الأخت الكريمة أحلام
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لاشكَّ أنَّ الخير متجذِّرٌ في نفسك ودلالته ذاك الشعور بالهمِّ والندم الذي يتبع تكاسلك عن القيام بالنوافل وعدم رضاك عما أنت فيه من الإدبار، وهذا الشعور هو بداية العلاج، ولست وحدك من تلازمك هذه الحالة، فهذه طبيعة البشر جميعا.
حتى إنَّ الصحابة الكرام كانوا يشكون من عدم دوام حالهم في الإقبال على الله، ففي الحديث الشهير الذي رواه الإمامان أحمد ومسلم عن حنظلة الأُسَيديّ –وكان من كُتَّاب رسول الله صلى الله عليه وسلم- قال: لقيني أبو بكر فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قال: قلت: نافق حنظلة، قال: سبحان الله، ما تقول؟ قال: قلت نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكِّرنا بالنار والجنَّة حتى كأنَّا رأيَ عينٍ، فإذا خرجنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عافسنا –أي لاعبنا- الأزواج والأولاد والضيْعات، فنسينا كثيرا، قال أبو بكر: فوالله إنَّا لنلقى مثل هذا، فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت: نافق حنظلة يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “وما ذاك؟” قلت: يا رسول الله نكون عندك تذكِّرنا بالنار والجنة حتى كأنَّا رأيَ عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيْعات نسينا كثيرا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “والذي نفسي بيده، إنْ لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فُرُشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعةٌ وساعة” ثلاث مرات.
وكما جاء في الحديث النبويّ: “إنَّ الإيمان ليَخْلِق في جوف أحدكم كما يَخْلِق الثوب فاسألوا الله تعالى أن يجدِّد الإيمان في قلوبكم” رواه الطبرانيُّ بإسنادٍ حسن.
وأنت أيتها الأخت قد ذكرت في رسالتك أحد حلول مشكلتك في قولك: “كنت نشيطةً عندما كنت مع مجموعةٍ من الصديقات المصلِّيات، بل كنت الأنشط والداعية لإقامة الصلاة”، وهنا يكمن العلاج، بإيجاد الرفقة الصالحة التي تشدُّ من أزرك وتثبِّتك على الطاعة، والرسول صلى الله عليه وسلم يدعونا لحسن الاختيار، لأنَّ المرء على دين خليله، والحديث النبويُّ يقول: “لا تصاحب إلا مؤمناً ولا يأكل طعامك إلا تقيّ”رواه الترمذيُّ بإسنادٍ لا بأس به، والشيطان أقرب إلى الواحد وأبعد عن الاثنين، وأكثر بُعداً عن المجموعة المتآخية في الله التي تجتمع عليه وتفترق عليه، فأين صديقاتك المصلِّيات الآن؟ ولماذا زهدتِّ في صحبتهنّ؟ وإن كانت الظروف فرَّقت جمعكنَّ فعليك إيجاد مثيلاتهنّ.
ولا تنسي أختي الكريمة أنَّ مجاهدة النفس على قيام الليل في ثلثه الأخير هي إحدى الوسائل الفعَّالة على شحن الروح وازدياد الرغبة في التقرُّب إلى الله، لأنَّ الله فرض قيام الليل على الرسول صلى الله عليه وسلم استعداداً لحمل تكاليف الرسالة قائلاً له: “يا أيُّها المزَّمِّل، قم الليل إلا قليلا، نصفه أو انقص منه قليلا”.
بالإضافة إلى أنَّ المسلم قد يُحرَم نعمة الطاعة بذنوبٍ يتهاون في فعلها أو صغائر يُصِرُّ عليها، وإذا راجَعَتْ إحدانا أعمالها يمكنها أن تتعرَّف سريعاً على سبب فتورها.
ولي تجربةٌ شخصيَّة، فقد أصبت بفتورٍ لم أعرف له سبباً حتى اكتشفت بعد فترةٍ تهاوني بالتزام سنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم على وضوء واعتماد الجانب الأيمن، وبعد التزامي بهذا الهدي النبويِّ عادت إليَّ الهمَّة للطاعة، وتَخَفَّفْتُ من عقدة الذنب التي كنت أستشعرها بعد كلِّ تقصير، كما أنَّ سماع المحاضرات والاطِّلاع على سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم تحفِّز المسلم على الإقبال على طاعة الله.
ولا تغفلي -أختي- عن طلب عون الله، وسوف تنالين الحظوة عنده عندما تصدقين في الطلب.
أسأل الله لك كلَّ التوفيق، ولا تنسيني من دعوةٍ صالحة، لأنَّني أحببتُك في الله.

أختي الكريمة أحلام
ما حدَّثتك به أستاذتنا الأستاذة سميرة المصري كان حديث “الهمَّة”، وهو ما نحتاجه دائما، ولكن دعيني أحدِّثك حديث “الفتور” إن صحَّ التعبير، ولكنِّي سأؤجِّل ذلك لأتحدَّث أوَّلاً في نقطتين:
الأولى: طبيعة تعاملنا مع نفسنا البشريَّة.
الثانية: كلُّ ميسَّرٌ لما خُلِق له.

الأولى: طبيعة تعاملنا مع نفسنا البشريَّة:
من المعروف والملاحظ والمشاهد أنَّ الإنسان حين يلتزم، يكون في بداية التزامه نشيطاً متلهِّفا مستعجلا، يريد أن يقوم بكلِّ الطاعات، ويتمسَّك بكلِّ السنن، ويقبض على كلِّ القربات، يسابق الزمن والحياة والناس كي يفعل كلَّ شيء، ثمَّ بعد فترةٍ تبدأ هذه الهمَّة في الهدوء، وهذه الرغبة تبدأ في التمهُّل، ويبقى الواحد منَّا أبد الدهر يذكر بداياته ويتمنَّى لو يرجع إليها.
أقول هذا لأؤكِّد على أمرٍ نتعامل فيه دائماً مع أنفسنا، وهو أن نأخذها بالشدَّة دائما، ونكثر من لومها والضغط عليها، فنصعِّب الأمر عليها وعلينا.
هذا بالضبط ما فعلتِه مع نفسك يا أختي الكريمة، شدَّدتِّ عليها، وأكثرتِ لومها، وحمَّلتها بأعباء وطاعاتٍ كثيرة، قد تنجح نفسُكِ في الالتزام بها في البداية، ثمَّ ما تلبث أن تفتر وتتعب، فيزيد غضبك عليها، ويكثر لومك لها، فيصل الأمر بك وبها إلى ما تشعرين به الآن من يأسٍ وضيقٍ وطريقٍ مسدود.
إنَّ المنبتَّ لا ظهراً أبقى ولا أرضاً قطع، فخفِّفي الوطء قليلاً أختي أحلام، وخذي الأمر بالتدرُّج والتوالي، وخطوةً خطوة، وثقي أنَّ النتائج ستكون أفضل وأحسن ممَّا تتوقعِّين.. والله أعلم.

الثانية: كلُّ ميسَّرٌ لما خُلِق له:
روى الإمام البخاريُّ عن عمران بن حصينٍ قال: قلت: يا رسول الله؛ فيما يعمل العاملون؟ قال: “كلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ له”، وروى الإمام مسلم نحوه.
أقول هذا لأؤكِّد على عدم تحميل النفس فوق طاقتها، فلكلِّ امرئٍ مجاله الذي يبدع فيه وينطلق منه، فلم نُخلَق كلُّنا لنكون قوَّام ليل، ولم يوجدنا ربُّنا سبحانه لنكون كلُّنا فرساناً في المعارك، ونظرةٌ سريعةٌ في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم تثبت ذلك، فلم يثبت عن خالد بن الوليد أنَّه كان صوَّاما قوَّاما، ولكن ثبت عنه أنَّه كان فارساً مغوارا، ولم نعرف أبا الدرداء رضي الله عنه والياً أو حاكماً أو زعيما، وهو من هو في الزهد والورع والطاعة والعبادة، ورسولنا صلى الله عليه وسلم يعلم ذلك جيِّدا، ولذلك وضع كلَّ إنسانٍ في مكانه الصحيح، ولم يطالب أحداً منهم بما لم يُخلَق له.
نعم كان على الجميع أن يقوموا بالطاعة بالقدر الذي يربطهم بربِّهم سبحانه حقَّ الارتباط، وقد كانوا يقومون بذلك، ولكن ما طاعاتهم بخيرٍ ممَّا خُلِقوا له وبرعوا فيه، ما داموا يقومون بذلك إرضاءً لربِّهم سبحانه وابتغاء فضله، ولله دَرُّ الإمام مالك بن أنس ما أفقهه، حين كان يعلِّم الناس ويفقِّههم، فقام أحد المستمعين فصلَّى ركعتين ثمَّ عاد إلى الدرس، فقال له الإمام مالك: “ما الذي قمتََ له بأفضل ممَّا قمتَ عنه”.
هذا هو مفهوم “كلٌّ ميسَّرٌ لما خُلِقَ له”، أن نقوم كلُّنا بما خُلِقنا له مريدين به وجه الله تعالى، مع عدم إغفالنا الحدَّ الأدنى –على الأقلّ- من القربات.
وإذا كان الأمر كذلك، فلنسعَ إلى التقرُّب من الله تعالى من خلال أمرين:
الأمر الأوَّل: أن نتقرَّب إليه سبحانه بما نحبُّ من الطاعات، وما يؤثِّر فينا أكثر، فكلُّ امرئٍ منَّا له أنواع من الطاعات هو لها أحبّ، وهو منها أدنى وأقرب، وهي في نفسه أوقع، وكلُّنا بالممارسة قد عرف ذلك، فأكثري من العبادات التي تحبِّين يا أختي الكريمة، فهذا أدعى لأن تستمرِّي ولا تتقطَّعي فيها، كما أنَّه أكثر تأثيراً في قلبك ونفسك، ممَّا يشعرك بالقرب من ربِّك سبجانه وتعالى، ويا له من قريبٍ عزَّ وجلّ.
الأمر الثاني: القضيَّة التي تحدَّثت فيها كثيراً من قبل وسأبقى أتحدَّث: “إيمان المعاملة”، نحن لا نأخذ الزاد الإيمانيَّ يا أختي أحلام من العبادات والطاعات وقيام الليل وصيام النوافل وقراءة القرآن فقط، نحن نأخذ هذا الزاد مع كلِّ فعلٍ خيِّرٍ نقوم به، سواءً أفراداً أو مجموعات، إذا ساعدنا المحتاج أخذنا الزاد، إذا أغثنا الملهوف أخذنا الزاد، إذا أصلحنا شيئاً في حيِّنا أو مجتمعنا أخذنا الزاد، إذا أتقنَّا عملنا وأخلصنا فيه أخذنا الزاد، إذا تعاونَّا في الخير مع غيرنا أخذنا الزاد، وهكذا تكون كلُّ حياتنا زاداً إيمانيًّا يتكوَّم ويتراكم داخلنا ما حيينا، حقِّقي هذه النقطة في نفسك تحقِّقي القرب من ربِّك سبحانه، وثانيةً يا له من قريبٍ عزَّ وجلّ.
هاتان يا أختي وسيلتا العودة إلى الله تعالى: عمل ما نحبُّ من الطاعات، وإيمان المعاملة.

في ضوء النقطتين السابقتين أعود الآن إلى حديث “الفتور”، وهو الحديث الذي يدور عندما تكون نفسنا في حالة فتورٍ وكسل وضعف.
يقول صلى الله عليه وسلم: “لكلِّ عملٍ شِرَّة، ولكلِّ شِرَّة فترة، فمن كانت فترته إلى سنَّتي فقد أفلح، ومن كانت إلى غير ذلك فقد هلك”رواه أحمد والبزَّار ورجاله رجال الصحيح، والشِّرَّة هي: النشاط والرغبة، والفترة هي: الانكسار والضعف.
وروى الترمذيُّ بسندٍ صحيح: “إنَّ لكلِّ شيءٍ شِرَّة، ولكلِّ شِرَّةٍ فترة، فإنْ صاحِبها سدَّدَ وقارَب فأرجوه، وإن أشير إليه بالأصابع فلا تعدُّوه”، يقول الإمام المباركفوري في شرح الحديث: “(إنَّ لكلِّ شيءٍ شِرَّة) أي حرصاً على الشيء ونشاطاً ورغبةً في الخير أو الشرّ، (ولكلِّ شِرَّةٍ فترة) أي وهَناً وضعفاً وسكونا، (فإنْ) شرطيَّة (صاحِبها سدَّد وقارَب) أي جعل صاحب الشِرَّة عمله متوسِّطاً وتجنَّب طرَفَي إفراط الشِّرَّة وتفريط الفترة (فأرجوه) أي أرجو الفلاح منه فإنَّه يمكنه الدوام على الوسط، وأحبُّ الأعمال إلى الله أدومها (وإن أشير إليه بالأصابع) أي اجتهد وبالغ في العمل ليصير مشهوراً بالعبادة والزهد وصار مشهوراً مشاراً إليه (فلا تعدُّوه) أي لا تعتدُّونه ولا تحسبوا من الصالحين لكونه مرائيا، ولم يقل فلا ترجوه إشارة إلى أنه قد سقط ولم يمكنه تدارك ما فرط”.
شاهدي من كلِّ هذا أمران:
الأمر الأوَّل: أنَّ من طبيعة النفس التقلُّب، هكذا خلقها الله تعالى، وهكذا أرداها سبحانه أن تكون، فما المطلوب منَّا في فترة الفتور؟ المطلوب هو الأمر الثاني.
الأمر الثاني: في حالة الضعف والفتور، المطلوب أن نُبقِي على الحدِّ الأدنى من الطاعات، وألا نقع في المعاصي، وهو ما عبَّر عنه الحديث الأوَّل بـ “فمن كانت فترته إلى سنَّتي فقد أفلح”، أي التزام أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ما قال فيه الحديث الثاني: “سدَّد وقارَب”، وقد عبَّر عنه الإمام المباركفوريُّ بـ “جعل عمله متوسِّطا”، فالحفاظ على النفس من الوقوع في الخطأ والتوسُّط في مرحلة الفتور لا الضغط ولا الإهمال، هما الحلّ.
كان هذا حديث “الفتور”، فإذا ما شدَّت النفس بعد ذلك نعود إلى حديث “الهمَّة” الذي تفضَّلت به الأستاذة سميرة.

وأؤكِّد أخيراً على ما أكَّدته الأستاذة سميرة، وهو ضرورة وجود الصحبة الصالحة التي تعين وتساعد وتقوِّي وتحمِّس.

أعانك الله أختي أحلام، وحقَّق أحلامك بأن تعودي كما كنتِ وأفضل، ووالينا بتطوُّرات نفسك أعزَّك الله وحفظك… المحرر.

 

 

 

الأستاذة سميرة المصري