أهلا بك يا أخي وشكرًا على مشاركتك تلك، وإن كنت لم تحدد أي الردود تقصد، ولكنك أشرت من بين ما أشرت إليه في رسالتك الطويلة والتي نشرناها كما وصلتنا لكي نشرك معنا المتصفح الكريم في النقاش، أشرت إلى تصدي بعض الأطباء المستشارين إلى ما لا يجوز لهم أن يتصدوا له حسب رأيك، وإذا بهذا الذي لا يجوز هو بعض اجتهاد ابن كثير رحمة الله عليه، ورأيت أن في هذا مساسا بقداسة الدين!

ونحن لا ندري كيف لم تنتبه يا أخي إلى أن ابن كثير كان مجتهدًا قد يصيب وقد يخطئ، ولن يستطيع كبشر أن ينفذ باجتهاده خارج حدود ما يسمح به عصره من علم ومعرفة مهما اجتهد! فهو ليس معصوما، ونحن إذا قدسنا تفاسير المفسرين فإننا نعيد الحكم على هذه الأمة المسكينة بالتحجر، بعد ما كاد تحجر أهليها أن يوردها موارد الغابرين.

ولكي لا نطيل في هذا الأمر -فهو مشهور عند كل مسلم يعمل عقله- فإنني سأركز معك على ما تكلمت عنه أولاً من عرضك لأعراض الأمراض النفسية كلها وبيانك لأسباب حدوثها هكذا بجرة قلم، فهي إما لأن الشخص بدأ يقترب من الله وإما لأن الشخص بدأ يبتعد عن الله، ثم أنكرت بعد ذلك كل النظريات العلمية القائمة على التجريب والملاحظة المنهجية ببساطة تامة بقولك بأن الله سبحانه وتعالى عندما خلق “فليس في خلقه عيب، فليس هناك شخص لا يستطيع تحمل الحياة ومتاعبها وأعبائها”.

معنى ذلك يا أخي أن الطفل الذي يولد ناقصًا مثلاً أو محروما من نعمة البصر أو السمع أو مصابًا بأي من الأمراض الوراثية يجب أن نبحث له عن خالق غير الله! تعالى الله أن يكون من خالق دونه!

بل إننا لو تدبرنا ما يتضح من رسالتك واتبعنا نفس المنطق فسنجد أن الأمراض النفسية لا تصيب إلا المسلمين، مع أنها تصيب كل بني آدم، لكنك جعلتها تحصل للمسلم في حالتين؛ إحداهما بداية التقرب من الله بالعبادات، والثانية ابتعاد المسلم عن الله، وسلوكه طريق الانحلال، ثم قلت: فما بال الكفار؟ وأجبت: “قد تكفل الله لهم بالحياة الطيبة والتمتع ولكن حرمهم الآخرة وما لهم فيها من نصيب”.. أوجزت يا أخي فأنجزت! لكنك أنجزت ما نسميه في الطب النفسي بالعهن المنفوش؛ فكلامك بالضبط كما تعلمنا هو الكلام الذي يبدو منتفخًا ولكنه منتفخ على لا شيء!

نصل بعد ذلك إلى نقطة مهمة في مشاركتك تلك وهي أن الجن هو المسئول عن إحداث التغيرات التي تطرأ على كيمياء الجهاز العصبي؛ فهو حسب كلامك يدخل الجسم أثناء النوم (ولا ندري لماذا أثناء النوم تحديدًا؟).

ونحن نقول دائمًا بأن السبب في حدوث التغيرات الكيميائية المصاحبة للاضطرابات النفسية غير محدد على وجه الدقة ما يزال، وقد يكون ناتجًا عن أسباب غيبية لا يعلمها إلا الله، لكننا لا نستطيع بأي حال من الأحوال أن نقبل تفسيرك لذلك بأنه الجن إذا دخل الجسد! لماذا؟ لأننا نختلف معك أصلاً في منهجية التناول.

أي أن خلافنا معك ليس فيما نؤمن به جميعًا كمسلمين من أن الجن حق والسحر والحسد حق والغيب حق، ولكنه خلاف في المنهج، فإذا كان ثابتًا من السنة الصحيحة أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وأنه يدخل من الفم أثناء التثاؤب، فإن أحدًا من المسلمين لا ينكر ذلك، لكننا لا نستطيع أن نقول بأن هذا هو سبب الأمراض النفسية؛ لأننا ملتزمون بمنهج يا أخي ولا نقول كلاما مرسلاً!

والفرق الكبير بين ما ندعو إليه من علاج معرفي إسلامي يعتمد على مفاهيم القرآن والسنة النبوية المطهرة، وما تدعو إليه من علاج بالقرآن: أننا نشترط أن يفهم المريض معنى القرآن ومعنى الحديث وما يشير إليه النص فيعيه بعقله ويطمئن له قلبه، ونرفض تماما أن يكون تناول هذه النصوص المنزهة هو تناول التعاويذ التي يقرأها الشيخ (أو الكاهن) ليؤثر بها في الكائنات الغيبية، بينما المريض لا يعي شيئًا؛ لأن القرآن أنزل على الخلق ليفهموه ويتدبروا معانيه، وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم هي أحد مصادر التشريع، وليست -لا هي ولا القرآن- تعاويذ كتعاويذ قدماء المصريين!

ثم إنك تناقض نفسك بشكل غريب وفي أكثر من موضع، فبعد أن حددت أسباب أعراض الأمراض النفسية كلها وأرجعتها للشيطان وللجن، رحت تقول: “والمشكلة التي تواجه أصحاب الرقية أنهم لا يستطيعون أن يميزوا إذا كان الشيطان قد غير في كيمياء الجسم أو لا، وتختلط عليهم الأعراض فلا يفرقون بين ما هو نفسي وما هو من الشيطان”، مع أنك قلت في البداية بأنها كلها من الشيطان!

وفي نهاية تعليقنا على مشاركتك نقول لك بأننا بصدق نريد من ينقذ أمتنا من اللبس والخلط، ونريد من يقدم لنا دراسات موضوعية يتم فيها التعامل مع الظاهرة بصورة علمية محايدة “قدر الإمكان” بحيث تكون نتائج التجربة قابلة للتكرار إذا توفرت نفس ظروف التجربة، فهذه هي الحالة التي يجوز لنا فيها أن نقول: وهذا ثابت ومجرب؛ لأن مثل هذا التعبير لا يقال هكذا على علاته كما تفعل!

أما أن نعتمد على تفسيرات أعطاها علماؤنا الكبار في زمن غير الزمن وفي حدود معرفة إنسانية أقل بكثير من المعرفة الإنسانية الحالية، ثم نجعل هذه التفسيرات مقدسة لا يجوز المساس بها أو الاختلاف معها فهذا ما نرفضه؛ لأننا سنسأل أمام الله يوم القيامة عما نقول.

وفقك الله ووفقنا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

 

أ.د. وائل أبو هندي