الأخت الكريمة:
حملت رسالتك في حقيبتي –التي أصبحت شهيرة فيما أعتقد- وسافرت بها حول العالم ثم عدت، وسافرت وعدت، وكنت أجد لتأخير نشرها المبرر تلو المبرر، ولكن أهم هذه المبررات هو اهتمامي بنزولها بعد انتظام العام الدراسي حتى يطلع عليها الجمهور المعني بها أكثر من غيره، مما لا يكون متاحًا خلال الإجازة الصيفية، فمعذرة للتأخير.ومن ضمن مبرراتي أيضًا أنني أعجبت برسالتك وأسلوبك، وحسن تعبيرك وتدبيرك حتى تذكرت وافدة النساء التي قامت تسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أجر النساء في ظل تفرغ أغلبهن لشئون البيت، وانقطاعن بالتالي عن الشأن العام، وقد تسنح الفرصة قريبًا للتعليق على هذه القصة الهامة لما لها من دلالات.

لم أشأ إذن أن يتحول ردي عليك إلى مجرد وصلة مديح، أو عبارات ثناء وشكر على سطورك التي أعدها –لولا بعض الأخطاء الإملائية البسيطة- من أفضل ما وصل صفحتنا شكلاً ومضمونًا.

نعم يا أختي ضللنا طريق الشرع، وضاع فينا العقل فأصبحنا نتخبط في ظلمة الجهل وسوء إدارة الحياة، فلا نحن ربحنا بالمقاييس المادية مثل الغربيين الذين اعتمدوا العقل وحده أساسًا ومرجعًا، ولا نحن استعدنا مجدنا وقيادتنا للعالم بتوازن العقل والروح، المادة والنفس، الدنيا والآخرة.

نحن طبعًا ننتج كلامًا يملأ الأسماع ضجيجًا عن التزامنا بالدين، وحرصنا على الدنيا وعمارتها، ولكن وضعنا العملي يدعو إلى الرثاء فلا دينًا نقيم ولا دنيا!!

والزواج مجرد مثال على أحوالنا فهو جزء من حياة متخبطة تائهة حائرة ومترددة فقدت الاتجاه والمعنى والجدوى –إلا قليلاً- وفقدنا بالتالي القدرة على النهضة من كبوتنا التي طالت. وغالبًا ما يفهم الناس مثل كلامي هذا على أنه محض تشاؤم، ويعلم الله أنه محض تحليل وتفسير، ومحاولة تشخيص لنضع أيدينا على الداء –ومن ثم الدواء- وننطلق فقد طال الركود.

والاختراق الحضاري، والتاريخي/الثقافي الذي حققه الإسلام في بواكيره وما زالت أصداؤه تتردد في حياة الإنسانية فتطرب الصديق المؤمن، وتغيظ العدو الكافر… هذا الاختراق حدث عندما قررت فئة من الناس –توسعت باضطراد- أن تنسف وللأبد أعراف الجاهلية وثوابتها وتقاليدها وما يرتبط بها من توابع وقيود، ومعالم ورموز، لينهض من بين ركام الماضي المشين حاضر يتحدى ومستقبل واعد يقلب موازين القوة على الأرض على هدي من وحي السماء.

والإسلام ما زال متاحًا في الكلمات التي وصلتنا عبر الأزمنة ترسم لنا اتجاه الطريق، وتعطينا الإشارات والمعايير، والحكمة والخبرة، فضلاً عن الإمتاع والمؤانسة.

الإسلام بنصوصه قرآنًا وسنة، وبسيرة نبيه العطرة الملهمة، ومسار عظمته في الزمان والمكان والأجيال.

هذا الإسلام متاح لمن يريد، ولكن المسلمين بجهلهم وسوء تدبيرهم يستبدلون به إسلاما مزيفًا متخلفًا وكئيبًا لا يقيم نهضة، ولا يرفع أمة، إنما يشدنا إلى كل نقيصة برباط وثيق، فنظل كما نحن في ذيل الأمم.

نعم يا إخواني وأخواتي.. الإسلام الذي نستهلكه، ولا أقول نطبقه، هو من أكبر أسباب تخلفنا، وهو منظومة متكاملة، ووصفة مدمرة لا تحمل من إسلام الرسالة الأصلية إلا الأشكال والرسوم، وكم هزتني في مطلع شبابي كلمات الشهيد حسن البنا، وهو يتحدث عن مواصفات الأمة أو الجماعة البشرية التي تسعى للنهضة، ويقول في نص أعتمد على ذاكرتي في نقله: “إن تكوين الأمم والشعوب ومناصرة المبادئ يحتاج من الأمة التي تسعى إلى ذلك، أو من الفئة التي تريده على الأقل إلى خصال ذكر منها:

وفاءً ثابتا لا يعدو عليه تلون ولا غدر، وتضحية عزيزة لا يحول دونها بخل أو طمع، ومعرفة بالمبدأ تعصم من أشياء ذكر منها الخديعة بغيره”.
وما زالت تهزني تلك اللفتة الرائعة من هذا الرجل الدقيق العميق في فهمه للإسلام، وهو الذي يفرق في موضع آخر بين الجهاد الصحيح، والجهاد “الخاطئ”، وهذا حديث يطول.

والشاهد هنا أنني كلما عرفت الإسلام أكثر كلما بكيت أكثر كما كان يبكي الشيخ/ محمد الغزالي رحمه الله، وأنا الآن أبكي وسبب البكاء هنا هو عمق الدهشة، وحجم المفارقة بين دين الله كما انطلق في غار حراء، وسار ففتح الدنيا وقاد البشرية، وواقع فهم المسلمين وتطبيقهم له سواءً من يعرفون أنهم بعيدون عنه، أو من يظنون أنهم ملتزمون به، وما لدى هؤلاء وأولئك منه إلا كقول “طرفة بن العبد” في مطلع معلقته:

لخولة أطلال ببرقة ثهمد****تلوح كباقي الوشم في ظهر اليد

كلما زادت معرفتي بالمبدأ تصبح الخديعة بغيره أصعب –بإذن الله- ولكن حجم المسافة بين المسلمين والإسلام يزداد في إدراكي يومًا بعد يوم، ولا يقطع هذا بالأمل في التغيير، بل ربما يشفق الإنسان على نفسه وعلى الناس من حجم المهام المطلوب إنجازها، وربما ازدادت الحماسة، واشتدت الحاجة أكثر وأكثر لعون الله ومدده، فلا يطيق فعلها، ولا يستطيعها بشر دون تأييد إلهي أن يفهمها كما فهمها سليمان، وينظر إلى حالنا وجهدنا وأشواقنا وأعمالنا في تغيير أنفسنا، فينجز لنا وعده بتغيير ما بنا.

هل أكرر ما قلته كثيرًا عن الزواج ومشكلته في مجتمعات المسلمين؟! أم يصبح من البديهي أن نفهم أن ما يجري في هذا الميدان وغيره هو مجرد انعكاس للأزمة الأصلية: التخبط والفوضى والتخلف عن صحيح الإسلام الذي صار نادرًا في الفهم، وأكثر ندرة في التطبيق؟! إنه الجهل بالمبدأ أدى إلى الخديعة بغيره!!

ويا إخواني وأخواتي… نحن أمة لم تكن تعقل –قبل الإسلام- إلا قليلاً، ثم ارتبط العقل والفقه والتنوير والرشد في تاريخها بالدين، فصارا متلازمين: إذا فقدت دينها فقدت عقلها، وإذا اختل عقلها فقدت قدرتها على تناول دينها كما ينبغي، فصار وبالاً عليها بدلاً من أن يكون كمالاً لها، وحبسها عن كل فضيلة بدلاً من أن يرفعها، ويهدي بها.

والآن إذا غاب العقل والدين فماذا يبقى لنا لنتزوج أو نقيم الأسرة التي تتحدثين عنها؟! أو نختار على الأسس الحكيمة التي تذكرينها؟!

أو ننظر بوعي وعمق إلى أغراض الحياة، ومعاني السعادة، أو حتى فلسفة الحب، أو مهارات إدارة العلاقة بشريك؟!

من أين يمكن أن تتغير نظرتنا للزواج وغيره، ونحن نعتقد أننا ملتزمون بالدين، وعباقرة في شئون الدنيا، وكل واحد يعجبه عقله، وسعيد بالقشور التي يستهلكها من دين الله، وراضٍ بحاله العقلية والسلوكية؟!!

وأقول لك يا فاضلة إن الإنسان حين يفقد الوعي الذي حاولت أنا شرحه هنا، فإنه ينكص إلى المعايير البدائية في الحكم على الأشياء فتصبح الماديات من مال أو جمال أو جاء هي الأهم، وفي خلطنا وسطحية فهمنا نكرر حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم:
” تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك” ، نكرره بوصفه توجيهًا دينيًّا وروحيًّا يطلب منا أن نؤثر الدين ونفضله على غيره من المعايير طمعًا في ثواب الآخرة، ويغيب عنا البعد الآخر، وهو أن الحبيب الذي علم الله به البشرية يعطينا توجيهًا اجتماعيًّا ونفسانيًّا رائعًا ونافذًا، فلا المال في حد ذاته فضيلة، ولا الجمال يبقى على حاله أو يعصم من الزلل، بل ربما كان سبيلاً إليه أحيانًا، ولا الحسب والنسب هو المعيار الأكيد للنجاح… صحيح أن كل هذه الأشياء لها وزنها، ولكن الدين يبقى الأهم؛ لأنه هو المدير الحاكم الذي يستثمر كل النعم، ويحسن توظيفها، ويسدد النقص –والكمال لله وحده- ويعين على تماسك العلاقة واستمرارها، وتقوية مقاومتها لعوامل “التغرية” التي تؤثر عليها عبر الزمان.

ولا أريد أن أستطرد أكثر؛ لأنني أطلت، ولا أستطيع أن أرفض عرضك الكريم بأن تكوني أول حجر في نواة تتحرك لنشر المبادئ والأفكار والمقترحات المعروضة على صفحتنا، ولعل عرضك هذا يلاقي حماسًا وجدية من القراء والمهتمين لنبدأ حركة أمامها مهام جسيمة، وتحتاج إلى الوعي والعزيمة لنقترب أكثر وأكثر من الرشد والنهضة والإقلاع الحضاري، ونتخلص من إسلام القشور إلى جوهر الإسلام، ولعلك تتصلين بنا لنتقابل، ونبدأ في بحث خطوتنا القادمة.
وللمشاركة برأيك.

 

 

 

د.أحمد عبد الله