بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
على المسلم أن يتفقه في دينه، ويتعلم من أحكامه ما ينفعه، وما يسير به في طريق سوي، حتى لا تختلط عليه الأمور، ويلتبس عليه الحق بالباطل والحلال بالحرام.
ولهذا جاء في الحديث: “طلب العلم فريضة على كل مسلم” والمراد: كل إنسان مسلم، ذكرًا كان أو أنثى، فالمسلمة كالمسلم في طلب العلم بالإجماع، وإن لم يرد في الحديث لفظ “مسلمة”.
إذا لم يتعلم المسلم، تكون النتيجة أنه يسير في طريق، ولكن غير الطريق السليم.. يبتدع في الدين ما ليس منه، ويعبد الله على غير ما شرع، والله تعالى لا يريد من عباده أن يبتدعوا، لأن الله تعالى هو الشارع، وليس لهم أن يشرعوا في دينهم ما لم يأذن به الله. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: “من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ” “إيَّاكم ومُحْدَثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة”.إذا لم يتعلم الإنسان دينه، فقد يحلل الحرام، ويحرم الحلال. يحرم على نفسه ما لم يحرم الله، ويبيح لنفسه أو لغيره ما حرمه الله. قد يَرُدُّ الصحيح ويقبل الباطل، ويُصَوِّب الخطأ، ويُخَطِّئ الصواب، وقد رأيت هذا كثيرًا وعاينته. فمن الناس من يَرُدُّ حديثًا ورد في البخاري بحديث لا أصل له، بعضهم رد الحديث “لن يفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة” وهو ثابت في صحيح البخاري، من أجل حديث “خذوا نصف دينكم عن هذه الحُميراء” يعني عائشة، وهذا الحديث باطل كما حقق العلماء.

وهذا إنما جاء من الجهل بالدين.. فلا بد أن يتعلم الإنسان دينه، فإذا تعلم دينه استطاع أن يسير على هدى، ويمضي على بينة من ربه، ولكن من أين يعرف المسلم أحكام دينه وتعاليمه؟.

هناك طرق لذلك.
فأول هذه الطرق:
هو الكتب الإسلامية المعتمدة. فكل مسلم أدرك حظًا من العلم، ويحسن الفهم من الكتب، يجب عليه أن يقرأ منها ما يلائمه، وأن يتثقف، وأن يعي. ولكن هنا بعض الخطر، فهناك كتب محشوة بالإسرائيليات، وهناك كتب لا تخلو من أحاديث موضوعة أو منكرة، وهناك كتب فيها اتجاهات غير سليمة.

ولهذا يجب ألا يقرأ المسلم من الكتب إلا ما هو موثق ومعتمد من عالم موثوق به في علمه، وفي سلامة اتجاهه، يعرّف المسلم أن هذا الكتاب مقبول أو مرفوض، نافع أو ضار. وقد يكون نافعًا ومقبولاً، إلا في مواضع معينة منه، فيقرأ مع الحذر. مثل كتاب (الإحياء) للإمام الغزالي فهو كتاب نافع، وموسوعة جامعة، ولكن فيه مواضع تتقى وتحذر، وينبغي ردها إلى القرآن والسنة، وما كان عليه سلف الأمة من الصحابة ومن تبعهم بإحسان. كما أن فيه أحاديث واهية أو موضوعة أو لا أصل لها. فلا يجوز أن يعتمد عليها.

ومن آفات هذا العصر، أن الناس لا يريدون أن يقرأوا الكتب النافعة، ولا يصبرون على قراءة الكتب الأصلية، حتى أن بعض الأدباء يسمي هذا العصر، عصر “السندوتش” يعني أن الناس ما عادوا يطيقون أن يجلسوا إلى مائدة حافلة لمدة ساعة من الزمن، يأكلون في أناة، وينصرفون على مهل، إنما يريد أكثرهم (سندوتشًا) سريعًا، يلتهمه وهو ماش أو راكب.

فكذلك الناحية الثقافية أيضًا، يريد القارئ أن يقرأ رسائل صغيرة، ونشرات سريعة. أما أن يقرأ كتابًا في التفسير كابن كثير، أو كتابًا معتمدًا في الحديث كالبخاري أو شرحه، فليس عند كثير من الناس من الطاقة والجلد على ذلك في عصر السرعة.
فإن كان ولا بد من قراءة الكتب الملخصة، فليقرأ الجيد منها بإشراف عالم ثقة وبتوجيهه.
هذه واحدة..
والطريقة الثانية: هي مجالس العلم، ومجالسة العلماء، كما قال لقمان لابنه: “يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك، فإن القلوب تحيا بالعلم كما تحيا الأرض الميتة بوابل المطر”.

الذي يحيي القلوب من العلم هو: العلم النافع، الذي يُذَكِّر بالله والدار الآخرة. ولهذا جاء في كثير من الأحاديث النبوية حَثٌّ على مجالس الذكر، وأنها روضة من رياض الجنة: “إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا. قالوا: وما هي يا رسول الله؟ قال: هي مجالس الذكر أو حلق الذكر” (رواه الترمذي وحسنه).

وبعض الناس يظن الذكر، هو ما يفعله الدراويش وأدعياء الصوفية من الآهات والكلمات والإشارات. إنما الذكر الذي عرفه الصحابة والتابعون هو تذاكر أمور الدين، وتلاوة كتاب الله، وتذاكر الحلال والحرام، وتذاكر التفسير والحديث والفقه.
هذا هو أعظم ذكر. إنه الذكر النافع، خلاف ما يفعله كثير ممن يسمون بالذاكرين.

والطريقة الثالثة للتعلم: أن يسأل المسلم فيما يعرض له من أمور، وما يُعَنُّ له من مشكلات يومية، تشتبه عليه الأمور فيها، ولا يعرف أهي من الحلال أم من الحرام.
لا بد هنا أن يسأل أهل الذكر، وأهل العلم، كما أرشدنا الله تعالى في كتابه بقوله: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) (النحل: 42) أي ارجعوا إلى أهل المعرفة وأهل الخبرة، وهذه قاعدة في الحياة كلها. كما أن الإنسان، إذا مرض هو أو مرض ولده، يرجع إلى أهل الاختصاص في الطب، كذلك في كل أمر من الأمور ومنها أمور الدين.

وفي حياة النبي صلى الله عليه وسلم أصيب أحد الصحابة بجرح، وكان عليه جنابة، ولا بد أن يغتسل ويتطهر. فأفتاه بعض من معه بأن ينزل الماء ويغتسل مع هذه الجراحة. فكانت النتيجة أن الرجل مات من آثار ذلك. فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم خبر هذه الحادثة قال في شأن هؤلاء الذين أفتوه: قتلوه. قتلهم الله ! ألا سألوا إذ لم يعلموا؟ فإنما شفاء العي السؤال. إنما كان يكفيه أن يتيمم.. (رواه أبو داود عن جابر، كما رواه هو وأحمد والحاكم عن ابن عباس، وذكره الألباني في صحيح الجامع الصغير).
والله أعلم

 

 

 

 

الدكتور الشيخ يوسف عبد الله القرضاوي