الأب الجديد، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
لعل الغد القريب يطل عليك بذخيرة من الخبرات التربوية، فكم أسعدتنني جملة: ” كوالد بدون خبرة” فالقليل من الرجال من يعترف بهذا؛ و يركب الكبر بادعاء علم ليس لديه ويكون الأبناء ضحية للجهل والكبر وما أشنعهما من آفتين، رزقك الله العون من فضله وفتح عليك بهذه النية والعزيمة الطيبة.

العناد سلوك متوقع من معظم الأبناء خصوصا إذا كانوا يتمتعون بالذكاء أو ولدوا بقدرات مميزة كالصلابة وقوة الشخصية؛ فالشخصية القوية تتميز بأنها محددة تعرف بالضبط ما تريد ولديها إصرار قوي للوصول إلى ما تريد.

وإذا كنا جميعا كآباء نتمنى أن يتمتع أبناؤنا بشخصية قوية، لكن هذه الشخصية لها محاذير في التعامل معها؛ لأنها تخلق باستعداد وراثي لأن تتحول هذه الصلابة إلى سلوك العناد المزعج إذا وُجِهَت بحوائط صد أو معوقات من عدم صبر وتفهم من الوالدين في مراحل التربية الأولى.

وبالتالي لا يمكن التكهن بالأسباب التي كانت سببا في نشأة العند لدى طفلتك دون أن نسمع من الأم عن مدى علاقة الطفلة بأمها، فأحيانا يكون العند نتيجة معاملة هذا الطفل الذكي ذي الشخصية القوية بعدم تقدير لتفرد شخصيته أو احترام ذكائه بعصبية وعدم صبر أو معاملته بتدليل فيها تلبية لكل رغباته وإغراقه بالحب والعطف غير المرشد مما يولّد عنده إحساسا أنه يملك كل شيء وأنه يستطيع أن يملك كل ما يريد و لا تظهر عاقبة ومساوئ هذا النوع من التربية ألا عندما يكبر الطفل.

إذن ما هو العلاج ؟

من الطريف أيها الأب الكريم أنك حملت الحل في الجزء الثاني من سؤالك عندما سألت عن “الوقت الملائم لسرد القصص لطفلتك والعناوين التي يفضل البدء بها في هذا السن؟

-عليك أن تختار القصص ذات الطابع التربوي وتبتعد في هذه المرحلة عن القصص ذات الطابع الخيالي والتي يعتمد أبطالها في حل مشاكلهم على الحلول الخيالية مثل قصة سندريلا وتركز على القصص ذات الطابع التهذيبي.

-ركز على قصص الطيور والحيوانات وخصوصا التي تحكي عن علاقة الحيوان أو الطائر بالأم وكيف أن الحيوان الفلاني حصل له كذا وكذا عندما لم يسمع كلام أمه، وحكاية البطة التي تاهت عندما عصت أمر والدتها بابتعادها عن البيت وظلت تبكي عندما وجدت نفسها وحيدة في الغابة وعندما وجدتها والدتها اعتذرت لها وطلبت منها أن تسامحها بقولها: “أنا آسفة اتركوني أحاول مرة ثانية” ومهم جدا أن تنتهي كل حكاية بهذه الجملة: “اتركوني أحاول مرة ثانية”، وذلك لشيئين: الأول: أن التغيير وتعديل السلوك غير المرغوب واستبداله بالمرغوب طبيعي أنه لا يأتي بين يوم وليلة، بل يحتاج إلى محاولة وعدم يأس في تكرار المحاولة مرة وثانية وثالثة فهذه هي سنة الله في خلقه “وخير الخطائين التوابون” وبهذا تسهم لا في تعديل سلوكها الحالي فقط، وإنما أيضا في إرساء وضع لبنات لتكوين الضمير لديها.

– فض أي التباس أو خلط قد يتسرب إلى نفس الطفلة؛ فالأطفال عادة خصوصا في هذه السن المبكرة لا يفرقون بين شخصية الآباء وردود أفعالهم (وهو ضربك لها في بعض الأحيان وبين عاطفتك وحبك لها)؛ وهذا سيوصل لها رسالة “أن بابا وماما سيسامحونني ويعطونني فرصة ثانية لأحاول من جديد إذا اعترفت بخطئي و لم أكرره فهذا سيعمل على مد جسور من الحب والتفاهم بينكم وبين ابنتكم يمكنكم جميعا الالتقاء عليه إذا اختلفتم.

-لا تحسب أن هذا الأمر سيكون مجهدا على الإطلاق بمنتهى البساطة يمكنك أن تؤلف كل يوم حكاية من أحداث اليوم المنصرم تتضمن فيها بذكاء وبطريقة لطيفة كل ما كنت تريد توجيهها إليها، وتقوم فيها بتخويفها من عنادها بطريقة لطيفة.

-اختر أبطال القصة من حيوانات البيئة التي تعيش فيها الطفلة والأفضل أن تختار حيوانا أو طائرا محببا لديها.

-حاول تثبيت أبطال القصة بحيث تتحول إلى رموز بمعنى هناك في القصة دائما بطة سوداء وأخرى بيضاء، البيضاء هي التي تفعل الأشياء الجميلة والسوداء هي التي تفعل الأشياء السيئة، وليست التي شعرها أسود، فمثلا قطة سرقت الطعام من البيت وهي بيضاء قل لها: هذه قطة سوداء لأنها أخذت ما ليس لها فستقول لك: لكنها بيضاء، فتقول لها: يعني قلبها أسود.

لا تقرأ لها أي قصة في أي وقت، وإنما القصة التي تحتوي على المضمون الذي تريد أن توصله لها والمرتبط بما فعلته في هذا اليوم، فإذا كان هذا المضمون في قصة مطبوعة فأهلا وإلا قمت أنت بتأليف قصة كما أوضحنا.

سيكون من الجيد لو قمت أنت بسرد هذه القصص عليها باعتبارك ممثل القيم والصحيح والخطأ.

وهكذا يمكنك إيصال كل ما تريد عن طريق اللعب والقصص، ولنا في رسول الله ( صلى الله عليه وسلم) الذي اتبع هذا الطريق- الحكاية وضرب المثل- في توجيهه وتعديل سلوك أمة بأكملها خير قدوة.
كلما زاد عطاؤك لها واستيعابك وذكائك في القص لها أنت ووالدتها كانت النتائج أفضل.

-لا ينصح أبدا بتبني الضرب طريقا للتوجيه فلن ينتج عنه ألا أن تخاف منك وترهبك وهذا ما لا نريده؛ لأنها لو خافت منك لن تمتثل لما تريد أن توجهها إليه.

-يمكنك أن ترسخ قيم الإيثار والتعاون لديها من خلال زيارات لحديقة الحيوان وتجعلها تشاهد الحيوانات التي يغلب على سلوكها التعاون وتقول لها: انظري جميل القطط بتلعب مع بعضها هذه القطة بتلعب مع أختها…”

أما بالنسبة لسفرك فإن تأثير ذلك على سلوكياتها متوقف على علاقتك بالأم بمعنى أنه لو كان سفرك يؤثر على زوجتك ويجعلها عصبية المزاج ومنفعلة بغيابك ويؤدي إلى توترها على الأطفال فإنه سيكون عاملا من عوامل سلوكها هذا، فالأم هي المسئولة عن علاقة الأب بأبنائه “فدور الأب مرهون دائما بوساطة الأم”، وبالتالي إذا كنت حريصا على استقرار علاقتك بزوجتك وتعمل على استمرار التفاهم بينكما وكانت متفهمة لطبيعة عملك فستنقل هي بدورها بتلقائية هذا المعنى لطفلتك وستقول لها دائما: إن بابا يسافر من أجلنا فهو يعمل ليحضر لنا ما نحب ونحتاج إليه، وتعدد لها ما تحضره بطريقة تناسب سنها وفهمها.

ومن جانبك فعليك أن تعمل على استثمار وقت تواجدك على نحو يعوضها عن فترات غيابك، وأقصد عاطفيا ونفسيا أما على المستوى المادي فالأفضل أن تكون معتدلا وتتصرف وكأنك مقيم معها طوال الوقت حتى لا تقع في تأصيل مقدمات الأنانية لديها بكثرة الإغداق عليها بالألعاب والأموال.

الأب الكريم نسأل الله أن يصلح لك طفلتيك ويعينك على حسن أداء أمانتهما علك تكون من الفائزين فقد قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): “من كان له ثلاث بنات يؤدبهن، ويرحمهن، ويكلفهن؛ وجبت له الجنة البتة، قيل يا رسول الله: فإن كانتا اثنتين؟ قال:وإن كانتا اثنتين، فرأى بعض القوم أن لو قال واحدة لقال واحدة” رواه أحمد والبراز والطبراني وزاد”ويزوجهن”

و لمزيد من المعالجات المفيدة لموضوع العند يمكن الرجوع إلى الاستشارات التالية:
علاج العند بقوانين الكرة
التعامل مع الغاضبين الصغار
د. مي حجازي