يقول الشيخ سمير حشيش الواعظ بالأزهر الشريف :
الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله سيدنا محمد ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
فمن رحمة الله بالعباد أنه يقبل التوبة منهم مادامت صادقة وخالصة من قلوبهم “وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات” (الشورى). بل وأعظم من ذلك أن يبدل الله هذه السيئات إلى حسنات(إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا )(الفرقان).

ولقد تاب- يا أختي- خطيبك المذكور، وعزم على عدم تكرار المعصية مرة أخرى، وأسأل الله أن يقبل توبته وأن يغفر لنا وله. ولقد أحسن إذ رجع إلى الله وبادر بالتوبة، ولكني لا أؤيده أبدا في إخباره إياك بذنبه الذي وقع فيه؛ فما دام قد ستره الله، وهو قد تاب وأناب، فكان الأجدر به أن يستر نفسه أيضا أمامك، وذلك لأن الله تعالى يعفو ويصح أما الإنسان فقليلا ما ينسى وقليلا ما يتجاوز.

وألاحظ في رسالتك أمران:
الأول: أنك مازلت تشُكّين في صدق توبته وتشُكّين فيما إذا كان الخطأ وقع مرة واحدة -كما أخبرك- أم أكثر. وهذا يؤيد ما قلته آنفا من أنه أخطأ إذ أخبرك بذنبه هذا، مع الإشارة إلى أن شعورك هذا هو شعور معظم البشر للأسف الشديد، فالله يغفر ويسامح أما البشر فلا. وأنت تزعمين أنك واثقة به، ولكن يبدو أن هذا الزعم غير صحيح، فمن أين تثقين به وأنت تقولين بأنك لا تدرين “إن كان صادقا في أنها مرة واحدة أو أنه تاب بالفعل؟”.. ألا ترين مثلي أنك مازلت قلقة من ناحيته؟.

أختي الفاضلة، أجيبيني على السؤال التالي: ما هو الدافع الذي جعل خطيبك يخبرك بذنبه؟. ألست معي في أن الدافع لذلك هو حبه وإخلاصه لك وإخلاصه في توبته أيضا؟ وإلا فما الذي يجبره على إخبارك؟ ولكنك للأسف وضعته في دائرة الاتهام والشك، وهذا خطؤه إذ أخبرك، وليس خطؤك فأنت مثل كل البشر.

الأمر الثاني: في قولك (كما أخشى ألا أصارح أهلي فأكون خائنة لأمانتهم، وأن تحدث مشاكل فيما بعد ولا أستطيع أن أشكو لأهلي)… أي أمانة يا أختي تخونينها حين لا تخبرين أهلك بذنب خطيبك، وما دخلهم أصلا برجل وقع في الفاحشة ثم تاب منها، وماذا لو لم يخبرك أصلا بذنبه؟.. ولا أدري ما علاقة أهلك بهذا الموضوع؟!، أنت يا أختي ستتزوجين مسلما، نعم قد وقع في الفاحشة، لكن من منا بلا خطأ أو ذنب.

وهل أنت تأمنين على نفسك من الوقوع في المعاصي طول حياتك، إن أحدا لا يستطيع أن يدعي ذلك. أختي، كلنا ذوو خطأ وكلنا لا يأمن على نفسه إلا أن يحفظنا الله ويدركنا برحمته. ثم ما علاقة حدوث مشاكل بينك وبينه فيما بعد بهذا الذنب الذي وقع فيه؟ أم أنك تعزمين على أن تذكريه بذنبه هذا عند كل مشكلة، على حد قول المصريين “تمسكيها له ذلة”.

أختي، عند حدوث مشكلة فالأفضل ألا تشكي لأهلك، وإن كان لا بد من الشكوى فلتكن على قدر المشكلة، فما علاقة المشكلة التي قد تحدث فيما بعد بأنه وقع في الفاحشة منذ سنين؟ إنه أمر عجيب. فإياك أن تخبري أهلك بهذا الأمر، فنحن مأمورون لو رأينا الفاحشة رأي العين بأن نسترها، فما بالك بإنسان دفعه ندمه وثقل المعصية على قلبه إلى أن يبوح بها لمن يحبه ويثق فيه، وهو بذلك يرجو من يذكره برحمة الله ويعينه على التوبة الصادقة، ما بالك لو وجد منك الفضيحة والشك والاتهام؟ إنها صدمة على النفس والقلب أشد من ضرب السيوف، فاتقي الله في الرجل ولا تفضحي أمره ولا تخوني سره.

أختي، أرى الشك في خطيبك يؤرق فكرك، وخوفك منه في المستقبل يخطر لك من آن لآخر، وأقول لك: إن كنت مستعدة لنسيان ما أخبرك به خطيبك كأنه لم يكن أصلا، ومستعدة لأن تعامليه على أنه إنسان طبيعي وليس مجرما فتوكلي على الله، وأتمنى لك زواجا مباركا. أما إن كنت ترين الشك والقلق يسيطران عليك وسينغصان عليك حياتك وأنك لن تنسي له ذنبه هذا وأنك عند كل مشكلة ستربطينها بهذا الذنب فأنصحك بمراجعة قرار الزواج من الأصل.

والخير – من وجهة نظري- هو أن تنسي وتسامحي وتغفري فالله غفور رحيم. وفقك الله وهداك وشرح صدرك وسترك في الدنيا والآخرة، وغفر الله لخطيبك، وشملنا معكما بهذا الدعاء اللهم آمين. وتابعينا بأخباركما، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد.

 

 

 

فريق الاستشارات الإيمانية