بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله
وبعد:
أمر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بإخراج صدقة الفطر، فروى عنه جرير ـ رضي الله عنه ـ أنه قال: “صوم شهر رمضان مُعَلَّق بين السماء والأرض، ولا يُرفَع إلا بزكاة الفِطْر”، وقد عُلِّلَت فرضيتُها، بأنها طُهْرة للصائم من اللَّغْو والرَّفَث، وطُعْمة للمساكين، في حديث ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: “فرض رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ صدقةَ الفِطْر، طُهْرةً للصائم من اللغو والرفَث وطُعْمة للمساكين”.
وقد فُرِضت زكاة الفطر في السنة الثانية من الهجرة، وحكم إخراجها عند الجمهور فرض، لدخولها في عموم الزكاة، المأمور بإخراجها، في قوله، تعالى: (وآتُوا الزكاةَ).
ولِمَا رُوِيَ عن ابن عمر، رضي الله عنهما: “أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فرض زكاة الفطر من رمضان على الناس، صاعًا من تمر، أو صاعًا من أقِط، أو صاعًا من شعير، على كل حر وعبد، ذكر وأنثى من المسلمين”، وتجب هذه الصدقة على كل مسلم ، صغيرًا كان أو كبيرًا، ذكرًا أو أنثى، غنيًّا أو فقيرًا، إذا كان لدى الفقير مقدارها، فاضلًا عن قُوته، وقوت مَن تَلْزَمُه نفقته ليلة العيد ويومه، وفاضلًا عن مسكنه ومتاعه و حاجاته الأصلية، وتجب على اليتيم، ويُخرجه عنه وليُّه من ماله، ولا تجب عن الجنين عند الجمهور، وأوجب إخراجها عنه ابن حزم الظاهري إذا اكتمل له مائة وعشرون يومًا قبل فجر يوم العيد.

والواجب في صدقة الفطر صاع من أي طعام؛ لحديث أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ قال: “كنا نخرج زكاة الفطر إذ كان فينا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ صاعًا من طعام، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من زبيب، أو صاعًا من أقط، فلم نزل كذلك حتى قَدِم معاويةُ المدينةَ، فقال: إني لأرى مُدَّيْن من سمراء الشام يَعدِل صاعًا من تمر، فأخذ الناس بذلك، قال أبو سعيد: فلا أزال أُخرِجُه كما كنتُ أخرجه”، والطعام الوارد في الحديث مراد به في عُرف أهل الحجاز الحنطة خاصة.
وهذه الأصناف التي ذُكرت في الحديث ليست مقصودةً لذاتها عند المالكية والشافعية، بل يُجزئ عند جمهورهم إخراج صدقة الفطر من غالب قوت البلد، ومذهب الحنابلة عدم جواز إخراج صدقة الفطر من غير هذه الأصناف الخمسة إلا عند عدمها، فيَخرُج ما يقوم مقامها حينئذ، وقيل: غير ذلك، إلا أن الأصناف التي ذُكِرت في الحديث ليست واردة على سبيل الحصر، حتى لا يجوز غيرها، وإنما كانت غالب أقوات البيئة العربية حينئذ، فجاء ذكرها في الحديث تعبيرًا عن الغالب من أقوات الناس في تلك الفترة، وهذا لا ينفي غلَبة بعض الأقوات على بعض المجتمعات دون بعض، وفي بعض الأزمنة دون بعض، ولهذا فإني أرى رُجْحان مذهب القائلين بإخراج هذه الصدقة من غالب قُوت بلد المعطي، ومِقْدار الصاع بالأوزان العصرية = 2156 جرامًا تقريبًا، ومذهب الجمهور عدم إجزاء إخراج القيمة في هذه الصدقة من النقود، استدلالًا بقول ابن عمر: “فرض رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ زكاة الفطر من رمضان على الناس صاعًا من تمر، أو صاعًا من أَقِط..” الحديث، مما يدل على أن إخراج هذه الأجناس هو المُجزِئ دون غيره، وقال جماعة فقهاء التابعين وغيرهم ومنهم الحنفية: إنه يُجزِئ إخراج القيمة في صدقة الفطر؛ لما روي عن عمر بن عبد العزيز أنه كان يأخذ القيمة في الزكاة، ولِمَا روي عن طاووس أنه قال: “لما قَدِم معاذ اليمن قال: ائتوني بعَرْض ثيابكم آخذُه منكم، مكان الذرة والشعير، فإنه أهون عليكم، وخير للمهاجرين بالمدينة”، وروي عن عطاء قال: كان عمر ـ رضي الله عنه ـ يأخذ العُروض في الصدقة من الدراهم”، وروي عن الحسن البصري قال: “لا بأس أن تُعطَىَ الدراهم في صدقة الفطر”، وعن أبي إسحاق قال: “أدركتُهم ـ يقصِد أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهم يؤدُّون في صدقة رمضان الدراهم بقيمة الطعام، وروي عن عطاء: أنه كان يعطي في صدقة الفطر دراهم؛ فحجة القائلين بإجزاء القيمة في هذه الصدقة آثار الصحابة ومَن دونهم من التابعين، وإن صح المرويُّ عن الصحابة فإنه يكون بمثابة المرفوع إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأن هذا الأمر لا مجال فيه للرأي، فالأشبه أن فعل معاذ وعمر وسائر الصحابة رضوان الله ـ تعالى ـ عليهم، من قَبُول القيمة أو إعطائها في الصدقة توقيف، وربما كان شيوع المُقايَضة، وقلة التعامل بالنقد عند العرب لنُدرته في وقت فَرْض هذه الصدقة، سببًا في جعلها في الأطعمة، لسهولة المُقايَضة عليها، أَمَا وقد كثُرت النقود وكثُر التعامل بها، وندرت المقايضة على العروض أو انعدمت، فإن الأنفع لمَن تؤدَّى إليه هذه الصدقة بذل القيمة، وربما كانت حاجتهم إلى هذه القيمة تَفُوق حاجتهم إلى أي أجناس الصدقة، ولو كان مما يَغلِب اقتياته، وقول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: “اغنُوهم ـ أي المساكين ـ عن السؤال في هذا اليوم، يقتضي إشباع حاجتهم فيه، وإشباع حاجتهم لا يكون بالطعام فقط، فقد يكون بهم حاجة إلى كساء أو دواء أو نحو ذلك، ودفع الأطعمة إليهم لا يفي بمثل هذه الحاجات، فكان في دفع القيمة إليهم تحقيقًا لهذا الإشباع وامتثالًا لما أمر به رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويُسْتَحَبُّ إخراج صدقة الفطر يوم الفطر قبل الصلاة؛ لما روي عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما: “أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمر بزكاة الفطر أن تؤدَّى قبل خروج الناس إلى الصلاة”، ولما رُوِي عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال في صدقة الفطر: “مَن أدَّاها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومَن أداها بعد الصلاة، فهي صدقة من الصدقات”، ويجوز تعجيلها قبل العيد بيومين، كما كان يفعل أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا كانوا يعطونها قبل العيد بيوم أو يومين، وهو المعتَمَد عند المالكية والحنابلة، ومذهب الحنفية جواز تعجيلها من أول العام كزكاة المال، ومذهب الشافعية جواز تعجيلها من أول شهر رمضان؛ لأن سببها الصوم والفطر، فإذا وُجِد أحد السببين جاز تعجيلها كزكاة المال، ويلزم الإنسان أن يُخرجَها عن نفسه وعمَّن تلزمه نفقتهم من عياله وزوجته وأقاربه، وتُصرَف في مصارف الزكَوات، فلا يجوز دفعها إلى مَن لا يجوز دفع زكاة المال إليه، ويجوز أن يُعطَى منها الأقارب الذين يُعْطَوْنَ من زكاة المال، إذا كانوا ممَّن تُصرَف إليهم، ولا يُعطَى منها أحد ممَّن مُنِع أخذ زكاة المال.
والله أعلم .

 

 

 

أ.د عبد الفتاح إدريس ـ الأستاذ بكلية الشريعة والقانون ـ جامعة الأزهر الشريف