التمييز بين الشريعة والفقه
لقد رأى الدكتور السنهوري في الإسلام دينًا ودولة، مع تميز الدين فيه عن الدولة، فهو جامع بينهما، ومميز -في ذات الوقت- لكل منهما عن الآخر.. فالدين الإسلامي فيه “العقيدة” و “الشريعة”، وعقيدته خاصة بالمسلمين دون سواهم، أما شريعته، ففيها “عبادات” و “معاملات”، وعباداتها خاصة بالمسلمين وحدهم، بينما معاملاتها، التي بسط الفقهاء مبادئها ونظرياتها وقواعدها في “الفقه الإسلامي” فإنها جزء من ثقافة الأمة، وأساس مدنيتها المتميزة، وقانونها الذي أبدعته الأمة -بالاجتهاد- الذي مارسته وتمارسه “سلطة الإجماع” -إجماع الفقهاء- الذين هم نواب الأمة، الذي يتولون -نيابة عنها- سلطاتها في التشريع والتقنين.
وإذا كان القرآن الكريم هو البلاغ الإلهي، وكانت سنة رسول الله r هي البيان النبوي لهذا البلاغ القرآني، فإن السنهوري قد رأى أن ما في القرآن والسنة -وهما المصادر العليا للفقه الإسلامي- خاصًا بهذا الفقه -كقانون عام لكل الأمة على اختلاف عقائدها الدينية- هو “التوجيهات” التي ترسم للفقه فلسفته التشريعية، ومبادئه الكلية، ونظرياته العامة، وقواعده التي تستنبط منها الأحكام… فالقرآن والسنة -وهما جماع الدين الإسلامي- ليسا الفقه الإسلامي -الحاكم والموحد لكل الأمة- وإنما فيهما “التوجهات” التي يبدع في إطارها الفقهاء -نواب الأمة- صناعة الفقه -كقانون محض- بواسطة سلطة وآلية الإجماع.
فهذا الفقه الإسلامي ليس “دينًا خالصًا” حتى يكون خاصًا بالمسلمين وحدهم دون سواهم من رعية الدولة الإسلامية، بل إن “توجهاته” التي جاء بها القرآن والسنة من الممكن أن تجاوزها وتزاملها “توجهات” الشرائع الكتابية السابقة على الرسالة المحمدية -في ملة إبراهيم وشريعة موسى ووصايا المسيح -عليهم الصلاة والسلام-؛ أي أن شرائع غير المسلمين -من رعية الدولة الإسلامية- في المعاملات -إذا وجدت ولم ينسخها التطور والتغير- كما هو حال الوصايا العشر مثلا، والقيم الإيمانية والأخلاقية: هي جزء من الشريعة الإسلامية، وفق القاعدة الإسلامية: “شريعة من قبلنا شريعة لنا ما لم تُنسخ”.
ومن ثم فإن هذه الشريعة الإسلامية، في توجهاتها الخاصة بالمعاملات، والحاكمة لصناعة الفقه والقانون، هي المرجعية الحاكمة لكل الأمة -وليس للمسلمين وحدهم- في شئون الدولة والمدنية والثقافة والقانون، وإذا كان غير المسلمين قد تُركوا وما يدينون به من عقائد، أي أن منطقة اختصاصهم وتميزهم عن غيرهم هي العقائد والعبادات، فإن المسلمين مثلهم في هذا التميز والاختصاص لهم عقائدهم وعباداتهم الخاصة بهم، والتي لا يعممونها على الآخرين.
فكل أبناء الديانات المتعددة في الدولة الإسلامية يتمايزون في العقائد والعبادات المتمايزة، بينما يشتركون جميعًا في الاحتكام إلى فقه واحد، وقانون واحد، وضعه فقهاء الأمة، الذين ينوبون عن الأمة في ممارسة سلطاتها في التشريع والتقنين، فالفقه الإسلامي فقه محض، وقانون خالص لكل الأمة، يصوغه فقهاء الأمة بسلطة الإجماع، في إطار توجهات الشريعة الإسلامية، وما لم ينسخ من توجهات الشرائع السماوية السابقة على شريعة الإسلام.
هكذا بلور السنهوري باشا النظرية الإسلامية في علاقة الدين بالدولة، وأبان الصلات الجامعة والخطوط المميزة بين العقيدة والشريعة، وبين عبادات الشريعة ومعاملاتها، وبين الشريعة والفقه، وبين ما في الكتاب والسنة مما هو خاص بالعقائد والعبادات، وما هو خاص بالتوجهات الحاكمة لصناعة القانون والفقه، بواسطة سلطة الأمة في التشريع والتقنين بواسطة الإجماع.
ولقد ألحّ السنهوري على تفصيل وتأكيد هذه النظرية الإسلامية، منذ كتابه عن “فقه الخلافة” -سنة 1926م- وحتى دراسته عن “القانون المدني العربي” -سنة 1953م-.
فالسنهوري من موقع الخبرة والأستاذية في صناعة القانون، وفي فقه الشريعة الإسلامية قد بلور -وهو يميز بين الدين والدولة- التمييز بين الشريعة والفقه، فما في الشريعة -التي هي وضع إلهي ثابت- للفقه -الذي هو علم الفروع المتطورة بالاجتهاد دائمًا وأبدًا- هي توجيهات، أغلبها مبادئ وقواعد ونظريات وفلسفات تقنين، أكثر مما هي تفصيلات للقوانين والأحكام.
ولهذه الحقيقة من حقائق الفقه الإسلامي تميز هذا الفقه “بالمرونة” و”التطور”، بينما تميزت الشريعة بالوضع الإلهي الذي لا تبديل فيه، والثبات الذي لا يعتريه التغيير، وبعبارة السنهوري: “ففقه هذه الشريعة كثوب راعى الشارع في صنعه جسم من يلبسه، وكان صغيرًا، ولحظ في صنعه نمو هذا الجسم في المستقبل، فبسط في القماش بحيث يمكن توسيع الثوب مع نمو الجسم”.
ويمضى السنهوري -بعد هذا التصوير لمرونة الفقه الإسلامي- فيعزو ظواهر الجمود في الفكر الإسلامي، وظواهر الانفلات من هذا الفكر إلى غيبة هذه الحقيقة عن كل من أهل الجمود وأهل الانفلات، فيقول: “ولكن هذه الحقيقة غابت عن عامة المسلمين فانقسموا فريقين:
أحدهما: لبس الثوب على الضيق فاختنق.
والثاني: لم يطق هذا الضيق فمزق الثوب ولبس عاريًا.
على أن الثوب صالح للتوسيع دون أن يضطر لابسه إلى الاختناق أو التمزيق..”.
ولأن مشروع السنهوري باشا كان أسلمة الشرق… وذلك:
– بإقامة جامعة الأمم الإسلامية على أساس الشريعة الإسلامية.
– وبعث المدنية الإسلامية المتميزة عن المدنية الغربية بمميزات الإسلام عن المسيحية.
– واستدعاء الشريعة الإسلامية بالدراسات الجديدة، والاجتهاد الجديد لتتخطى أعناق القرون إلى العصر الحديث.
ولأن ما يعني هذا القانوني العظيم من الإسلام وشريعته كان -في الأساس وقبل كل شيء- هو الفقه الإسلامي -وفقه المعاملات تحديدًا- أي: القانون الإسلامي، فلقد كان لتجديد الفقه الإسلامي بتحديث دراساته مكان ملحوظ في مشروعه الفكري.
خطوات عملية لتجديد الفقه
ولقد أراد السنهوري ألا تقف أفكاره ومشاريعه الرامية إلى تجديد دراسات الفقه الإسلامي، والتي علق عليها إمكانات فتح باب الاجتهاد الجديد في الشريعة الإسلامية، لتتخطى أعناق القرون وتحكم الواقع المعاصر، أراد السنهوري لمشروعه هذا ألا يكون مجرد “أفكار” فتحدث عن ضرورة إقامة مؤسسة علمية وتعليمية للنهوض بهذه الدراسات الحديثة، التي وضع لها العديد من الملامح والمعالم والتفاصيل، بل والميزانيات.
لقد بدأ مشروعه -مرحلياً- باقتراح “دبلوم في قسم الدكتوراه بالجامعة للفقه الإسلامي”، على أن يتطور هذا “الدبلوم” إلى “معهد للفقه الإسلامي” -تابع للجامعة- يمنح “دبلومات” عليا ممتازة في الفقه الإسلامي، والدكتوراه في الفقه الإسلامي، وذلك تمهيدًا لاستقلال هذا المعهد عن الجامعة، ليصبح مؤسسة علمية وتعليمية خاصة بالدراسات العليا في الفقه الإسلامي.
وإلى جانب الدراسات الأكاديمية العليا في الفقه الإسلامي، ومقارنة هذا الفقه بالمنظومات القانونية الأخرى، في الدبلومات والرسائل العلمية المتخصصة، اقترح السنهوري إنشاء مجلة متخصصة للفقه الإسلامي، ونشر كتب ورسائل هذا الفقه في سلسلة علمية متخصصة.
واقترح كذلك إنشاء “كراسيّ” علمية في هذه الدراسة التعليمية لمختلف التخصصات التي تبعث الحيوية والتجديد والاجتهاد في صناعة الفقه، كرسي للفقه الإسلامي، وثانٍ للدراسات المقارنة بين مذاهب هذا الفقه، وثالث لمقارنة الفقه الإسلامي بالقوانين الغربية، ورابع لأصول الفقه، وخامس لتاريخ هذا الفقه.
وأخيرًا، مكتبة متخصصة في مصادر الفقه الإسلامي والعلوم المتصلة به.
هكذا فكر السنهوري في هذه المؤسسة العلمية التعليمية المتخصصة في تجديد دراسات فقهنا الإسلامي العتيد، لنصل بهذا التجديد إلى أسلمة القانون الحديث، بل لقد اعتبر هذا المشروع “الأمل المقدس” الذي انطوت عليه جوانحه، وهفا إليه قلبه، ولم يبرح ذاكرته منذ سن الشباب وطوال سنوات عمره المديد.
وإذا كان السنهوري قد صاغ معالم مشروع هذه المؤسسة العلمية التعليمية، وهو بدمشق، يضع لسوريا قانونها المدني، المستمد من الفقه الإسلامي، فلقد عاود السعي لتحقيق هذا “الأمل المقدس”، بعد إنجازه القوانين المدنية لمصر والعراق وسوريا، وتطلعه إلى قانون مدني عربي موحد، نابع من الشريعة الإسلامية والفقه الإسلامي المتجدد، فانتهز فرصة قيام جامعة الدول العربية، وتحدث إلى أمينها العام -الدكتور عبد الرحمن عزام [1311-1396هـ/1893-1976م] -في أمر إنشاء “جامعة علمية للثقافية العربية”- تابعة للجامعة العربية- على أمل أن يكون “معهد الفقه الإسلامي” أحد مؤسسات هذه الجامعة العلمية للثقافة العربية، وسجل هذا السعي إلى هذا “الأمل المقدس” في أوراقه الخاصة، فقال في ذكرى عيد ميلاده السادس والخمسين: “لقد ازددت يقينًا -وأنا اليوم أستقبل السابعة والخمسين من عمري- بأن مشروع الفقه الإسلامي، وما ينبغي لهذا الفقه المجيد من دراسة علمية في ضوء القانون المقارن، قد انغرس في نفسي وأصبح جزءاً من حياتي يكبر معها، ولكنه لا يشيب ولا يهرم. وقد وافاني توفيق الله، فصدر القانون المدني المصري، ثم القانون المدني العراقي، فأصبح الآن من المستطاع أن يستخلص من التقنينات الثلاثة “قانون مدني عربي” هو الذي يكون محل الدراسة والمقارنة بالفقه الإسلامي العتيد.
فإذا ما استطعت أن أحقق أملاً يجيش في نفسي، فأحمل جامعة الدول العربية على أن تنشئ جامعة علمية للثقافة العربية -تحدثت في شأنها إلى الأمين العام- أمكنت دراسة الفقه الإسلامي والقانون المدني العربي في معهد خاص ينشأ في داخل هذه الجامعة.
فاللهم اكتب لي أن أحقق هذا الأمل المقدّس الذي تنطوي عليه جوانحي، ويهفو إليه قلبي، ولا يبرح ذاكرتي منذ سن الشباب إلى اليوم، وقوّني اللهم على الاضطلاع به..”. هكذا كان تجديد دراسات الفقه الإسلامي -المجيد العتيد- لأسلمة القانون الحديث هو الأمل المقدس لهذا المصلح العظيم -الدكتور عبد الرزاق السنهوري باشا- انطوت عليه جوانحه، وهفا إليه قلبه، ولم يبرح ذاكرته منذ فجر حياته الفكرية والعلمية، تتقدم الأعوام بعمر السنهوري وحلمه -هذا- العظيم يكبر مع الأعوام، لكن دون أن يهرم أو يشيب، حتى ليجعل دعاءه إلى الله في ذكرى عيد ميلاده أن يعينه على تحقيق هذا الأمل المقدس العظيم.

            عـودة