الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
كل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ولم يعرف بردة عن الإسلام (من استهزاء بعقيدة، أو إنكار فريضة، أو استحلال محرم مقطوع به، أو استخفاف بشريعة مجمع عليها) – إذا قتل في المعركة بين المسلمين واليهود الكفار – شهيد من شهداء المسلمين، تجري عليه كل أحكام الشهداء، فلا يغسل ولا يكفن، ويدفن في ثيابه التي قتل فيها، لتظل آثار الدماء والجراح شاهدة له يوم القيامة.

أما هل يعد قتاله وقتله في سبيل الله أم لا ؟ فهذا أمر مرجعه إلى النيات والبواعث والمقاصد التي هي أساس تقويم الأعمال كلها في الإسلام، (إن الله لا ينظر إلى صوركم . ولكن ينظر إلى قلوبكم) . ” إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى “.

والجهاد في الإسلام ليس عملاً دنيويًا، وإنما هو قربة وعبادة من أعظم ما يقرب إلى الله عز وجل لهذا اشترط فيه إخلاص النية لله، وتصفية القلب من كل باعث دنيوي كحب الشهرة أو التظاهر بالشجاعة، أو العصبية لقوم أو عشيرة ونحوها . وفي هذا ورد حديث أبي موسى في الصحيحين وغيرهما: ” أن أعرابيًا أتى النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال: يا رسول الله، الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل ليذكر والرجل يقاتل ليرى مكانه، فمن في سبيل الله ؟ فقال النبي – صلى الله عليه وسلم -: ” من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ” . ” وكلمة الله “: هي الدعوة إلى الإسلام.
وروى أبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه قال: يا رسول الله، أخبرني عن الجهاد والغزو . قال: ” يا عبد الله بن عمرو، إن قاتلت صابرًا محتسبًا، بعثك الله صابرًا محتسبًا، وإن قاتلت مرائيًا مكاثرًا، بعثك الله مرائيًا مكاثرًا، يا عبد الله بن عمرو على أي حال إن قاتلت أو قتلت – بعثك الله على تلك الحال “.

وأما الذنوب التي ارتكبها الشهيد من قبل فهي قسمان:
1 – ذنوب تتعلق بحقوق مالية، كغصب أو سرقة أو ديون وودائع ونحوها، فهذه لا تكفرها الشهادة، لأنها من حقوق أفراد العباد.
روى الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: ” يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين “.
وعن أبي قتادة رضي الله عنه أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قام فيهم فذكر أن الجهاد في سبيل الله، والإيمان بالله أفضل الأعمال، فقام رجل فقال: يا رسول الله، أرأيت إن قتلت في سبيل الله تكفر عني خطاياي ؟ فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ” نعم إن قتلت في سبيل الله، وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر ” ثم قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ” كيف قلت ؟ ” قال: أرأيت إن قتلت في سبيل الله أتكفر عني خطاياي ؟ فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ” نعم إن قتلت وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر إلا الدَّين، فإن جبرائيل قال لي ذلك ” . رواه مسلم وغيره.

2 – وأما الذنوب التي بين العبد وربه كشرب الخمر وترك الصلاة والصيام ونحوها من غير جحود ولا استخفاف فالنصوص ناطقة بأن الله تعالى يغفرها للشهيد، ويطهره من آثارها بفضله ورحمته . فقد جاء في أكثر من حديث: أن الشهيد يغفر له في أول دفقة من دمه، بل جاء في أكثر من حديث: أن الشهيد يشفع في سبعين من أهل بيته.

فكل ذنب لم يصل إلى درجة الردة أو النفاق – والعياذ بالله – يدخل في دائرة المغفرة التي أكرم الله بها الشهداء.
ولعل أبلغ ما يوضح ذلك هذا الحديث النبوي الشريف: روى الدارمي عن عتبة بن عبد السلمي رضي الله عنه قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ” القتلى ثلاثة: مؤمن جاهد بنفسه وماله في سبيل الله، فإذا لقي العدو قاتل حتى يقتل ” . قال النبي – صلى الله عليه وسلم – فيه: ” فذلك الشهيد الممتحن ” (أي الذي امتحن الله قلبه للتقوى، وشرح صدره) في خيمة الله تحت عرشه، لا يفضله النبيون إلا بدرجة النبوة.

ومؤمن خلط عملاً صالحًا وآخر سيئًا، جاهد بنفسه ماله في سبيل الله، إذا لقي العدو قاتل حتى يقتل، قال النبي – صلى الله عليه وسلم – فيه: ممصمصة (أي ممحصة مطهرة مكفرة) محت ذنوبه وخطاياه – إن السيف محاء للخطايا – وأدخل من أي أبواب الجنة شاء.

ومنافق جاهد بنفسه وماله، فإذا لقي العدو قاتل حتى يقتل . فذلك في النار . إن السيف لا يمحو النفاق. (رواه الدارمي بهذا اللفظ في ” مشكاة المصابيح ” وقال المحدث الشيخ الألباني في تعليقه على أحاديث المشكاة: إسناده صحيح . ورواه بنحو هذا الإمام أحمد بإسناد جيد، والطبراني وابن حبان في صحيحه، والبيهقي في ” الترغيب والترهيب ” للمنذري في كتاب الجهاد).
وفي رواية لابن حبان في صحيحه في وصف الصنف الثاني: ” ورجل فرق على نفسه من الذنوب والخطايا، جاهد بنفسه وماله . . . إلخ “.
ومعنى فرق: أي خائف وجزع.

وليس بعد بيان النبوة بيان . إن السيف محاء للخطايا ومطهرة من دنس الذنوب سواء كانت ترك بعض الواجبات أم فعل بعض المحظورات، ولا حجر على رحمة الله تعالى: إن السيف يمحو الخطايا، ولا يمحو النفاق أبدًا . ولا يطهر من رجس الردة والإلحاد.

فالذين يحملون أسماء المسلمين، ويعيشون بين ظهرانيهم ولكنهم يضمرون بل يظهرون أحيانًا – التنقص للإسلام والاستخفاف بأحكامه، والمحادة لدعاته لا يطهر خبثهم شيء، ولو قُتلوا بأيدي اليهود الفجار.
والله أعلم

 

 

 

 

الدكتور الشيخ يوسف عبد الله القرضاوي