هذه الفتوى كنت كتبتها منذ زمن بعيد ردًا على بعض الأسئلة حول موضوع زرع الأعضاء.
وهي وجهة نظر اجتهادية، قابلة للمناقشة، مثل كل اجتهادات البشر، وخصوصًا في المسائل الجديدة، التي لم يدون فيها رأي علماء الأمة السابقين.
ولا يملك أي فقيه أن يدعي لرأيه الصواب المطلق فيما يذهب إليه، بل أقصى ما يقوله عن نفسه ما قاله الإمام الشافعي: رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب.
لهذا أستغرب تلك الحملة المشبوهة التي تنشر هذه الأيام ضد الداعية الجليل الشيخ محمد متولي الشعراوي، الذي أفتى بعدم جواز زرع الأعضاء بناء على اعتبار رآه.
على أن الشيخ – حفظه الله – لم يكتب في ذلك شيئًا محررًا مدققًا، بل قال ذلك في مقابلة تليفزيونية، جوابًا عن سؤال عارض.
ومثل تلك المقابلات وما فيها من أسئلة مفاجئة، وأجوبة سريعة، لا يعتمد عليها اعتمادًا كليًا في تحديد آراء العلماء، ووجهات نظرهم في القضايا الكبيرة، والمسائل العويصة.
إنما الاعتماد في ذلك على المحرر المكتوب، فهو الذي يعبر بحق عن فكر صاحبه تعبيرًا منضبطًا لا لبس فيه.
على أن كل واحد يؤخذ من كلامه ويرد عليه، إلا النبي -صلى الله عليه وسلم-.
والمجتهد إذا أصاب فهو مأجور أجرين، وإذا أخطأ فهو مغفور له، بل مأجور أجرًا واحدًا.
وبالله التوفيق، وعليه قصد السبيل.
س: هل يجوز للمسلم أن يتبرع بعضو أو جزء من بدنه لغيره في حياته لزرعه في بدن شخص آخر؟
وإذا كان الجواب بالإيجاب، فهل هو جواز مطلق أو هو مقيد بشروط؟ وما هي تلك الشروط؟
وإذا جاز التبرع فلمن يتبرع؟ ألقريب فقط؟ أم للمسلم فحسب؟ أم لأي إنسان؟
وإذا جاز التبرع فهل يجوز البيع؟
وهل يجوز التبرع بعضو بعد الموت؟ أو يتنافى ذلك مع حرمة الميت؟
وهل ذلك من حق الإنسان وحده؟ أو يحق لأهله التبرع بعضو من بدنه؟
وهل يجوز للدولة أن تأخذ بعض الأعضاء من المصابين في الحوادث مثلا لإنقاذ غيرهم؟
وهل يجوز زرع جزء من غير مسلم في جسد إنسان مسلم؟
وهل يجوز زرع عضو أو جزء من حيوان ولو كان محكومًا بنجاسته كالخنزير مثلا في جسم شخص مسلم؟
تساؤلات جمة أصبحت تفرض نفسها على الفقه الإسلامي ورجاله ومجامعه في الوقت الحاضر.
ولابد من الإجابة بالإجازة بإطلاق أو المنع بإطلاق، أو التفصيل.
فلنحاول الإجابة وبالله التوفيق.
هل يجوز للمسلم أن يتبرع بعضو من جسمه وهو حي؟:
قد يقال: إن تبرع الإنسان إنما يجوز فيما يملكه، وهل يملك الإنسان جسمه بحيث يتصرف فيه بالتبرع أو غيره؟ أو هو وديعة عنده من الله تعالى، فلا يجوز له التصرف فيه إلا بإذنه؟ وكما لا يجوز له أن يتصرف في نفسه حياته بالإزهاق والقتل، فكذلك لا يجوز له أن يتصرف في جزء من بدنه بما يعود عليه بالضرر.
ويمكن النظر هنا بأن الجسم وإن كان وديعة من الله تعالى، فقد مكن الإنسان من الانتفاع به والتصرف فيه، كالمال، فهو مال الله تعالى حقيقة، كما أشار إلى ذلك القرآن بمثل قوله تعالى: (وآتوهم من مال الله الذي آتاكم)، ولكنه ملك الإنسان هذا المال بتمكينه من الاختصاص به والتصرف فيه.
فكما يجوز للإنسان التبرع بجزء من ماله لمصلحة غيره ممن يحتاج إليه، فكذلك يجوز له التبرع بجزء من بدنه لمن يحتاج إليه.
والفرق بينهما أن الإنسان قد يجوز له التبرع أو التصدق بماله كله، ولكن في البدن لا يجوز التبرع ببدنه كله، بل لا يجوز أن يجود المسلم بنفسه لإنقاذ مريض من تهلكة أو ألم مبرح، أو حياة قاسية؟
وإذا كان يشرع للمسلم أن يلقى بنفسه في اليم لإنقاذ غريق، أو يدخل بين ألسنة النار، لإطفاء حريق، أو إنقاذ مشرف على الغرق، أو الحرق، فلماذا لا يجوز أن يخاطر المسلم بجزء من كيانه المادي لمصلحة الآخرين ممن يحتاجون إليه؟
وفى عصرنا رأينا التبرع بالدم، وهو جزء من جسم الإنسان، يتم في بلاد المسلمين، دون نكير من أحد من العلماء، بل هم يقرون الحث عليه أو يشاركون فيه، فدل هذا الإجماع السكوتي إلى جوار بعض الفتاوى الصادرة في ذلك على أنه مقبول شرعًا.
وفى القواعد الشرعية المقررة: أن الضرر يزال بقدر الإمكان، ومن أجل هذا شرع إغاثة المضطر، وإسعاف الجريح، وإطعام الجائع، وفك الأسير، ومداواة المريض، وإنقاذ كل مشرف على هلاك في النفس أو ما دونها.
ولا يجوز لمسلم أن يرى ضررًا ينزل بفرد أو جماعة، يقدر على إزالته ولا يزيله، أو يسعى في إزالته بحسب وسعه.
ومن هنا نقول: إن السعي في إزالة ضرر يعانيه مسلم من فشل الكلية مثلاً، بأن يتبرع له متبرع بإحدى كليتيه السليمتين، فهذا مشروع، بل محمود ويؤجر عليه من فعله، لأنه رحم من في الأرض، فاستحق رحمة من في السماء.
والإسلام لم يقصر الصدقة على المال، بل جعل كل معروف صدقة. فيدخل فيه التبرع ببعض البدن لنفع الغير، بل هو لا ريب من أعلى أنواع الصدقة وأفضلها، لأن البدن أفضل من المال، والمرء يجود بماله كله لإنقاذ جزء من بدنه، فبذله لله تعالى من أفضل القربات، وأعظم الصدقات.
وإذ قلنا بجواز التبرع من الحي، بعضو من بدنه، فهل هو جواز مطلق أو مقيد؟
والجواب: أنه جواز مقيد، فلا يجوز له أن يتبرع بما يعود عليه بالضرر أو على أحد له حق عليه لازم.
ومن هنا لا يجوز أن يتبرع بعضو وحيد في الجسم كالقلب أو الكبد مثلاً، لأنه لا يعيش بدونه، ولا يجوز له أن يزيل ضرر غيره بضرر نفسه، فالقاعدة الشرعية التي تقول: الضرر يزال، تقيدها قاعدة أخرى تقول: الضرر لا يزال بالضرر، وفسروها بأنه لا يزال بضرر مثله أو أكبر منه.
ولهذا لا يجوز التبرع بالأعضاء الظاهرة في الجسم مثل العين واليد والرجل، لأنه هنا يزيل ضرر غيره بإضرار مؤكد لنفسه، لما وراء ذلك من تعطيل للمنفعة وتشويه للصورة.
ومثل ذلك إذا كان العضو من الأعضاء الباطنة المزدوجة، ولكن العضو الآخر عاطل أو مريض، يصبح كعضو وحيد.
ومثل ذلك: أن يعود الضرر على أحد له حق لازم عليه، كحق الزوجة أو الأولاد، أو الزوج، أو الغرماء.
وقد سألتني إحدى الزوجات يوما: أنها أرادت أن تتبرع بإحدى كليتيها لأختها، ولكن زوجها أبى، فهل من حقه ذلك؟
وكان جوابي: أن للزوج حقًا في زوجته، وهى إذا تبرعت بإحدى كليتيها فستجرى لها عملية جراحية، وتدخل المستشفى، وتحتاج إلى رعاية خاصة، وكل ذلك يحرم الزوج من بعض الحقوق، ويضيف عليه بعض الأعباء، فينبغي أن يتم ذلك برضاه وإذنه.
والتبرع إنما يجوز من المكلف البالغ العاقل، فلا يجوز للصغير أن يتبرع بمثل ذلك، لأنه لا يعرف تمامًا مصلحة نفسه، وكذلك المجنون.
ولا يجوز أن يتبرع الولي عنهما، بأن يدفعهما للتبرع، وهما غير مدركين، لأنه لا يجوز له التبرع بمالهما، فمن باب أولى لا يجوز التبرع بما هو أعلى وأشرف من المال وهو البدن.التبرع لغير المسلم:
والتبرع بالبدن كالتصدق بالمال، يجوز للمسلم وغير المسلم، ولكنه لا يجوز للحربي الذي يقاتل المسلمين بالسلاح، ومثله عندي: الذي يقاتلهم في ميدان الفكر والتشويش على الإسلام.
وكذلك لا يجوز التبرع لمرتد مارق من الإسلام مجاهر بردته، لأنه في نظر الإسلام خائن لدينه وأمته يستحق القتل، فكيف نساعده على الحياة؟
ولكن إذا وجد مسلم محتاج للتبرع، ووجد غير مسلم، فالمسلم أولى، قال تعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) التوبة: 71 .، بل المسلم الصالح المتمسك بدينه أولى بالتبرع له من الفاسق المفرط في جنب الله، لأن في حياته وصحته عونا له على طاعة الله تعالى، ونفع خلقه، بخلاف العاصي الذي يستخدم نعم الله في معاصي الله وإضرار الناس.
وإذا كان المسلم قريبًا أو جارًا، فهو أولى من غيره، لأن للجوار حقًا أكيدًا، وللقرابة حقًا أوكد، كما قال تعالى: (وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله). (الأنفال: 75).
ويجوز أن يتبرع المسلم لشخص معين، كما يجوز له أن يتبرع لمؤسسة مثل بنك خاص بذلك، يحفظ الأعضاء بوسائله الخاصة، لاستخدامها عند الحاجة.بيع الأعضاء لا يجوز:
ونحب أن ننبه هنا على أن القول بجواز التبرع بالأعضاء لا يقتضي القول بجواز بيعها، لأن البيع كما عرفه الفقهاء مبادلة مال بمال بالتراضي، وبدن الإنسان ليس بمال، حتى يدخل دائرة المعاوضة والمساومة، وتصبح أعضاء الجسد الإنساني محلاً للتجارة والبيع والشراء، وهو ما حدث للأسف في بعض الأقطار الفقيرة، حيث قامت سوق أشبه بسوق النخاسين، لشراء أعضاء الفقراء والمستضعفين من الناس، لحساب الأغنياء، ونفقت هذه التجارة الخسيسة التي دخلتها “مافيا” جديدة تنافس “مافيا” المخدرات.
ولكن لو بذل المنتفع بالتبرع للشخص المتبرع مبلغًا من المال غير مشروط ولا مسمى من قبل، على سبيل الهبة والهدية والمساعدة، فهو جائز، بل هو محمود ومن مكارم الأخلاق.
وهذا نظير إعطاء المقرض عند رد القرض أزيد من قرضه دون اشتراط سابق، فهو مشروع ومحمود، وقد فعله النبي -صلى الله عليه وسلم-، حيث رد أفضل مما أخذ، وقال:
“إن خياركم أحسنكم قضاء”. (عزاه في الجامع الصغير إلى أحمد والبخاري والنسائي وابن ماجة عن أبى هريرة).
هل تجوز الوصية بجزء من البدن بعد الموت؟:
وإذا جاز للمسلم التبرع بجزء من بدنه مما ينفع غيره ولا يضره، فهل يجوز له أن يوصى بالتبرع بمثل ذلك بعد موته؟
والذي يتضح لي أنه إذا جاز له التبرع بذلك في حياته، مع احتمال أن يتضرر بذلك وإن كان احتمالا مرجوحًا فلا مانع أن يوصى بذلك بعد موته، لأن في ذلك منفعة خالصة للغير، دون احتمال أي ضرر عليه، فإن هذه الأعضاء تتحلل بعد أيام ويأكلها التراب، فإذا أوصى ببذلها للغير قربة إلى الله تعالى، فهو مثاب ومأجور على نيته وعمله، ولا دليل من الشرع على تحريم ذلك، والأصل الإباحة، إلا ما منع منه دليل صحيح صريح، ولم يوجد.
وقد قال عمر رضى الله عنه في بعض القضايا لبعض الصحابة: “شيء ينفع أخاك ولا يضرك، فلماذا تمنعه”؟‍‍‍ وهذا ما يمكن أن يقال مثله هنا لمن منع ذلك.
وقد يقال: إن هذا يتنافى مع حرمة الميت التي يرعاها الشرع الإسلامي، وقد جاء في الحديث: “كسر عظم الميت ككسر عظم الحي”. (رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة عن عائشة كما في الجامع الصغير، ورواه ابن ماجة عن أم سلمة بلفظ: “ككسر عظم الحي في الإثم”).
ونقول: إن أخذ عضو من جسم الميت لا يتنافى مع ما هو مقرر لحرمته شرعًا، فإن حرمة الجسم مصونة غير منتهكة، والعملية تجرى له كما تجرى للحى بكل عناية واحترام دون مساس بحرمة جسده.
على أن الحديث إنما جاء في كسر العظم، وهنا لا مساس بالعظم، والمقصود منه هو النهى عن التمثيل بالجثة، والتشويه لها، والعبث بها، كما كان يفعل أهل الجاهلية في الحروب، ولا زال بعضهم يفعلها إلى اليوم، وهو ما ينكره الإسلام ولا يرضاه.
ولا يعترض معترض بأن السلف لم يؤثر عنهم فعل شيء من ذلك، وكل خير في اتباعهم.. فهذا صحيح لو ظهرت لهم حاجة إلى هذا الأمر، وقدرة عليه، ولم يفعلوه. وكثير من الأعمال التي نمارسها اليوم لم يفعلها السلف، لأنها لم تكن في زمنهم. والفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والعرف والحال، كما قرر ذلك المحققون، وكل ما يمكن وضعه هنا من قيد هو ألا يكون التبرع بالجسم كله، أو بأكثر أو بما دون ذلك، مما يتنافى مع ما هو مقرر للميت من أحكام، من وجوب تغسيله وتكفينه والصلاة عليه،، ودفنه في مقابر المسلمين.. .. إلخ، والتبرع ببعض الأعضاء لا يتنافى مع شيء من ذلك بيقين.

هل يجوز للأولياء والورثة التبرع بجزء من ميتهم؟:
وإذا جاز تبرع الميت ببعض أعضائه عن طريق الوصية، فهل يجوز لورثته وأوليائه أن يتبرعوا عنه بمثل ذلك؟
قد يقال: إن الجسم الميت ملك صاحبه، وليس ملك أوليائه وورثته، حتى يكون لهم حق التصرف فيه أو التبرع ببعضه.
ولكن الميت بعد موته لم يعد أهلا للملك، فكما أن ماله انتقل ملكه إلى ورثته كذلك يمكن القول بأن جسم الميت قد أصبح من حق الأولياء أو الورثة، ولعل منع الشرع من كسر عظم الميت أو انتهاك حرمة جثته، إنما هو رعاية لحق الحي أكثر مما هو رعاية لحق الميت.
وقد جعل الشارع للأولياء الحق في القصاص أو العفو في حالة القتل العمد، كما قال تعالى: (ومن قتل مظلومًا فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورًا). (الإسراء: 33).
وكما أن لهم حق القصاص عنه إن شاءوا، أو المصالحة على الدية أو ما هو أقل أو أكثر منها، أو العفو المطلق لوجه الله تعالى، عفوا كليًا أو جزئيًا، كما قال تعالى: (فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان) (البقرة: 178). لا يبعد أن يكون لهم حق التصرف في شيء من بدنه، بما ينفع الغير ولا يضر الميت، بل قد يستفيد منه ثوابًا، بقدر ما أفاد الآخرين من المرضى والمتضررين وإن لم يكن له فيه نية، كما يثاب في حياته على ما أكل من زرعه من إنسان أو طير أو بهيمة، وما أصابه من نصب أو وصب أو حزن أو أذى حتى الشوكة يشاكها… وكما ينتفع بعد موته بدعاء ولده خاصة ودعاء المسلمين عامة وبصدقتهم عنه .. وقد ذكرنا أن الصدقة ببعض البدن أعظم أجرًا من الصدقة بالمال.
ومن هنا أرى أنه لا مانع من تبرع الورثة ببعض أعضاء الميت، مما يحتاج إليه بعض المرضى لعلاجهم كالكلية والقلب ونحوهما، بنية الصدقة بذلك عن الميت، وهى صدقة يستمر ثوابها ما دام المريض المتبرع له منتفعًا بها.
وقد سألني بعض الأخوة في قطر عن التبرع ببعض أعضاء أطفالهم الذين يولدون ببعض العاهات التي لا يعيشون بها، وإنما هي أيام يقضونها في المستشفى، ثم يودعون الحياة، وقد يحتاج أطفال آخرون إلى بعض الأعضاء السليمة لديهم كالكلية ليعيشوا.
وقد أجبتهم بجواز ذلك، بل باستحبابه، وأنهم مأجورون عليه إن شاء الله.
وكان ذلك سببًا في إنقاذ حياة عدة أطفال في عدة أيام، بسبب رغبة الآباء في فعل الخير والمثوبة من الله، عسى أن يعوضهم عما أصابهم في أطفالهم.
وإنما يمنع الورثة من التبرع إذا أوصى الميت في حياته بمنع ذلك، فهذا من حقه، ويجب إنفاذ وصيته فيما لا معصية فيه.
إعطاء الحق للدولة، مدى جوازه:
وإذا أجزنا للورثة والأولياء أن يتبرعوا ببعض الميت لنفع الحي وعلاجه، فهل نجيز للدولة أن تصدر قانونا يرخص في أخذ بعض أعضاء الموتى في الحوادث الذين لا تعرف هويتهم، أو لا يعرف لهم ورثة وأولياء، لتستخدمها في إنقاذ غيرهم من المرضى والمصابين؟
لا يبعد أن يجوز ذلك في حدود الضرورة، أو الحاجة التي تنزل منزلة الضرورة.
على أن يستوثق من عدم وجود أولياء للميت، فإذا كان له أولياء وجب استئذانهم، وألا يوجد ما يدل على أن الميت قد أوصى بمنع ذلك ورفضه.

زرع عضو من كافر لمسلم:
أما زرع عضو من غير مسلم في جسم إنسان مسلم فلا مانع منه، وأعضاء الإنسان لا توصف بإسلام ولا كفر، وإنما هي آلات للإنسان، يستخدمها وفقًا لعقيدته ومنهاجه في الحياة، فإذا انتقل العضو من كافر إلى مسلم، فقد أصبح جزءًا من كيانه، وأداة له في القيام برسالته، كما أمر الله تعالى، فهذا كما لو أخذ المسلم سلاح الكافر وقاتل به في سبيل الله.
بل قد نقول: إن الأعضاء في بدن الكافر مسلمة مسبحة ساجدة لله تعالى، وفق المفهوم القرآني، أن كل ما في السموات والأرض ساجد مسبح لله تعالى، ولكن لا تفقهون تسبيحهم.
فالصواب إذن أن كفر الشخص أو إسلامه لا يؤثر في أعضاء بدنه، حتى القلب نفسه، الذي ورد وصفه في القرآن بالسلامة والمرض، والإيمان والريب، والموت والحياة، فالمقصود بهذا ليس هو العضو المحس الذي يدخل في اختصاص الأطباء والمحللين، فإن هذا لا يختلف باختلاف الإيمان والكفر والطاعة والمعصية، إنما المقصود به (المعنى) الروحي، الذي به يشعر الإنسان ويعقل ويفقه، كما قال تعالى: (فتكون لهم قلوب يعقلون بها) (الحج: 46).
(لهم قلوب لا يفقهون بها). (الأعراف: 179).
وقوله تعالى: (إنما المشركون نجس) (التوبة: 28). لا يراد به النجاسة الحسية التي تتصل بالأبدان، بل النجاسة المعنوية التي تتصل بالقلوب والعقول.
ولهذا لا يوجد حرج شرعي من انتفاع المسلم بعضو من جسد غير المسلم.

زرع عضو من حيوان نجس في جسم المسلم:
وأما زرع عضو من حيوان محكوم بنجاسته كالخنزير مثلاً، في جسم إنسان مسلم، فالأصل ألا يلجأ إلى ذلك إلا عند الضرورة، وللضرورات أحكامها، على أن يراعى بأن ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها، وأن يقرر نفع ذلك الثقات من أطباء المسلمين.
ويمكن أن يقال هنا: إن الذي حرم من الخنزير إنما هو أكل لحمه، كما ذكر القرآن الكريم في أربع آيات، وزرع جزء منه في الجسم ليس أكلا له، إنما هو انتفاع به، وقد أجاز النبي -صلى الله عليه وسلم- الانتفاع ببعض الميتة وهو جلدها والميتة مقرونة في التحريم بلحم الخنزير في القرآن، فإذا شرع الانتفاع بها في غير الأكل، اتجه القول إلى شرعية الانتفاع بالخنزير في غير الأكل أيضًا.
فقد ورد في الصحيح أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، مر على شاة ميتة فسأل عنها فقالوا: إنها شاة لمولاة لميمونة، فقال: “هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به” ؟ قالوا: إنها ميتة!
قال: “إنما حرم أكلها”. (متفق عليه، كما في اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان رقم 205).
بقى أن يقال: إن الخنزير نجس، فكيف يجوز إدخال جزء نجس في جسد مسلم؟
ونقول: إن الممنوع شرعًا هو حمل النجاسة في الظاهر، أي خارج البدن، أما في داخله، فلا دليل على منعه، إذ الداخل محل النجاسات من الدم والبول والغائط، وسائر الإفرازات، والإنسان يصلى، ويقرأ القرآن، ويطوف بالبيت الحرام، وهى في جوفه، ولا تضره شيئًا، إذ لا تعلق لأحكام النجاسة بما في داخل الجسم.

زرع الخصية لا يجوز:
بقى ما أثير أخيرًا حول موضوع زرع خصية شخص لشخص آخر. هل يجوز ذلك قياسًا على بقية الأعضاء أو لهذا العضو خصوصية تمنع جواز نقله من إنسان إلى آخر…؟
والذي أراه أن نقل الخصية لا يجوز، فالعلماء المختصون يقررون أن الخصية هي المخزن الذي ينقل الخصائص الوراثية للرجل ولأسرته وفصيلته إلى ذريته، وزرع الخصية في جسم إنسان ما، يعنى أن ذريته حين ينجب تحمل صفات الإنسان الذي أخذت منه الخصية، من البياض أو السواد، والطول أو القصر، والذكاء أو الغباء، وغير ذلك من الأوصاف الجسمية والعقلية والنفسية.
وهذا يعتبر لونًا من اختلاط الأنساب الذي منعته الشريعة بكل الوسائل، فحرمت الزنى والتبني، وادعاء الإنسان إلى غير أبيه، ونحو ذلك، مما يؤدى إلى أن يدخل في الأسرة أو القوم ما ليس منهم، فليس مسلمًا إذن ما يقال إن الخصية إذا نقلت إلى شخص أصبحت جزءًا من بدنه، وتأخذ حكمه في كل شيء.
ومثل هذا يقال: لو صح نقل مخ إنسان إلى آخر، فمثل هذا لا يجوز لو أمكن، لما يترتب عليه من خلط وفساد كبير. وبالله التوفيق.

 

 

 

 

 

 

الدكتور الشيخ يوسف عبد الله القرضاوي