الأخت العزيزة..
أهلاً وسهلاً بك وشكرًا على إفادتك التي أثلجت صدري كثيرًا، فبقدر ما آلمتني معاناتك بقدر ما شعرتُ بقوتك واعتيادك الكفاح، وهو ما جعلني أظن فيك من القوة (وأنت قاهرة الإعاقة الجسدية بفضل الله) ما سيجعل النهوض من كل كبوة أمرًا يسيرًا بإذنه تعالى.

رحم الله أختك، وجازاها كل خير عن الخير الذي قدمته لأمتنا من خلالك أنت تميزًا وتفوقًا وإبداعًا بإذن الله، وأتمنى من الله أن يتم علينا فضله جميعًا، ولها في ذلك صدقةٌ جارية بإذن الله تعالى، ولكن تذكري أنك أنت تعرضت أولاً لاضطراب التأقلم Adjustment Disorder في صورة رد فعل الأسى Grief Reaction بعد موت صنو حياتك، وغالبًا أخذ صورة الأعراض الاكتئابية، ثم تعرضت لاضطراب التأقلم مرة أخرى بسبب حادثة مؤسفة نتجت عنها إصابة مقعدة لمقعدةٍ أصلاً ولله الأمر من قبل ومن بعد، ولكن هذا ابتلاء كبير يا أختي وقاسٍ، على أي من بني آدم، ولكنني أظنك برغمه قوية لا تزالين.

وبعد ذلك تعرضت ثالثة لاضطراب التأقلم -مرة أخرى- وذلك بعد فقد علاقة كانت داعمة في الناحية العلمية من حياتك، وكانت على أي حال من العلاقات ذوات الدلالة في حياتك، ولم يكن الفقد فقدًا ساكنًا أو هادئًا، بل كان في صورة درامية تقترب من المأساوية فبين افتراء أو اتهام باطلٍ، ثم تعميم مُخلّ ومغالاة في الخصام لا تنم عادةً عن نفس سويةٍ (وكل هذا تمامًا من جانبها هي لا من جانبك).. المهم أن لهذا الفقد أيضًا تأثيرا فاعلا في حياتك يا عزيزتي.

بعد كل ذلك أستطيع إعطاء انطباع مبدئي عن حالتك لأقول:
إن لديك ربما ما نسميه باضطراب الاكتئاب بين الخفيف والمتوسط الشدة، وإن تعلق فقط بالنواحي المعرفية الأكاديمية في حياتك، لا بالنواحي المعرفية السلوكية (الدعوية)، ولا أستطيع استبعاد تأثير عامل الأحداث الحياتية المؤسفة المتتالية في حياتك فلا بد أن لها دورًا فيما حدث.

وهناك أيضًا مما يعضد انطباعي ذلك، هناك ما أخمنه، ولم تذكريه ربما من الأعراض، فما ذكرته من فقد الرغبة والاهتمام بفعل التدريس الذي كنت تحبينه فيما مضى (وسيعود بفضل الله قريبًا)، بل وكنت تفعلينه متطوعة لوجه الله، وأنا هنا أذكرك بما كتبته في كتابي نحو طب نفسي إسلامي في وصف ما قاله أبو حامد الغزالي وهو يعاني الاكتئاب في وصف ما كان يشعر به حين يجيء الناس له يطلبون منه العلم، وتجدينه مشروحًا أيضًا على الرابط التالي: من على تقوية إيمانياتك أولاً ، ثم إلى استخارة ربك في أمر إعادة العلاقة مع تلك الفتاة، فهل تكتفين بما لحقك من ظلم، ثم إهمال منها وخصام يصل إلى حد أبعد من الطبيعي، أم تراك تسامحينها في الله، وتعقدين العزم على فتح الموضوع معها، وحبذا لو اكتشفتما أصل الفتنة التي وقعت بينكما على أغلب الظن، ثم تستعيدين علاقتك، ثم ثقتك بها بالتدريج بعد أن تتيقن من خطئها في حقك بالطبع، كل ذلك أنصحك باستخارة ربك فيه، وأنصح أيضًا بالإكثار من ذكر الله سبحانه، وأفضل كذلك أن تفكري في عرض نفسك على طبيب نفسي مسلم يحدد لك بالضبط إن كان انطباعنا المبدئي عن الحالة وعن شدتها صحيحًا أم لا، وأي أنواع العلاج سيفضلها وتفضلينها أنت لعلاج الاضطراب.

وأرى من المفيد أن تقرئي الروابط التالية عن الاكتئاب وعن عسر المزاج أيضًا من على صفحتنا مشاكل وحلول للشباب:
الاكتئاب المتلصص والفشل المظلوم
الاكتئاب ..النَّوبة الأولي .. والثانية
“لاما” تسأل عن الاكتئاب “الرديد”

– واقرئي أيضًا من على أ.د. وائل أبو هندي