عاطف معتمد عبدالحميد

Image

في إحدى دور النشر العتيقة في مدينة مومباي نصحني الشاب الذي يتابع زبائنه بين الأرفف أن أقتني هذا الكتاب. كانت قائمة المحتويات في صدر الكتاب مبشرة بقراءة شهية، وحين راجعت السيرة الذاتية لمؤلف الكتاب – كومال أغراوال – وجدته مهندس إلكترونيات ورجل أعمال هنديا استفاد من ثورة الاتصالات التجارية وتنقل بين الشرق والغرب ليضع في نهاية عام 2004 رؤاه حول المشكلات الرئيسية التي تقف في طريق نهضة الإنسان الهندي بمرجعية وطنية علمانية.

ولأن الكتاب قد حقق المرتبة السادسة بين أكثر الكتب مبيعا في الهند، فقد عزمت على قراءته ومراجعته.

يتألف كتاب “تشكيل الهند التي نحلم بها” من أربعة أجزاء تحمل عناوينها الأسئلة البدهية لهوية الأمة: من نكون؟ لماذا نحن هكذا؟ ماذا يجب أن نفعل؟ كيف نفعل؟

هذا هو الشعب الهندي

قبل طرح الأسئلة يقرر المؤلف أن أكثر من 85% من الشعب الهندي يعيش دون خط الفقر، بل إن 68% من السكان يعيشون حياة يصفها المؤلف بالأقرب إلى معيشة الحيوانات في المرعي، تأكل العشب وجذور النباتات ولباب المانجو أو تنهي حياتها منتحرة. كما أن 25% من الشعب تعاني صحته العجز و10% منه متسولون.

أما الديمقراطية التي تفتخر بها حكومة الهند فيعدها الكاتب اتفاقا تم بموجبه تخويل الجهلة حق انتخاب جهلة آخرين ليقوم هؤلاء بقيادة الدولة بشكل جاهل! ما يقال عن أن الديمقراطية تحكم الهند ليس إلا وهم، إن هي إلا مراوغات سياسية تحقق من خلالها طبقة السياسيين مصالحها حين تتاجر بقضايا الفقر والمعاناة ووعود رفاهية الإنسان.

على طريقة جلد الذات، يستهل المؤلف الإجابة على سؤال “من نحن” بالتقرير بأننا شعب جبان، ترك نفسه لكل من أتى من الخارج ليحكمه، يسيّره بعصا وسيف، يأمره متى يصحو ومتى يغفو.

الهند -تلك التي عرفت على الدوام باسم “الطاووس الذهبي”- لم يكن لديها شعب شجاع ليحميها. ولأنه لم تكن هناك قدرة على حماية الثروة، فإن مجموعة من النهابين استمروا في سلب ثروتها وتركوا شعبها جائعا منذ عام 1000 ميلادية حتى اليوم، وأشهرهم على الترتيب التاريخي:

– بعض الحكام المسلمين، والغزاة المغول، الذين سرقوا الهند فيما بين القرنين العاشر والثامن عشر.

– النهابون العظام الممثلون في الاحتلال البريطاني وشركة الهند الشرقية (من عام 1601 إلى 1947م).

– حماة الاستقلال الهندي الذين ينهبون من عام 1947 حتى اليوم.

وهذه هي الأسباب

يُرجع المؤلف أسباب التقاعس لدى الشعب الهندي إلى تركة التاريخ الثقيلة التي حملت قتالا بينيا شتت الجهود وحال دون تكوين دولة موحدة إلا بسياط المستعمرين. كما أن طول فترة الاستعمار الخارجي قد خلق آلاف الأجيال التي عاشت على القهر وترسب في ذهنها عقيدة الخنوع.

ويمس المؤلف سببا آخر للتقاعس حينما يناقش الجرم الكبير الذي ارتكبته الديانة الهندوسية بتقسيم المجتمع إلى طبقات تبدأ من البراهمة في قمة المجتمع وتنتهي إلى المنبوذين في قاعه، وهو ما خلق شرائح اجتماعية اعتقدت أن وضعها المزري وحالتها المتخلفة قدر إلهي لا يمكن الفكاك منه ويجب الرضا به والتعايش معه إرضاء لحكمة الرب.

وحينما حصل الشعب على استقلاله غرق حتى أذنيه في توفير القوت اليومي ووقع أسيرا من جديد في دوامات مخادعة جعلته يقبل الإعانات الحكومية باعتبارها مكرمات دون أن ينتفض.

يحذر المؤلف قارئه ألا تغرنه تلك التظاهرات التي تخرج في المدن تطالب بتحسين خدمات المياه أو الكهرباء معللا ذلك بأن أقصى ما يطمح إليه هؤلاء هو الحصول على الحد الأدنى من الحقوق. وحتى هؤلاء لا يشكلون سوى حصة محدودة من سكان الدولة، فالأغلبية الصامتة التي تشكل سكان الريف (73% من إجمالي السكان) ليس لديها الشجاعة للمطالبة بإصلاح الحال.

لكن الكتاب يعود فينتشل القارئ من تلك الصدمات ويؤكد أنه رغم كل مراحل النهب الاستعماري ما زالت لدى الهند ثروات زراعية في المقام الأول، وصناعية في المقام الثاني وسياحية في المرتبة الثالثة. ما تحتاجه الهند هو حسن استغلال هذه الموارد حتى لا يتضور الناس جوعا وعطشا بينما 70% من مياه الأنهار تنتهي إلى البحر دون استغلال، وحتى لا يعيش الناس عوزا بينما مساحات شاسعة من الغابات والمستنقعات والأراضي المنخفضة قابلة للاستصلاح والإنتاج.

أما ما تمتلكه الهند من مقومات صناعية فيسهل زيادتها بثلاثة أمثال ما هي عليه في بضع سنين إذا ما انتخبت إدارة واعية. كما أن المقومات السياحية في الهند كفيلة بأن تشكل المصدر الرئيسي للدخل في دولة يتوق الناس في العالم لأن يروا فيها متحفا للتاريخ والجغرافيا والآثار وألوان البشر وفلسفات الأديان.

الثروة الكبرى التي تملكها الهند هي قوتها الديموغرافية التي تزيد عن 1.1 بليون إنسان، وهي ثروة إن أحسن استغلالها ستواجه التردي الاقتصادي بشرط أن تقطع أيدي أولئك المسئولين عن ضخ كميات ضخمة من الأموال في الاقتصاد الموازي أو تعاملات الظل المسماة “بالأموال السوداء”. تشكل الأموال السوداء، التي يسلبها الماكرون من الأغلبية الساذجة، الجزء الأكبر الغاطس من جبل الثلج من أموال الشعب مقارنة بقمة ضئيلة طافية من التعاملات القانونية للاقتصاد القومي.

بين الهندوس والمسلمين

المشكلات الطائفية -في بلد يحوي 4635 طائفة وديانة- عائق آخر أمام تقدم الشعب الهندي نتيجة الاشتباكات الدامية التي تقع بين ديانتيه الرئيسيتين الإسلام والهندوسية.

يعترف المؤلف، وإن على استحياء، أن أحداث جوجارات (2002) التي راح ضحيتها آلاف المسلمين كانت بمثابة تأكيد على فشل الأمة الهندية في التعلم من دروس الماضي القريب حينما تم تقسيم الهند وسقط آلاف القتلى. ويقر المؤلف أن تدمير المسجد البابري (1992) كان سببا في إشعال كراهية وإراقة دماء أكلت جذور الأمة الهندية وشوهت صورتها كدولة تضم شعبا محبا للسلام.

يذكر المؤلف قراءه من الهندوس أن المسلمين اختاروا البقاء في الهند رغم حرية انضمامهم إلى باكستان في عام 1947 إيمانا بسلام الهندوس وحسن معاشرتهم، وكان من الواجب أن نقابل ثقتهم فينا -يؤكد المؤلف- بمعايشة حسنة كما توقعوا منا. ولو أن بعض الحكام المسلمين قد قبل بإقامة مسجد مكان معبد هندوسي، يفترض المؤلف، فإن هذا كان من التاريخ وانتهى، ومن الظلم أن نحاسبهم على قضية مضى عليها مئات السنين.

ومن زاوية اقتصادية، يربط المؤلف بين حوادث العنف التي تجتاح الهند ومعدلات البطالة والفقر التي تمثل الوقود الذي يشعل الفتن الطائفية.

لا داعي للأبناء

في مجتمع يعيش ثلاثة أرباع سكانه في الريف، كان من المتوقع أن تحتل القرية وحياة الريف بؤرة اهتمام الكتاب، ورغم أن التحليلات التي يقدمها الكتاب للنهوض بالقرية تكاد تتفق مع عديد من الدراسات الجغرافية التي قدمت في العقدين الماضيين -كالحديث عن النهوض بشبكات الري والصرف ومقاومة آفات المحاصيل وإنتاج بذور محلية قليلة التكاليف والرعاية الصحية للفلاحين ودعم برامجهم الغذائية- فإن كثيرا من الأفكار التي وردت بالكتاب بشأن تطوير النمط المعماري والحضاري للقرية الهندية تبدو مثالية في بلد بحجم قارة.

أما المناقشة العملية التي يقدمها المؤلف فهي تلك التي تخص الحد من المواليد والتحكم في الإنجاب. إن الأرض الهندية -المعروفة في الثقافة الهندوسية بالإلهة الأم- لن تستطيع أن تحمل بعد الآن مزيدا من الأبناء. فملايين المعدمين الذين يهاجرون من القرى إلى المدن ويعسكرون على قارعات الطرق والممرات بين الأبنية وفي الطرقات -للإقامة العشوائية والعمل في آن- سيشكلون في المستقبل القنابل التي لا يمكن التحكم فيها ما دامت معدلات الإنجاب ماضية بما يرفع عدد السكان بنسبة 2.3% كل عام.

إن ما تحتاجه الهند هو أن نكف عن شعار “تنظيم النسل” إلى “الحد من النسل”، أسرة الطفل الواحد هي الحل الوحيد لمخاطر المجاعة المقبلة، حتى يتساوى عدد المواليد مع عدد الوفيات ويثبت نمو الدولة عند الصفر. ونتيجة تفشي الأنانية التي تعيشها الأسر الحديثة يكاد المؤلف يقول: “لا داعي لمزيد من الأبناء لأنك حين تحتاجهم وقت العوز سيكونون مشغولين عنك”.

من بنجلاديش إلى كشمير

من بين 28 ولاية وسبع مناطق اتحادية تؤلف الاتحاد الفيدرالي للهند يؤكد المؤلف أن ولاية جامو وكشمير، بحكم حظها الوفير في الإعلام الغربي، تلقى اهتماما وكأنها المشكلة المعقدة الأولى في الهند، لكن مشكلة أخرى أكثر صعوبة ترقد في ولايات الشمال الشرقي.

تمثل الولايات الهندية التسع المحيطة بدولة بنجلاديش أسوأ مناطق الهند من حيث تدني مستويات الحياة، وارتفاع معدلات الفقر وتأخر الخدمات، وهشاشة البنية التحتية مما يؤدي إلى تكرار حوادث العنف والاضطرابات والمطالبة بالانفصال بتشكيل ولايات جديدة أملا في أن تتحسن أحوالهم.

ورغم ما توجهه الحكومة من دعم سنوي فإن الحالة السيئة للسكان ما زالت دون تحسن، والدعوات الانفصالية ما زالت في أشدها.

ينتهي الكتاب بعرض جذور القضية الكشميرية، مشيرا إلى أن العلاقة المتعطلة بين الهند وباكستان -تجاريا وثقافيا وأمنيا- سببها أنهم في الهند يودون أن يتعاونوا مع باكستان في كل شيء عدا كشمير بينما في إسلام آباد يريدون ألا يبدءوا أي حوار قبل الحديث عن كشمير.

يدعو المؤلف إلى أن تتنازل الهند عن موقفها المتصلب وتبدأ حل القضية بالحوار ومنح الإقليم حرية الاختيار حتى ولو كانت النتيجة الانضمام إلى باكستان حقنا للدماء وحماية للمواطنين.

ويؤكد المؤلف أن المفاوضات والسلام في كشمير لن تقدم حلا إقليميا للأجزاء الشمالية من الهند فحسب، بل ستوقف أيضا نزيفا ضخما على التسليح والأمن والتنافس مع الجارة باكستان، وهو ما سيعود على مواطني الهند بتحسين أحوالهم المعيشية.

يشبه المؤلف كشمير بطفل يتنازع على رعايته بين أبوين، ويرى أن الهند ما دامت غير قادرة على رعاية طفلها بما يوفر له الأمن فلماذا لا تتركه لأبيه؟ يحذر المؤلف قراءه ألا يتسرعوا ويتهموه بالخيانة وقلة الوطنية ويدعوهم إلى النظر للقضية بالعقل لا بالعاطفة.

وفي النهاية فإن هذا الكتاب -رغم ما فيه من رؤى مثالية وطموحات يعوزها الاختبار حين تنتقل من النظرية إلى التطبيق- فإنه يكشف عن قدر مهم من الحقائق الخفية لحياة المواطن الهندي ومعاناته وآلامه وطموحاته. وهو كتاب يستأهل ما تنفقه فيه من وقت وصبر على متابعة التفاصيل.


كاتب وأكاديمي