الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
يقول فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي
لا مانع من ذلك إذا اتفق عليه الزوجان، ولم يضر الزوجة،
وقد كان الصحابة يعزلون لأعذار وأسباب، ولم ينههم الرسول صلى الله ليه وسلم، كما جاء في الصحيح.فلا ريب أن بقاء النوع الإنساني من أول أغراض الزواج أو هو أولها وبقاء النوع إنما يكون بدوام التناسل، وقد حبب الإسلام في كثرة النسل، وبارك الأولاد ذكورًا وإناثًا ولكنه رخص للمسلم في تنظيم النسل إذا دعت إلى ذلك دواع معقولة وضرورات معتبرة، وقد كانت الوسيلة الشائعة التي يلجأ إليها الناس لمنع النسل أو تقليله – في عهد الرسول – صلى الله عليه وسلم – هي العزل (وهو قذف النطفة خارج الرحم عند الإحساس بنزولها) وقد كان الصحابة يفعلون ذلك في عهد النبوة والوحي كما رُوى في الصحيحين عن جابر “كنا نعزل في عهد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – والقرآن ينزل” وفي صحيح مسلم قال: “كنا نعزل على عهد رسول الله فبلغ ذلك رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فلم ينهنا”.وجاء رجل إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال: يا رسول الله . إن لي جارية وأنا أعزل عنها، وإني أكره أن تحمل وأنا أريد ما يريد الرجال، وإن اليهود تحدث: أن العزل الموءودة الصغرى ! ! فقال عليه السلام: “كذبت اليهود، ولو أراد الله أن يخلقه ما استطعت أن تصرفه” (رواه أصحاب السنن) . ومراد النبي – صلى الله عليه وسلم – أن الزوج – مع العزل – قد تفلت منه قطرة تكون سببًا للحمل وهو لا يدري.
وفي مجلس عمر تذاكروا العزل فقال رجل: إنهم يزعمون أنه الموءودة الصغرى، فقال علي: لا تكون موءودة حتى تمر عليها الأطوار السبعة، حتى تكون سلالة من طين ثم تكون نطفة ثم علقة ثم عظامًا ثم تكسى لحمًا ثم تكون خلقًا آخر . فقال عمر: صدقت . . أطال الله بقاءك.

مسوغات لتنظيم النسل
ومن أول هذه الضرورات: الخشية على حياة الأم أو صحتها من الحمل أو الوضع، إذا عرف بتجربة أو إخبار طبيب ثقة . قال تعالى
(ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة). (البقرة: 195).
وقال: (ولا تقتلوا أنفسكم، إن الله كان بكم رحيمًا). (النساء: 29).
ومنها الخشية في وقوع حرج دنيوي قد يفضي به إلى حرج في دينه فيقبل الحرام، ويرتكب المحظور من أجل الأولاد، قال تعالى :.
(يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر). (البقرة: 185).
(ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج). (المائدة: 6).

ومن ذلك الخشية على الأولاد أن تسوء صحتهم أو تضطرب تربيتهم وفي صحيح مسلم عن أسامة بن زيد أن رجلاً جاء إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: يا رسول الله، إني أعزل عن امرأتي . فقال – صلى الله عليه وسلم -: “لم تفعل ذلك” ؟ فقال الرجل: أشفق على ولدها – أو قال -: على أولادها . فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: “لو كان ضارًا لضر فارس والروم”. (أخرجه مسلم).
وكأنه عليه السلام رأى أن هذه الحالات الفردية لا تضر الأمة في مجموعها بدليل أنها لم تضر فارس والروم – وهما أقوى دول الأرض حينذاك.

ومن الضرورات المعتبرة شرعًا الخشية على الرضيع من حمل جديد ووليد جديد، وقد سمى النبي – صلى الله عليه وسلم – الوطء في حالة الرضاع وطء الغيلة أو الغيل لما يترتب عليه من حمل يفسد اللبن ويضعف الولد، وإنما سماه غيلا أو غيلة، لأنه جناية خفية على الرضيع فأشبه القتل سرًا.
وكان – عليه الصلاة والسلام – يجتهد لأمته فيأمر بما يصلحها، وينهاها عما يضرها.
وكان من اجتهاد ه لأمته أن قال: “لا تقتلوا أولادكم سرًا فإن الغيل يدرك الفارس فيدعثره” (رواه أبو داود) . ولكنه عليه السلام لم يؤكد النهي إلى درجة التحريم، ذلك لأنه نظر إلى الأمم القوية في عصره فوجدها تصنع هذا الصنيع ولا يضرهم – فالضرر غير مطرد – هذا مع خشيته العنت على الأزواج لو جزم بالنهي عن وطء المرضعات، ومدة الرضاع قد تمتد إلى حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة لذلك كله قال: “لقد هممت أن أنهي عن الغيلة ثم رأيت فارس والروم يفعلونه ولا يضر أولادهم شيئًا”. (رواه مسلم).
قال ابن القيم رحمه الله في بيان الصلة بين هذا الحديث والحديث السابق – لا تقتلوا أولادكم سرًا -: ” أخبر النبي – صلى الله عليه وسلم – في أحد الجانبين أنه – أي الغيل – يفعل في الوليد مثل ما يفعل من يصرع الفارس عن فرسه كأنه يدعثره ويصرعه، وذلك يوجب نوع أذى ولكنه ليس بقتل للولد وإهلاك له، وإن كان قد يترتب عليه نوع أذى للطفل، فأرشدهم إلى تركه ولكنه لم ينه عنه – أي نهي تحريم – ثم عزم على النهي سدا لذريعة الأذى الذي ينال الرضيع، فرأى أن سد هذه الذريعة لا يقاوم المفسدة التي تترتب على الإمساك عن وطء النساء مدة الرضاع، ولا سيما من الشباب وأرباب الشهوة التي لا يكسرها إلا مواقعة نسائهم، فرأى أن هذه المصلحة أرجح من مفسدة سد الذريعة . فنظر ورأى الأمتين – اللتين هما من أكثر الأمم وأشدها بأسًا – يفعلونه ولا يتقونه مع قوتهم وشدتهم فأمسك عن النهي عنه”. (“مفتاح دار السعادة” لابن القيم ص 620 وانظر “زاد المعاد” جـ 4 ص 16 وما بعدها ط. صبيح).

وقد استحدث في عصرنا من الوسائل التي تمنع الحمل ما يحقق المصلحة التي هدف إليها الرسول – صلى الله عليه وسلم – وهي حماية الرضيع من الضرر – مع تجنب المفسدة الأخرى – وهي الامتناع عن النساء مدة الرضاع وما في ذلك من مشقة.
وعلى ضوء هذا نستطيع أن نقرر أن المدة المثلى في نظر الإسلام بين كل ولدين هي ثلاثون أو ثلاثة وثلاثون شهرًا لمن أراد أن يتم الرضاعة.

وقرر الإمام أحمد وغيره أن ذلك يباح إذا أذنت به الزوجة، لأن لها حقا في الولد، وحقا في الاستمتاع . وروي عن عمر أنه نهى عن العزل، إلا بإذن الزوجة . وهي لفتة بارعة من لفتات الإسلام إلى حق المرأة في عصر لم يكن يعترف لها فيه بحقوق.
هذا عن رأى الشيخ فى تنظيم النسل أما الجراحة التى تقطع النسل بالكلية فلم يجزها إلا إذا كانت هناك ضرورة قوية كالخوف على حياة الأم ولم تكن هناك وسيلة متاحة غير هذا

ويقول فضيلة الشيخ عبد الخالق حسن الشريف أحد الدعاة والعلماء في مصر
جعل الله سبحانه وتعالى من مقاصد الزواج الذرية حتى تستمر الحياة على الأرض، وحتى تشبع الفطرة الإنسانية، ولكن ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لمن أراد العَزْل أن يعزل، وأخبره أن قضاء الله نافد لا محالة، وعلى هذا أجاز بعض العلماء حدوث هذا الأمر بين الزوج والزوجة إذا اتفقا. ولكن لا يرضون أن يتم العزل وشبيهه “عدم الإنجاب” إذا لم ترضَ الزوجة لما فيه من منع حقها أو تأجيله في أن تكون أمًّا قائمة على رعاية الأولاد، وتحقيق ما تتمناه في فطرتها السليمة، والله أعلم.

 

 

 

 

 

 

الدكتور الشيخ يوسف عبد الله القرضاوي