أختنا الغالية، أهلاً بك ومرحبًا على صفحتنا.
مما ذكرته في رسالتك يتضح لنا أن الابنة الغالية تعاني من ضعف ثقتها بنفسها؛ فهي تتعامل مع ما حولها بنفسية مهزوزة، وخائفة من (ضحك الآخرين عليها) وسخريتهم منها.ولا يبدو بدقة ما الذي جعلها على هذه الحالة من ضعف الثقة، فلم تذكري في رسالتك ما يعيننا على تلمس هذه الأسباب، وسأذكر لك بعضًا من هذه الأسباب، ولتنظري أيًّا منها يمكن أن يكون مدعمًا لسلوك الخجل وضعف ثقة طفلتك.يقول الكاتب “كوستي بندلي” في كتابه “الولد الخجول وتربية الثقة بالنفس”: “إن للخجل أسبابًا متنوعة بعضها يعود لمرحلة النمو التي يجتازها الطفل؛ حيث هناك مرحلتان قد يبرز فيهما الخجل بشكل طبيعي، وهما: مرحلة المراهقة، ومرحلة الـ 3 – 4 سنوات؛ إذ إن شخصية الطفل تبدأ في هاتين المرحلتين بالتحديد في التميز عن البيئة؛ فقد يصاحب ذلك شرخ بين الطفل ومحيطه؛ فتضعف بالتالي قدراته على التجاوب مع هذا المحيط، حتى يستطيع التكيف معه مجددًا على أسس جديدة، كما أن هناك أسبابًا أخرى تعود لعلاقات الطفل بالمحيط العائلي وبوالديه؛ إذ يلجأ الطفل للانطواء للاحتماء من العلاقات الاجتماعية بسبب ما في علاقته بوالديه أو الجو العائلي المحيط؛ حيث يتسبب في إضعاف ثقته بنفسه”، ومن أمثلة هذه الأسباب العلائقية:
1 – تربية الوالدين للطفل بشكل متسلط، وهذا قد يشكِّل عائقًا في سبيل نمو شخصية الطفل؛ إذ لا يقيم الوالدان وزنًا لآراء الطفل أو ميوله أو حاجته، ولا يُترك له المجال للتعبير عن رغباته وإبداء آرائه وأفكاره، وينظر إليه بصفته كائنًا تابعًا يفرض عليه القالب الذي يلائم إرادة الأهل، ويحققون من خلاله مشاريعهم الذاتية، وبالتالي يترعرع هذا الكائن في الخجل، وعدم الثقة بالنفس، وعدم القدرة على الإحساس بهويته الخاصة، ويحيا في عالم من الفراغ وعدم التوافق مع نفسه.

2 – الحماية الشديدة من ذوي الطفل والمحافظة الدقيقة عليه، حيث إن الاحتضان المفرط للأطفال يحمل في طياته رسالة تخويف موجهة للطفل من المجابهة ومن عملية النمو.

3 – كذلك قد يبرز ذلك الخجل عند انتقال الطفل من محيط الأسرة الدافئ إلى محيط المدرسة،
فقد يشعر بأنه فقد مركزه المتميز في الأسرة، وأصبح متروكًا لنفسه في محيط لا يوليه الاهتمام الخاص الذي كان يحظى به فيشعره ذلك بالدونية والخشية، وبالتالي بالخجل في علاقاته مع المجتمع الجديد.

4 – علاقة الولد بإخوته، فقد يصبح الطفل خجولاً بعد ولادة أخ أو أخت له؛ إذ ينتزع منه ما كان له وحده من عطف وحب ورعاية؛ فيُحدث هذا الشعور تبديلات في شخصيته، فيظهر لديه الخجل الذي يحاول من خلاله لفت نظر الوالدة إليه؛ حيث يشعر أنها لم تَعُد تهتم به ولا تكترث لوجوده.

5 – شعور الطفل بعدم الرغبة في وجوده؛ كأن يصرِّح أمامه برغبة والديه في بنت بدلاً من هذا الولد أو العكس؛ فيتضاءل، ويشعر بالرغبة في الاختفاء من حياتهما.

6 – الجو التثبيطي الذي يجعل الطفل دائمًا في موضع الضعيف والمخطئ والعاجز، والاستهزاء بالطفل، والاستخفاف بقدراته.
وغيرها من الأسباب التي سردناها في معالجات سابقة، سنوردها لك في نهاية الاستشارة.

ونأتي لما يمكن أن تقوما به لمعاونتها على تجاوز هذا الأمر، طبعًا بالتعاون مع مدرستها الفاضلة -إلى جانب ما في المعالجات التي سنوردها في النهاية-.

أولاً:دورك أنت ووالدها:
1 – ينبغي عليكما تفهم خجل زهرتكما الغالية، وذلك بفهم سبب الخجل والارتباط المحتمل بينه وبين علاقتكما بها، بحيث تعملان على تطويرها نحو ما يسمح لها باستعادة ثقتها بنفسها.
أحيطاها بالحب والحنان المتوازن، ومدّا معها جسرًا من الحوار؛ فإحساسها بقربكما منها سيشكل أفضل تشجيع لها للتغلب على خجلها.

وفي هذا يقول دكتور “دودسون” مخاطبًا الآباء: “ينبغي للأب أن يمارس مع ولده أسلوب “الارتكاس” أو “الارتجاع الشعوري” كأن يقول لابنه: “أعرف أنك خائف بعض الشيء من اللعب مع فلان؛ لأنه صاخب جدًّا ومشاكس جدًّا”، فبهذه الطريقة التي يرجع فيها الأب مشاعر الخوف والقلق التي يعاني منها إليه مرة أخرى يثبت له بأنه يفهمه.. وهذا أفضل سبيل للتغلب على الخجل أو الخوف؛ فهذا أفضل من إهمال الخجل أو دفع الطفل للسيطرة عليه؛ إذ يزيد ذلك من احتماء الطفل بقوقعته”.

2 – يجب عليكما تحاشي إبراز خجل الطفلة خاصة بشكل علني، حتى لا يرسخ ذلك لديها الشعور بعجزها، ولا يزيد من إضعاف ثقتها بالنفس؛ إذ يفترض أن هذه الطفلة شديدة الحساسية لتعبيرات الآخرين لها، كذلك يجب عدم انتقادها أمام الآخرين، أو لفت الأنظار لما تعانيه من خجل؛ حتى لا نضيق عليها أكثر؛ فتتضاعف وطأة الخجل عليها، وتود لو تُحجب تمامًا عن الأنظار.

3 – وهذه الخطوة الثالثة هي أهم ما يجب اتخاذه لتخطي هذه المشكلة بسهولة ويسر إن شاء الله تعالى، وهي إفساح المجال أمام الطفلة لتحقيق التغلب التدريجي على الخجل من خلال سلسة من النجاحات الصغيرة تحققها أمام الآخرين، وتنقسم هذه المهمة إلى شقين يجب أن يتلازما جنبًا إلى جنب من حيث التنفيذ: الشق الأول عليكما -أيها الوالدين الكريمين-، والآخر على المدرسة؛ فالطفلة في أمسِّ الحاجة إلى نتائج إيجابية ملموسة تردّ بها شيئًا فشيئًا الاعتبار لنفسها؛ فتؤمن تدريجيًّا بإمكانياتها، وتشعر بيسر متزايد في علاقتها بالمجتمع.

-اقترحا عليها مهامَّ متفاوتة الصعوبة تتدرج في مواجهتها وفقًا لإمكانياتها؛ مثل: ترتيب اللعب – إعداد الفراش – ترتيب الحجرة – مساعدة الأم في الأعمال المنزلية – تلوين رسم ما… إلخ.

– أثنيا على أدائها حتى وإن لم يكن متميزًا، وبشكل مكثف .

أبرزا نجاحها، وخصوصًا وأمام الغرباء بحيث يكون على مرأى ومسمع منها؛ لتشعر بأنها موضع فخر وإعجاب، فتنتعش ثقتها بنفسها مع عدم البدء معها بما لا تحب أو ما فشلت فيه من قبل، بل التفتيش عن سبل وأشياء لم تفعلها من قبل للبحث عن صفحات جديدة تحقق فيها انتصارات كفيلة بأن تعيد لها الثقة بنفسها.

– أشركيها يا سيدتي في اختيار ملابس أخيها الصغير مثلاً، واصطحبها لشراء الأشياء من السوق، واستشيرها في نوع الطعام، وعندما يأتي والدها أثني على اختيارها، واجعلي والدها يثني على اختيارها بفخر، ويخبرها أنه يود لو أصبحت هي المسؤولة عن اختيار الطعام بعد ذلك فهي أميرته وأميرة البيت، وهكذا…

-ونأتي للشق الآخر الخاص بالمدرسة:
فلا بد كما ذكرنا من تعاون الجانبين، وتلازم مجهوداتهما في إعطاء الطفلة جرعة زائدة مكثفة من التشجيع والحفز؛ لتخطي هذه العثرة بسهولة إن شاء الله عز وجل، فيمكن للمدرِّسة في الفصل بالاتفاق معك افتعال بعض المواقف؛ لغرس الثقة في الطفلة وتشجيعها على المشاركة في الفصل؛ فمثلاً:

تبدأ المدرّسة في طرح سؤال سهل على أطفال الفصل، بحيث تأتي صيغة السؤال غير موجهة لطفل بعينه، فتقول مثلاً: “هيَّا ليجب الشاطر على هذا السؤال، من؟”.
سيرفع كثير من الأطفال أيديهم للإجابة -احتمال كبير لن تكون طفلتك منهم-.

تبدأ المدرسة وبخفة وسرعة في اختيار الأطفال للإجابة من بينهم طفلتك، بحيث تختار طفلاً قبلها وطفلاً بعدها، في خفة بحيث لا يتسنى لطفلتك الانتباه إلى أنها لم ترفع يدها، بحيث تشير إلى طفل، ثم إلى طفلتك، ثم تشير إلى طفل آخر من ورائها، بل وتثني عليها وتقول لها كلمات من الثراء والإطراء حتى وإن لم تجب، فعليها ترديد الإجابة الصحيحة -المدرسة- وهي تقول: “شاطرة قلت صح، كذا..؛ شأنها شأن باقي الأولاد الذين قاموا بالإجابة”.

ولا شك أن سرعتها في سماع إجابتها، وسؤال طفل آخر ستغطي على خجل طفلتنا، ولن تلفت نظر الأطفال لها؛ لأنها لن تتوقف عندها كثيرًا، وباعتياد الطفلة على هذا الأمر وتكرار هذا الموقف ستعتاد الابنة أن تقوم للإجابة.

– وعندما تأتين لأخذها من المدرسة، وبالاتفاق مع المدرسة، تقوم المدرسة بمدح طفلتك والإشادة بها أمامك وبصوت مسموع ملؤه الفخر، فتقول: “منى شاطرة جدًّا سألت اليوم سؤالاً، وكانت شاطرة جدًّا رفعت يدها وطلبت أن تجيب، وأجابت إجابة صحيحة، أليس كذلك يا منى؟ أنا سعيدة جدًّا بها”، وكذلك في الفصل، وهكذا ستشعر طفلتنا أنها مرضيٌّ عنها من جميع الأطراف، ومحط اهتمامهم وسعادتهم وفخرهم؛ وهو ما يساعدها على أن تستعيد ثقتها بنفسها تدريجيًّا.

وهكذا فإن ما تحتاجه هذه الطفلة هو إعادة بناء الثقة في نفسها عبر الثناء، والإطراء، والتضخيم من حجم نجاحات تحرزها، حتى ولو كانت صغيرة؛ لتُزيل آثار الاهتزاز في نفسها، ويُعاد لها ثقتها مرة أخرى.
بارك الله لكما في طفلتكما، وأنبتها نباتًا حسنًا.
-ولمزيد من التفاصيل المفيدة حول هذا الموضوع يمكنك الاطلاع على الموضوعات التالية:
تربية طفل مقدام ليس من الأحلام
الحضن الدافئ يذيب جبال الثلج
عندما يصمت الصغير بالفصل
طفلي النبيه …لماذا يرفض المدرسة؟
طفلي يخاف من المدرسة.. ماذا أفعل؟