن أهمس في أذنيك بأن التعامل مع البيئة المزدوجة لا يوجد به ما يزعج أو يرعب -كما يبدو من سؤالك- طالما كان التعامل مع هذا الأمر يتم على دراية وتحكم، وهذا ما تأكد لدي من الحياة في الغربة لمدة 9 سنوات متصلة؛ ولذا فإليك بعض النصائح العملية التي طبقتها أنا شخصيا حينما اضطرتني الظروف إلى السفر والإقامة بالخارج:

أولا: لا بد لك من تحديد أهدافك من السفر على مستواك الشخصي والأسرى وذلك لتحديد الإيجابيات التي ستستمتع بها أنت وأسرتك من خلال السفر، فأنت ستعيش في مجتمع متقدم، ومستوى معيشي مختلف، هناك طرق تعليم جديدة ومختلفة، طرق تعامل، ولغة وخبرات جديدة… فضلا عن الدرجة العلمية التي أنت بصدد الحصول عليها، واقتناعك بالجوانب الإيجابية لهذا للسفر سيمكنك من إيصال هذا الاقتناع لولدك وأفراد أسرتك ليسهل عليهم أمر الانتقال والتعامل باتزان وثقة مع البيئة الجديدة.

ثانيا:من المؤكد أن لكل مجتمع عاداته وصفاته الحسنة والسيئة أو غير المقبولة، وبالتالي فتحديدك للجوانب الحسنة لا بد أن يتبع بتحديدك للجوانب السلبية التي تريد أن تتفادى آثارها على ولدك وأسرتك، وفي الأغلب إنك ستجد الإيجابيات أكثر من السلبيات أو على الأقل تتساوى معها، خاصة إذا نظرت للجزء المملوء من الكوب، وبوضعك للجوانب السلبية في نقاط يمكنك أن تحدد ما هي وسائلك لمعادلة هذه الجوانب، وتلافي آثارها والتوازن معها.

وقد بدا من سؤالك أن أكثر ما تخافه من نقاط السلب التأثير السلبي للبيئة الجديدة على الثقافة والدين والهوية، وفي محاولتي للتعاون معك لتفادي هذا الأثر السلبي.. لا بد من توضيح أمر هام في البداية وهو أن جهدك في التعامل مع ولدك في البيئة الجديدة لا بد أن يسير في خطين متوازيين بدون تميز لأحدهما على الآخر.

الخط الأول: هو توفير عوامل ارتباط الطفل ببيئته الأصلية وارتباطه بها حتى لا يفقد هويته، والثاني: هو توفير عوامل اندماج الطفل في البيئة الجديدة، وتجنب انعزاله عنها أو خوفه منها لما يؤدي إليه ذلك من عواقب غير مرغوبة.

ولنبدأ معا في تناول بعض الأفكار العملية التي يمكن من خلالها توفير عوامل ارتباط الطفل ببيئته الأصلية:
1-لا بد من كونك أنت وأمه قدوة لما تريدان له أن يكتسبه من أخلاق صالحة وتصرفات حسنة، لأن سنه تلك سن المحاكاة والتقليد، كما يفضل أن يتم توضيح بعض المواقف له بمعنى أن تبرر له هذه التصرفات الحسنة في بعض المواقف فمثلا يقال له: “إننا نتحدث بهدوء لأننا كمسلمين لسنا بصخابين”، أو “إننا نأكل مما يلينا لأن الرسول –صلى الله عليه وسلم- أمرنا بذلك، والله يحب ذلك لما فيه من أدب وذوق “أو” هل تعلم لماذا يجب أن نواظب على دعاء الخروج؟ حتى يحفظنا الله من السوء حتى نعود…”.. وهكذا.

2- يمكنك اصطحاب شرائط فيديو وكتب وموسوعات ميسرة ومصورة ومحببة عن أهم المعالم في بلدك مثلا والقصص الشهيرة فيها مثلا على أن تكون بلغة بلدك (العربية).

3-لا بد من توفير معالم البيئة الأصلية داخل المنزل لمعادلة تأثير البيئة الأخرى المحيطة به في كل مكان، وذلك في صورة بعض المكونات في أثاث المنزل، وتصميم أركانه والصور على الحائط، وإشعاره دائما أنه بالرغم من السعادة في التواجد هنا في البيئة الجديدة فإن السعادة في التواجد في بلدنا مع أسرتنا وعائلتنا أكبر، وذلك لإيجاد الشوق فيه دائما لتلك البيئة.

4-لا بد من ممارسة الشعائر في المنزل بشكل منتظم وجماعي وإعداد مجالس يومية لقراءة القرآن ومدارسته وتفسير آياته، وكذلك الأحاديث النبوية والسيرة وتاريخ عظماء الإسلام من الصحابة والقواد والعلماء، فضلا عن الحرص على التواجد في المسجد والمراكز الإسلامية القريبة بشكل دوري أسبوعي، مثلا لحضور صلاة الجمعة والأعياد والإفطار في رمضان، والفعاليات المختلفة لهذه المراكز سواء على مستوى الأسرة أو الأطفال، كذلك فإن الفضائيات يمكن أن تنقل له الكثير عن بلده وشعائر دينه والأذان وغير ذلك.

5-لا بد من وجود تواصل دائم مع أفراد العائلة في البيئة الأصلية من خلال وسائل الاتصال المختلفة ومشاركته في شراء هدايا أسبوعية بسيطة للجد والجدة والأخوال والأعمام مثلا وإرسالها لهم، وكذلك إعطائه بعض الهدايا على أنها أرسلت له من بلده من جده وجدته وأعمامه.
6-لا بد من المحافظة على الحديث معه باستمرار بلغة بلده داخل المنزل.

7-لا بد من الاهتمام بجميع المناسبات التي يتم الاهتمام بها في البلد الأصلي على كافة المستويات كالأعياد القومية للبلد مثلا والمناسبات الدينية كعاشوراء، وليلة الإسراء، ويوم المولد النبوي، ومقدم شهر رجب مع الحديث معه عن هذه المناسبات، وما حدث فيها وفضل العمل الصالح في هذه الأيام -إن كانت من ذوات الفضل– وهكذا.

8- لا بد من الحرص على تهنئة أفراد العائلة في أفراحهم، وأيام ميلادهم ونجاحهم مثلا لإشعاره بأهمية صلة الرحم وضرورتها، وتعويده عليها بتدوينه لمواعيد المناسبات الخاصة بأفراد العائلة في أجندة خاصة به لتكون مسئوليته تذكيرك ووالدته بمواعيد هذه المناسبات والاتصال بأفراد العائلة لتهنئتهم.

ونأتي للجانب الآخر وهو دمجه في البيئة الأخرى وفقا لمحددات لتجنب الانعزال عنها ؛ مما يؤدي لعواقب غير مرغوبة (كأن يتم التعامل معه من قبل أفراد المجتمع الجديد في إطار هذا الانعزال؛ مما قد يؤدي لمشاكل نفسية كثيرة) فيمكنك اتباع الآتي:

1- عمل صداقات مع بعض الأسر والجيران من البيئة الجديدة والبيئة الأم والغرض من ذلك ألا يصطدم بالأبناء من البيئة الجديدة لأول مرة في المدرسة مثلا أو بعيدا عن العائلة فيرتبك في تعامله معهم؛ وبالتالي فإن لقاءه معهم من خلال الأسرة يمكنه من اكتساب اللغة الجديدة وطرق التعامل مع البيئة الجديدة وأفرادها في محيط آمن أولا ليتيسر له بعد ذلك التعامل معها وحده، كما أن الصداقات مع أبناء البيئة المقاربة للبيئة الأم من أبناء الجالية العربية أو الإسلامية أو البلد نفسه يوفر له عوامل الارتباط بهويته الأصلية وعدم فقدها مع الوقت.

2- يجب إيجاد حوارات مختلفة مع الطفل يمكن من خلالها التوضيح بلغة مناسبة أسباب الانتقال إلى البيئة الجديدة والفوائد التي عادت على الأسرة والاختلافات بين البيئة الجديدة والبيئة الأخرى، وأن هذا الاختلاف لا بد منه وأنه ينعكس على التصرفات، ولكن لكل تميزه وسمته وهويته التي ينبغي أن يعتز بها، ويمكن الاستعانة بأن يرى نماذج من الأزياء الشعبية لأبناء الجاليات المختلفة واختلاف ألوانهم ولغاتهم ليستوعب فيما بعد هذا الاختلاف في التصرفات والعادات.

ولنتخيل معا موقفا ما كمثال يتضح لك من خلاله كيف يتفهم الطفل موقفا مختلف عما اعتاده في بيئته الأصلية: فلو رأى الطفل مثلا نموذجا لإحدى النساء من مدرساته أو الجيران ترتدي ملابس غير محتشمة ما هو التصرف الأمثل مع الطفل حيال هذا الموقف؟

أولا: الطفل حتى سن البلوغ لا يستوعب كون الأمر خطأ أو صوابا إلا من خلال الإقناع؛ وبالتالي فهو يقدم على فعل الشيء الذي يعتقد أنه صحيح مستمدا الشعور بصحته من معلوماته، إنه يرضي الله أو يرضي والديه بهذا التصرف مثلا.. أو إنه يحاكي به أحدا يحبه.

ثانيا: مما وضحته النقطة السابقة نجد أنه في هذا الموقف الذي اتخذناه مثالا يكون الحل الأمثل هو إقناع الطفل أن التصرف نفسه –عدم الاحتشام – هو الخطأ، وليس الناس هم المخطئون.. وأن السبب في أن التصرف خطأ هو انه لا يرضي الله وأنه في مجتمعنا عند أقاربنا وعائلتنا مرفوض، وغير مقبول، وربما يكون في مجتمعهم هم مقبول لأنهم مختلفون عنا، وبالتالي فالطفل يتعلم التعامل مع البيئة الجديدة من خلال والديه، كما أنه ينعزل عنها ويخاف منها من خلالهما أيضا.

3- يجب إعداد الطفل إعدادا جيدا قبل أن يترك للتعامل مع البيئة الجديدة وحده من خلال المدرسة مثلا؛ وذلك بإفهامه الإيجابيات التي سيستمتع بها وترغيبه فيها مع أشعاره أنكما كوالديه معه دائما وتتفهمونه، ولن تتركاه، وأنه دائما في أمان في ظلكما، وذلك لنتفادى إصابته بقلق الانفصال Separation Anaxiety.

فمثلا يقال له: “إن مدرَستك جميلة وواسعة وستتعلم فيها لغة جديدة فتستطيع أن تكلم جدك وجدتك في الهاتف لتقول لهما جملا بهذه اللغة فسيسعدون أنك أصبحت بها ماهرا”.
وبالتالي ينتقل إليه الشعور بالتفاؤل من هذه التجربة مع شعوره بأن هناك اختلافا سيواجهه، وأنه يرجع دائما لوالديه لإنقاذه من أي حيرة يقع فيها بسبب اصطدامه بأي جديد أو مختلف من عادات أو وجوه أو تصرفات.

4-قد يلجأ البعض لإدخال الأطفال مدارس عربية أو مدارس تابعة للجالية التي ينتمون إليها، وفي الواقع إن الأمر يجب أن يتم حسابه بشكل آخر وهو أن الإقامة إذا زادت عن سنتين فلا بد أن تكون دراسة الطفل بلغة البلد الذي يعيش فيه، وذلك حتى لا يحدث بينه وبين هذا المجتمع صدام بشكل أو بآخر.

5- لا بد من متابعة أحوال الطفل في المدرسة -باعتبارها أكثر مكان يترك فيه وحده للتعامل مع البيئة الجديدة- بشكل يومي، كما يجب متابعة معاملة زملائه لها، وإذا حدث وتعرض الطفل لأي نوع من المعاملة غير الجيدة من الغير في أي مكان ولنأخذ مثالا بزملائه في المدرسة.. عندئذ يجب تولي علاج الأمر بسرعة عن طريق أخبار الطفل أن ما حدث له حدث بسبب عدم معرفة زملائه له معرفة جيدة فهم في حاجة لأن يعرفوا عنه أكثر، ثم محاولة تجميع مواد عن البلد التي تنتمي لها والتقدم للمدرسة بالتماس لعمل عرض لزملاء الطفل عن ثقافته وبلده، أو التحدث مع مدرسته لتتولى هي هذه المهمة، ومن الممكن أن تقوم بهذا الأمر لمجرد إشعاره بالثقة والاعتزاز بنفسه في هذا المجتمع الذي يندمج فيه وبدون تعرضه لموقف ما لتجنب وقوع مثل هذا الموقف أصلا، إذ أنه من الطبيعي أن يتعرض الطفل لمثل هذه الأمور من أقرانه لأنه أكيد مختلف عنهم وبالتالي فإن تقديمه لهم هو وثقافته وبلده بشكل محبب يسهم في إزالة الحواجز بينه وبينهم من البداية.

6-لا بد من حديث قبل النوم يوميا في جلسة عائلية أو ثنائية تسأله فيها عما رآه خلال اليوم، وكيف يشعر به؟ وعن سلبيات وإيجابيات البيئة الجديدة التي لمسها خلال يومه، وعن أصدقائه، وعن وجباته المدرسية، وهكذا.
أخي الفاضل..
تأكد أنك بصدد خوض تجربة مفيدة إن شاء الله، وتأكد أن نيتك الصالحة وعملك الدءوب للحفاظ على هوية أبنائك في الغربة، وعلى تمسكهم بدينهم سيكون لهما أعظم الأثر في الوصول إلى ما تريد “فمن سار على الدرب وصل”، أعانك الله على كل أمورك وبانتظار أخبار سعيدة عنك وعن الأسرة.

ولمزيد من التفاصيل المفيدة حول هذا الموضوع يمكنك مطالعة الموضوعات التالية:
بين تعاليم الدين والغربة
حفاظ الهوية في الغربة ..بالقرآن
أطفالنا فى الغربة و صراع اللغات -مشاركة من زائر
!!! العربية في الغربة..لم تعد هما
ملتقى المغتربين..دعوة زائر لتبادل الخبرات
إنها الغربة مرة أخرى
التربية وتحديات الغربة..مراجع ومقالات

– بالإضافة إلى هذا الموقع:
د/ إيمان السيد