السائل الفاضل.. هناك مثل مصري شهير يقول: “إذا عُرِف السبب بَطُل العجب”. لم تكن رسالتك هي الأولى منذ بداية الصفحة التي تشتكي عناد هؤلاء الصغار وإعلانهم العصيان على والديهم فجأة ودون سابق إنذار، وكأنهم مارد خرج لتوِّه من قمقمه دون أن يسمح له أحد بذلك؛ لذا دعنا نبحث السبب ليزول العجب، آخذين في الاعتبار أن ننظر للجانب المشرق والمثمر في الأمر.

إن طفلك أشبه الآن بالفراشة التي خرجت لتوِّها من شرنقتها، وقد اكتشفت جمال أجنحتها القادرة على التحليق والطيران تنهل من رحيق الأزهار ما شاء لها.

هذا بالضبط ما حدث لطفلك.. فهو بدأ في خطو أولى خطواته نحو الاستقلال، بعد أن اكتشف في خلال محاولاته لاكتشاف المحيط من حوله أنه قادر على فعل شيء، وأنه ذات منفصلة عن والديه، وخصوصًا والدته التي كان متوحدًا معها، ولا يملك فعل كل ما تطلبه منه؛ فمرحلة الـ3 سنوات، والتي قد تأتي مبكرة عن ذلك، تعرف أو تتسم بالعناد عند الطفل، وتعرف بمرحلة الرغبات المضادة؛ لأنها بداية لنمو شخصية الطفل، وبداية إعلانه لرغبته في حق الاستقلال والانفصال، حيث يبدأ الطفل في هذه المرحلة باستجماع كل طاقته؛ ليعلن بخطوات ملؤها الإصرار رغبته في الانفصال نفسيًّا عن الآخر، وبالتأكيد فإن ما مرَّ بالطفل في خلال سنتيه الاثنتين السابقتين وكوَّن شخصيته، يبدأ في الظهور في أفعاله وتصرفاته؛ فإذا كان يُعامل بعنف يتحول إلى عناد في السلوك.

-ولهذا كنا نودّ الاستفسار عن علاقته بوالدته، وطريقة معاملتكم له خلال السنتين الماضيتين.
-وكذلك هل لطفلكم اختلاط مع أطفال آخرين من سنه سواء من أبناء الجيران أم لا؟
– وكنصائح عام وقائية لتفادي العناد والعدوانية في هذه المرحلة، ينصح التربويون باتباع الآتي:

1 – إعطاء الطفل فرصة للتعرف على ما حوله تحت إشراف الآباء، بحيث لا يضر الطفل بنفسه أو بما يحرصون على حمايته منه، ومن ذلك اللعب بالماء، وعدم منعه من ذلك؛ بسبب ما ينتج عنه من بلله لملابسه، فإن هذا المنع لا يشبع في الطفل تعطشه للخبرة والاستطلاع والرغبة في البحث والتجربة، وحتى في الشتاء فما المانع من ترك هذه الفرصة للطفل أثناء الاستحمام؛ ليتحول إلى لحظات من المتعة وتفريغ الطاقة.

2- وكذلك تقديم ورق وجرائد أو قطعة من القماش مع مقص؛ ليتعلم الطفل كيف يقص بحيث تشبع رغبته؛ فلا يجرِّب وحده فيما نحرص على عدم إتلافه، وبحيث لا يضر بنفسه فيجرح أصابعه.

-كما يجب أن تغلق الأدراج التي لا نريده أن يعبث بها، وكذلك إبعاد الأشياء الثمينة بعيدًا عنه، مع إمداده دائمًا بألعاب الفك والتركيب كالمكعبات، والصلصال، وغيرها…، وقد اشتكت يومًا أم من أن طفلتها دائمة العبث بالسكين بما يعرضها لإيذاء نفسها، فردَّت الخبيرة ساعتها أن الخطأ هو خطأ الأم لا الطفلة، لماذا توجد السكاكين أصلاً في وجه الطفلة؟!

2 – إتاحة فرص اللعب للطفل في ملعب أو نادٍ أو جزء مخصص في البيت، وإمداد الطفل بما يحتاج إليه من ألعاب.
3 – اختلاط الطفل مع أقران في مثل سنه يفيد كثيرًا في العلاج أو تفادي العدوانية.
4 – تفريغ الوالدين وقتًا للخروج بالطفل في المتنزهات، والحدائق العامة، والمزارع؛ ليرى الطيور والحيوانات والزرع؛ لينشرح صدره ولا يضيق، ويزداد حبًّا لأبويه وإحساسًا بعاطفتهم.
5 – إشعار الطفل بذاته وتقديره وإكسابه الثقة في نفسه.
6 – لا يُلام الطفل أو يعاقب أمام أحد، خاصة إخوته وأصدقاءه.

ونعود إلى طفلكم الغالي، ماذا يمكن أن تفعل معه:
– بداية يحذر تمامًا استخدام الضرب أو أي نوع من أنواع العقاب البدني، بل وتضيق نطاق استخدام العقاب أصلاً حتى اللفظي منه.
– حاول تجاهل عناده أو محاولاته للتخريب -على حد قولك- ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، وكلما أثارك تذكر قوله تعالى: “وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين”، واستعن على كظم غيظك بإرشادات المصطفى (صلى الله عليه وسلم)، وهديه في تجاوز شرك الغضب، وتذكَّر قول المناطقة: “إن الغضب ريح تطفئ سراج العقل”، فإنها تدفعك إلى الانتقام لا التهذيب، وهذا الانتقام اللفظي أو البدني له آثاره الخطيرة على طفلك في المستقبل، فانفعالك سيكسر طفلك ويشوِّه صورته المستقبلية عن نفسه، فالأطفال يرون أنفسهم كما يراهم آباؤهم، وصدقني.. إن بعض الكلمات الغاضبة، مثل “أنت مخرِّب.. أنت مُؤذٍ.. أنت عنيد..” أحيانًا يكون وقعها أشد ألمًا وتشويهًا للنفس من وقع السياط التي تلهب الأجساد، خصوصًا إذا كان الطفل على الحساسية والذكاء، والأطفال كذلك بالفعل.

ولهذا تجنب العقاب فهو لن يعطي إلا نتيجة عكسية؛ وذلك لسببين:
الأول: كما قلنا حساسية الأطفال، فسيصدق طفلك نعوتك له بالعناد والتخريب؛ ليتحول إلى مخرب دائم وعاند من الدرجة الأولى، ولن تفيد محاولاتك لإصلاح الأمر بعد ذلك، فطفلك سيظل يردِّد بينه وبين نفسه لا شعوريًّا: “أنا كما يراني والدي.. أنا أضعف من تغيير قدري هذا.. مهما أفعل فأنا سيئ.. لماذا أحاول تغيير نفسي..”، بل وتزرع فيه في النهاية الإحساس بالذنب، وستزرع فيك وفي ووالدته الإحساس بالإحباط.

الثاني: أن كل طفل يولد وبداخله القدرة على أن يكون بارًّا مطيعًا، وأن يكون أنانيًّا مستغلاًّ، فلا تجعل منه مستغلاًّ ومستبدًّا صغيرًا يعرف نقط ضعفك التي تدفع بأعصابك نحو الانفلات سريعًا، يقول دكتور سبوك، في كتابه (تربية الأبناء في الزمن الصعب): “إن الكبار عندما يصرخون في وجوه الأطفال لا يفعلون أكثر من توجيه الدعوة للطفل لأن يتحدى أكثر، وأن يستمر في السلوك السيئ أكثر، إن الطفل يتمادى حتى يعرف إلى أي حد يمكن أن يصل الصراع بينه وبين الكبار..
إن الطفل الصغير في حاجة إلى عقاب بسيط، لكن هذا العقاب البسيط يحتاج إلى هدوء وثبات، ولا يحتاج أن تجعل الطفل سببًا لكل منغصات حياتك فتنفجر فيه، وكأنك تنهال ضربًا على كل ظروفك الصعبة..”، وينتهي كلام دكتور سبوك.
ويبقى أن تتعلم كيف تتعامل مع طفلك بفن الحنان الحازم:
– عليك أن تجلس مع زوجتك وتعدا قائمة بالأشياء التي يحبها طفلك وتلفت انتباهه، والأخرى التي تثير عناده؛ لهذا الأمر أهميته في التعامل مع مواقف عناده.
– تجنب الأشياء التي تؤدي به عادة إلى المعاندة.

– تجنب الاصطدام به عندما تشعر أنه سيدخل في إحدى نوبات عِنْده، بل اعمل على إلهاهه عنها، وسأشرح لك بمثال:
مثلاً طلبت منه إعادة ألعابه إلى مكانها، فلم يستجب، وكرَّرت عليه القول مرة وثانية وثالثة بهدوء، ولم يستجب، لا تعلِّق، بل سريعًا تدارك الموقف، واستدعِ من القائمة سالفة الذكر ما يلفت انتباهه، مثلاً هو يحبُّ العصافير، فقل له: اسمع العصفورة تغني أو طائرة مثلاً تحلِّق خارج المنزل.. أسرع إليه وقل له: الله.. سامع صوت الطائرة.. تعالَ بسرعة ننظر إليها قبل أن تذهب، وبمرح قُمْ بحمله وشاهداها معًا وتحدثا عن شيء حول الطائرة والألوان.. أثناء ذلك سينسى طفلك الأمر الذي وجهته له من قبل.

– قُم بإعادة الأمر مرة ثانية، لكن بصيغة مختلفة، نفرض أن اللعب مجموعة من الحيوانات، قطار..، قل له: هيّا نضع الحصان في الحظيرة، هيا نقطر القطار، ما رأيك أن نضع العربة في المرآب، ما أقصده أن تجعل من الأوامر فرصة للمرح والتعلم…

– فإذا ما تكرر رفض الطفل، في وقت لاحق لنفس الشيء جرِّب معه نفس الطريقة، لكن لا تدع الأمر يمر دون إعلان أنك المسؤول، فدَعْ الأمر يمر بنفس الطريقة، وفي وقت لاحق وفي لحظة صفاء للطفل أعلن له أنك لا ترضى عن فعله السابق، واشرح أسباب رفضك لما فعل، وأنك متأكد أنه سيكون أفضل، وأنه لن يكرر هذا الأمر مرة ثانية (تذكر هو في مرحلة تكوين صورته عن نفسه)، فهذا الأسلوب الذي يعبر عن ثقة الوالدين في طفلهم، وثقتهم في أنه طفل جيد، تدفعه إلى العمل لأن يكون عند حسن ظنهم به حتى يحافظ على مكانته عندهم، والحفاظ على ما يحصل عليه من الحب والحنان.

أخي الكريم.. الأطفال في منتهى السَّذاجة، والحساسية، فتعلم كيف تسيطر عليه بالحب، وسوف تجد مزيدًا من الاقتراحات لهذه السيطرة المحبة في هذه الموضوعات:
حبيبتي..أخر عناد
علاج العند بقوانين الكرة
العند.. الحل السحري في القصص
نعم للتهذيب ولا للتهديد

بارك الله لك في طفلك، ورزقك برّه.. اللهم آمين.

 

 

فريق الاستشارات التربوية