المعلم الفاضل/ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، تقديري واحترامي لك، وبعد…

يقول الدكتور علي الحمادي في الكتاب الأول من سلسلة”فنون و مهارات إدارة التغيير””التغيير الذكي”:

“سئل أحد الزنوج الأمريكيين،و كان مليونيرا،فقيل له:كيف أصبحت مليونيرا؟فقال:بأمرين،و من فعلهما فسيصبح مثلي،فقيل له:ما هما؟فقال:الأمر الأول أنني قررت أن أصبح مليونيرا،و الأمر الثاني أنني حاولت أن أصبح مليونيرا!! نعم ،إنه التصميم على تغير الواقع و السعي إلى ذلك…

لقد أثبت التاريخ أن الإنسان لا يمكن له أن يقيم حضارةً أو أن يصنع مستقبلاً ما لم يغير من نفسه ابتداء،ثم يسير جاداً في طريق التغيير حتى يغير مَنْ و ما حوله،و عندها سيجني الشهد،و إن لم يفعل ذلك فما له غير العلقم و الحنظل…”إلى هنا ينتهي كلام الدكتور علي.

المعلم الكريم،الأطفال تلك البراعم الصغيرة تأتي للمدرسة من بيئات متنوعة، وهم يحملون في طياتهم ما اختزنوه منها، هذه البيئات تتنوع وتختلف من بيئة لأخرى، فمنهم من ينحدر من أسرة هادئة الطباع تسودها المحبة والتفاهم والثقة بين أفرادها، وتشيع الألفة والترابط بين أوصالها، فنرى طفلها ينمو متشربًا لعاداتها وأخلاقها الحميدة، ونادرًا ما يمارس حبل الكذب أو الغش أو العدوانية، كما أنه اجتماعي غير منعزل أو منطوٍ يعبِّر عن مشاعره بثقة وصدق وطمأنينة تامة.

وفي المقابل نرى ذلك الطفل البائس الذي يأتي للمدرسة من بيئة مضطربة مفككة تسودها المشاكل والمشاحنات بين أعمدتها – الأب والأم – فهذا الطفل في الغالب يكون عدوانيًّا، شرس الطباع، محملاً بهموم ومعاناة نفسية كبيرة، ولو تمعنا في تصرفاته نراه يمارس الكذب ببراءة دون اكتراث لعواقبها، وعدواني يتعدى على الآخرين، بل لا يهتم، حتى أنه لا يهتم ولا يفكر بالعقاب الذي سوف يناله من جرّاء تصرفاته، ويعامل الآخرين من أقرانه بنوع من العدوانية، حيث إنه يعتدي على حقوقهم. ونرى في حالات أخرى طفلاً منكسرًا، ومنطوٍ على نفسه، يفضل الابتعاد والانزواء عن الآخرين، ويميل إلى العمل الفردي ويكره العمل الجماعي، كما أن هناك حالات أخرى من الأطفال مصابون بالخجل الشديد، فهم مترددون لا يبادرون منكفئين على أنفسهم.

لهذا فإن المعلم الناجح الذي يستطيع أن يتعرف على هذه الحالات المتنوعة داخل الصف الواحد، ويحاول بأساليبه التربوية والعلمية معالجتها بصورة فردية، وتقديم العون والمساندة اللازمة لها.

وعودة لسؤالك لبعض من هذه الحالات، سوف أتحدث بإيجاز عنها وطرق علاجها لكن يبقى تقديم العون اللازم والحقيقي بيد الشخص الذي سوف يحلِّل شخصية كل تلميذ بصورة دقيقة:

أولاً: الكذب ببراءة عند الأطفال:
لعلَّ الكذب من العادات السيئة وغير الحميدة عند البشر، والتي تكون عواقبها وخيمة للغاية، إذا لم تعالج منذ بدايتها بأسلوب تربوي سليم لمنع تأصلها في نفس الطفل، والكذب عند الأطفال يبدأ عادة منذ السنة الثالثة من عمره، وتحمل صورة البراءة التامة أو كما يحلو عند البعض تسميتها بالكذب الأبيض، مثال على ذلك: ادعاء الطفل بأنه قد غسل يديه ورجليه وهو لم يفعل ذلك، وقد تكون مثل هذه التصرفات صرخة لنا نحن الكبار لأَن نولِّي هذا الصغير شيئًا من الاهتمام والانتباه والرعاية، أو ربما يحتاج لمزيد من العطف والحنان الذي ربما يفتقده داخل أسرته، وعلاجًا لهذه المشكلة أدعو الأخ العزيز أن يبدأ بإزالة الخوف من نفس الطفل، وأن يفيض عليه الحنان والاطمئنان، كما أدعوه لأن يُشْعِر الطفل بالأمان حينما يتحدث ويتكلم عن مشكلة ما، وأن يذكِّره بأن قول الحقيقة لا تعني أن هناك عقابًا، لكن الكذب يؤدي إلى العقاب، وهذه خير وسيلة لمعالجة مثل هذه المشكلة عند الصغار.

ثانيًا: العدوانية عند الصغار:
الأطفال يملكون طاقة من الحركة ربما تفوق ما يملكه الكبار، ولكي يقوموا بعملية التنفيس لما لديهم من مخزون الطاقة، فهم يميلون إلى الحركة الدائمة واللعب كالقفز والجري وأحيانًا الشجار البريء، لكن حينما تتحول هذه الطاقة إلى مجرى آخر كالاعتداء والتمرد والعراك، هنا تكون مصدر الخطورة في هذا الأمر، فالطفل العدواني يكون في العادة طفلاً شرس الطباع يميل نحو التسلط والاعتداء على الآخرين، وهذه صفة مكتسبة نتيجة لما انعكس في مخيلته لمشاهد عايشها بنفسه أو وقعت أمام ناظريه في البيت أو الشارع أو المدرسة، وأحيانًا تكون حالة العدوانية عند الطفل لشعورٍ في نفسه بأنه مهمَّش لا قيمة له في المحيط الذي يعيش فيه – البيت أو المدرسة -، ولعلاج هذا الأمر أدعو الأخ العزيز أن يبدأ أولاً بعملية إظهار عملية الرفض والصدِّ لهذا التصرف الذي قام به الطفل، كما أنصحه بتحلِّي صفة الصبر وضبط النفس، وبثّ الثقة والأمان في نفس الطفل، ومحاورته للتعرف على أسباب قيامه بهذا التصرف، ثم وضع العلاج المناسب بالتعاون مع البيت.

ثالثًا: الانطواء والخجل عند الأطفال:
يخطئ المربي – الوالدان أو المعلم – حينما يطلب من الطفل أن يبتعد عن الخجل ليكون شجاعًا جريئًا مقدامًا، فهو يظن أن الطفل ما هو إلا آلة نحركها لتحقيق ما نريد، بهذه النظرة نمارس نحن الكبار أسلوب تدمير شخصية الطفل، يجب أن ندرك أن الخجل والانطواء هي نتيجة لردة فعل ومؤثر خارجي أصاب الطفل، ولنقله من حالة الانطواء والخجل نحتاج مثلاً لدراسة مسببات هذه الحالة، فربما يكون مصدرها البيت أو المدرسة عندها يمكن أن نضع خطوطًا للعلاج وتنتهي المشكلة.

هذا ما استطعت تقديمه لك يا أخي العزيز أتمنى أن تكون هذه الخطوط دربًا سليمًا لحل المشكلات الطلابية التي تباشر في حلِّها.
احرص أن تكون نيتك خالصة لله عز و جل ليصبح جهدك عبادة بإذن الله تعالى لقول النبي صلى الله عليه و سلم:”إنما الأعمال بالنيات و إنما لكل امرئ ما نوى”.. أتمنى لك التوفيق.

و لمزيد من المعلومات المفيدة حول هذا الموضوع يمكن الرجوع إلى الموضوعات التالية:
قبل الثامنة: عناد وكذب وسرقة
جهود مدرسية لمنع السرقات الطلابية
استعادة الثقة بالفن و الألوان
رغبة الامتلاك كيف نفهمها؟
التربية بالعواقب …..لا العقاب
فن استثمار المشاكل

 

 

 

 

أ/جاسم علي صويلح