بسم الله، والحمد لله، والصلاةوالسلام على رسول الله، وبعد..
فالحياة الزوجية لا تقومإلا على الحب والتراحم، والآيات والأحاديث التي تحث على إكرام الزوجة والإحسانإليها كثيرة، ولا يجوز أن تعاقب الزوجة لمجرد أول خطأ تقع فيه بل يجب النصح والوعظوالتذكير مرة بعد مرة، وإن بدا منها الإصرار فتهجر في المضجع، وإذا لم يجد فتُضرب –إذا كان الضرب مجديا- ولكن ضربا غير مبرح مع تجنب الوجه والأماكن الحساسة فيجسدها، فهو استثناء من الأصل وفي الحديث (لا يضرب خياركم). والضرب إنما أبيح حينيكون فيه صلاح المرأة واستقامتها من أجل أن تستقيم الحياة الزوجية وألا يكون مصيرهاالتفكك والضياع.

يقول فضيلة الدكتور حسام الدين بن موسىعفانة -أستاذ الفقه وأصوله بجامعة القدس بفلسطين-:
يقول الله تعالى : ( وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّفَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْأَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً ) سورة النساء /34 . قال الإمامالقرطبي في تفسير هذه الآية: ” قوله تعالى (واضربوهن) أمر الله أن يبدأ النساءبالموعظة أولاً ، ثم بالهجران، فإن لم ينجعا فالضرب، فإنه هو الذي يصلحها ويحملهاعلى توفية حقه ، والضرب في هذه الآية هو ضرب الأدب غير المبرح…. “

ولا شك أن ضرب الزوج لزوجته مشروع ،والضرب إحدى وسائل التأديب ، ولكن لا يجوز للزوج أن يبادر إلى ضرب زوجته ابتداءً ،ولا بد أن يعظها أولاً ، فإن نفع الوعظ فبها ونعمت، وإن لم ينفعها الوعظ هجرها فيالمضجع ، فإن أخفق الهجر في ردها إلى جادة الصواب ، فإنه حينئذ يلجأ إلى الضرب ،وليس المقصود بالضرب إلحاق الأذى بالزوجة كأن يكسر أسنانها أو يشوه وجهها ، وإنماالمقصود بالضرب هو إصلاح حال المرأة ، ويكون الضرب غير مبرح ، وكذلك لا يجوز الضربعلى الوجه والمواضع الحساسة في الجسد.

وقد ورد في ذلك أحاديث منها : – قوله صلى الله عليه وسلم:(اتقوا الله في النساء ، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه ، فإن فعلن فاضربوهن ضرباً غير مبرح)رواه مسلم.
قوله صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع:(استوصوا بالنساء خيراً ، فإنهن عوان عندكم ، ليس تملكون منهن شيئاً غير ذلك ، إلاأن يأتين بفاحشةٍ مبينة ، فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضرباً غير مبرح ،فإن أطعنكم فلا تبتغوا عليهن سبيلاً ، ألا إن لكم على نسائكم حقاً ، ولنسائكم عليكمحقاً فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذن في بيوتكم لمنتكرهون ، ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن ) رواه الترمذي ،وقال: حسن صحيح.

وقال الإمامالبخاري: باب ما يكره من ضرب النساء ، وقول الله تعالى (واضربوهن) أي ضرباً غيرمبرح ” ، ثم ساق البخاري بإسناده إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا يجلدأحدكم امرأته جلد العبد ، ثم يجامعها في آخر اليوم)
وقالالحافظ ابن حجر معلقاً على عنوان الباب: فيه إشارة إلى أن ضربهن لا يباح مطلقاً ،بل فيه ما يكره كراهة تنزيه أو تحريم ” فتح الباري 11/214.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (ماضرب رسول الله شيئاً قط ، ولا امرأة ولا خادماً ، إلا أن يجاهد في سبيل الله، ومانيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شيء من محارم الله، فينتقم لله عزوجل) رواه مسلم.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالرسول الله صلى الله عليه وسلم:(إذا ضرب أحدكم ، فليتق الوجه) رواه مسلم.
وعن معاوية بن حيدة قال: قلت يا رسول الله : ما حق زوجة أحدناعليه ؟ قال: ( أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت ، ولا تضرب الوجه ولا تقبحولا تهجر إلا في البيت ) رواه أبو داود ، وقال الألباني: صحيح.

وخلاصة الأمر ، أنه لا يجوز للزوجأن يضرب زوجته ابتداءً ، وإنما يكون ذلك بعد الوعظ ، وبعد الهجران ، ويجب أن يكونالضرب غير مبرح ، فإن الضرب المبرح حرام لما سبق في الأحاديث ، قال عطاء : ” الضربغير المبرح بالسواك ونحوه ، وقال الحافظ ابن حجر: ” إن كان لا بد فليكن التأديببالضرب اليسير ” فتح الباري 11/215 . وعلى الزوج أن يتجنب ضرب الوجه والمواضعالحساسة في الجسد . أ.هـ

ويقول الدكتور مراد هوفمان -مفكر إسلاميغربي-:
إن بيان القرآن الذي يبيح للرجل ضرب الزوجةالناشز، والذي يصر كثيرون على فهمه فهماً خاطئاً في معظم الحالات، إنما يهدف إلىصيانة الحياة الزوجية، وحمايتها وتقويمها، كما تنص على ذلك الآية الرابعة والثلاثونمن سورة النساء: (…وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا).النساء : 34 .
وتتفق السنّة والآثار الموقوفة جميعاً على أن المقصود هناالإرشاد لإنقاذ كيان الزيجة التي يتهددها الفشل، وألا يتسرع الزوج الغاضب لنشوززوجته في تطليقها، ذلك أن أبغض الحلال عند الله الطلاق، كما هو مشهور في الحديثالنبوي.
كذلك، فليس المقصود بالضرب البطش باليد أو بالسوطأو بأية آلة، إلا إذا كانت تلك الآلة لا تحدث أي جرح أو تسيل دماً، فيكون رمزاًللتأنيب والتأديب، كأن يضرب الزوجُ الزوجَ الناشزة بمنشفة أو مروحة من الورق ونحوذلك. أ.هـ

ويقول الشيخ عصام الشعار –الباحث الشرعي بالموقع-:
ضرب الزوجة الإذن فيه ليس على إطلاقه وإنما مقيدبنشوزها، وأن يكون مفيدا في إصلاحها وتقويمها، والنشوز معناه الخروج عن الطاعةالواجبة ولا يكون نشوزا إلا إذا بدا منها الإصرار على معصية الزوج ومخالفتهبامتناعها عن أداء حقه وخروجها من بيته دون إذنه، ونحو ذلك مما يجب عليها، وكما قالالفقهاء على الزوج وعظ زوجته بما يلين قلبها لقبول الطاعة واجتناب المنكر فإذا لميفد الوعظ هجرها في المضجع ، فإذا لم يفد الهجر جاز للزوج ضربها ضربا غير مُبرِّحوهو الذي لا يكسر عظما ولا يشين جارحة، وضرب الزوجة ليس على إطلاقه في هذا الحالةبل هو مقيد بأن يغلب على ظن الزوج أنه يفيد في تأديبها، فإن ظن عدم إفادته فلا يجوزله ضربها.

بل جاء في كتاب أحكامالقرآن لابن العربي –الفقيه المالكي- (قال عطاء –من فقهاء التابعين-: لا يضربها وإنأمرها ونهاها فلم تطعه , ولكن يغضب عليها. قال القاضي: هذا من فقه عطاء , فإنه منفهمه بالشريعة ووقوفه على مظان الاجتهاد علم أن الأمر بالضرب هاهنا أمر إباحة،ووقف على الكراهية من طريق أخرى في قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبد اللهبن زمعة : { إني لأكره للرجل يضرب أمته عند غضبه , ولعله أن يضاجعها من يومه} .وروى ابن نافع عن مالك عن يحيى بن سعيد ” أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استؤذنفي ضرب النساء , فقال : اضربوا , ولن يضرب خياركم” . فأباح وندب إلى الترك . وإن فيالهجر لغاية الأدب . والذي عندي أن الرجال والنساء لا يستوون في ذلك ; فإن العبديقرع بالعصا والحر تكفيه الإشارة ; ومن النساء , بل من الرجال من لا يقيمه إلاالأدب , فإذا علم ذلك الرجل فله أن يؤدب , وإن ترك فهو أفضل . قال بعضهم وقد قيل لهما أسوأ أدب ولدك فقال : ما أحب استقامة ولدي في فساد ديني.
ويقال : من حسن خلق السيد سوء أدب عبده . وإذا لم يبعث اللهسبحانه للرجل زوجة صالحة وعبدا مستقيما فإنه لا يستقيم أمره معهما إلا بذهاب جزء مندينه , وذلك مشاهد معلوم بالتجربة . فإن أطعنكم بعد الهجر والأدب فلا تبغوا عليهنسبيلا.
والضرب يؤدي إلى وقوع الإنسان في الخطأ إذاتجاوز الحد المأذون فيه شرعا، وبخاصة أنه في الغالب يكون ثورة للنفس، وردا لفعلوليس بقصد التأديب.

أما الضربالمبرح، فقد نهى عنه الشارع حتى وإن كان فيه صلاح الزوجة واستقامتها وجاء في حاشيةالدسوقي لابن عرفه المالكي (ولا يجوز الضرب المبرح ولو علم الزوج أنها لا تتركالنشوز إلا به، فإن وقع فلها التطليق عليه والقصاص).

فمراحل التأديب عند نشوز الزوجة إذن هي الوعظ والتذكير باللهويليه الهجر، ثم الضرب إذا كان يفيد في إصلاحها وتقويمها، ولا ينتقل إلى مرحلة إلاإذا لم يُجدِ ما قبلها.
وذهب عبد الله بن عباس –رضي اللهعنه- إلى أن الزوجة إذا أطاعت زوجها في المضجع، فليس له ضربها.

وروى ابن جريج عن عطاء قال: “الضرب غير المبرح بالسواك ونحوه ” . وقال سعيد عن قتادة : “ضربا غير شائن ” . وقالصلى الله عليه وسلم: “مثل المرأة مثل الضلع متى ترد إقامتها تكسرها , ولكن دعهاتستمتع بها“.
وقال الحسن: “واضربوهن” قال: ” ضربا غيرمبرح وغير مؤثر“.

وثبت عنالنبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “أيها الناس , إن لكم على نسائكم حقا , ولنسائكمعليكم حقا ; لكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه , وعليهن ألا يأتين بفاحشةمبينة , فإن فعلن فإن الله تعالى قد أذن لكم أن تهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضرباغير مبرح , فإن انتهين فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف“.
وفيهذا دليل على أن الناشز لا نفقة لها ولا كسوة , وأن الفاحشة هي البذاء ليس الزناكما قال العلماء , ففسر النبي صلى الله عليه وسلم الضرب , وبين أنه لا يكون مبرحا،أي لا يظهر له أثر على البدن يعني من جرح أو كسر.

وأخيرا فالحياة الزوجية هي سكن للزوجين ولا تستقيم إلابالمودة والرحمة، ولكن الحياة بما فيها من تبعات وهموم لا تخلو من كدر فإذا ما هبتريح الحياة بما يعكر صفو الحياة الزوجية فعلى كل من الزوجين أن يلين مع صاحبه حتىيصلا إلى شاطئ النجاة، وبالمحبة والرحمة والحوار القائم على الاحترام المتبادل منالطرفين تكون السعادة الحقيقية ولن يكون هناك ما يدعو إلى الشقاق، وما أجمل ماعلمنا -رسول الله صلى الله عليه وسلم- (إن الله تعالى رفيق يحب الرفق ويعطي عليه مالا يعطي على العنف).

وفي الحديثالذي رواه الدار قطني ( إذا أراد الله بأهل بيت خيرا فقههم في الدين، ووقر صغيرهمكبيرهم، ورزقهم الرفق في معيشتهم، والقصد في نفقاتهم، وبصرهم عيوبهم فيتوبوا منها؛وإذا أراد بهم غير ذلك تركهم هملا(
وعند الطبراني قالصلى الله عليه وسلم (ما أعطي أهل بيت الرفق إلا نفعهم(
وفي صحيح مسلم قال -صلى الله عليه وسلم-: (عليك بالرفق، فإن الرفق لا يكون في شيءإلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه(
وفي الحديث أيضا (إنالله إذا أحب أهل بيت أدخل عليهم الرفق(
واللهأعلم

مجموعة من المفتين