أخي الكريم،
مسألة اختلاف الفقهاء هذه من المسائل التي فُهِمَت خطأً على أنَّها عيب، بينما في الواقع هي مفخرة، لأنَّها تثبت صلاح الشريعة الإسلاميَّة لكلِّ عصرٍ وأوان، واستيعابها لكلِّ أصناف البشر واختلافاتهم، بل الكون كلُّه متنوِّعٌ متعدِّد: “ومن كلِّ شيءٍ خلقنا زوجين لعلَّكم تذكَّرون”، “وفي الأرض قِطَعٌ متجاوراتٌ وجنَّاتٌ من أعنابٍ وزرعٍ ونخيلٍ صنوانٌ وغير صنوانٍ يُسقَى بماءٍ واحدٍ ونفضِّل بعضها على بعضٍ في الأُكُل إنَّ في ذلك لآياتٍ لقومٍ يعقلون”.
فالاختلاف والتنوُّع في أصل الحياة.
كما أنَّ هذا الاختلاف البشريَّ مرادٌ من الله تعالى، استمع معي إلى قوله تعالى: “ولو شاء ربُّك لجعل الناس أمَّةً واحدةً ولا يزالون مختلفين، إلا من رحم ربُّك ولذلك خلقهم..”، قال الحسن ومقاتل وعطاء: “(ولذلك خلقهم) الإشارة للاختلاف، أي وللاختلاف خلقهم”.
وفي تفسير قوله تعالى: “هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آياتٌ محكماتٌ هنَّ أمُّ الكتاب وأُخَر متشابهاتٌ فأمَّا الذين في قلوبهم زَيْغٌ فيتَّبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا اللهُ والراسخون في العلم يقولون آمنَّا به كلٌّ من عند ربِّنا وما يذكَّر إلا أولوا الألباب”، يقول الإمام ابن كثير: “(وأُخَر متشابهات) أي تحتمل دلالتها موافقة المحكَم، وقد تحتمل شيئاً آخر من حيث اللفظ والتركيب لا من حيث المراد”.
ومن الآية السابقة نفهم منطق الاختلاف في الشريعة الإسلاميَّة، فهي توضِّح أنَّ في الدين مسائل بيَّنها الله تعالى بنصوصٍ واضحةٍ ودون لبسٍ أو غموض، وهي ما يمكن أن نسمِّيها أصل الدين وقِوامه، وهي النصوص التي ترسم معالم الدين وقواعده، وما عداها من نصوصٍ فهي التي فيها الاختلاف، بل هي بنصِّها تسمح بالاختلاف حتى تحتوي جميع الاختلافات البشريَّة، وتتناسب مع كلِّ العصور والأزمنة.
فديننا إذن: إطارٌ عامٌّ واضحٌ ومحدَّد، ومساحةٌ واسعةٌ من الاختلاف داخل هذا الإطار.

وقد نقلت مجموعةً من أقوال سلفنا في “مفخرة” هذا الاختلاف في استشارةٍ سابقةٍ أتمنَّى لو ترجع لها، وعنوانها:
الاختلاف الفقهي.. مفخرة لا عيب

أمَّا أسباب هذا الخلاف فعديدة، أذكر لك بعضها مختصراً هنا، وأحيل بعد ذلك إلى فتويين في بنك الفتوى بموقعنا، وإلى بعض الكتب التي تعرَّضت لهذا الموضوع.

* أسباب اختلاف الفقهاء “باختصار”:
– اختلاف القراءات.
– الاختلاف في ثبوت النصّ.
– الاختلاف في فهم النصّ.
– الاختلاف في دلالة النصّ.
– عدم ورود النصِّ للفقيه.

* فتويان حول الموضوع:
أسباب أختلاف الأئمة الأربعة وحكم تقليد غيرهم
ما أسباب اختلاف الأئمة

* كتبٌ ومراجع في الموضوع:
– الإنصاف في بيان أسباب الخلاف للعلاَّمة وليِّ الله الدهلويّ- تحقيق الدكتور عبد الفتَّاح أبو غدَّة.
– أثر الحديث الشريف في اختلاف الأئمَّة الفقهاء للشيخ محمَّد عوَّامة.
– الاختلافات الفقهيَّة: حقيقتها- نشأتها- المواقف المختلفة فيها للدكتور محمَّد أبو الفتح البيانوني.
– الاختلافات الفقهيَّة لدى الاتِّجاهات الإسلاميَّة المعاصرة للأستاذ محمَّد عبد اللطيف محمود.

أخي الكريم،
الحديث في هذا الموضوع يطول، وقد حاولت تلخيصه، وأتمنَّى ألا أكون قد أخللت.
وأهلاً بك.

 

 

الدكتور كمال المصري