نهى سلامة

الملاريا، البلهارسيا، مرض النوم… أمراض طفيلية لطالما دخل الإنسان معها في معارك طاحنة فتارة يقهرها ومرات تقهره.. فالملاريا تقتل من مليون إلى مليوني شخص سنوياً، مسجلةً أعلى مسبب للوفيات على مستوى العالم، ويدفع المسافر في إنجلترا ثمناً باهظاً لشراء دواء الملارونMalorone للحفاظ على حياته من الملاريا التي أصابت ألفي إنجليزي بعد رجوعهم من أفريقيا كما ذكرت CNN الشهر الماضي. بينما نسبة الإصابة بالبلهارسيا في مصر على سبيل المثال 20% من عدد السكان، وتؤدي إلى خسائر اقتصادية تقدر بـ 500 مليون دولار.

وهناك ما يقرب من 10.000 مصاب بمرض النوم في السودان وحدها حسب تقارير مايو 2001 أما الطفيل الخندقي Cryptosporidium، فقد هجم على مدينة بأكملها في كندا مع مطلع الشهر الماضي حاصداً عشرات الأرواح ومئات المصابين؛ حيث شربوا من المياه الملوثة به.

فلماذا كانت هذه الطفيليات رغم صغر حجمها بهذه القوة؟ وكيف تعجز حصون الجهاز المناعي عن مواجهتها؟ وما هي وسائل الدفاع التي سخرها الله لها حتى تدافع هي الأخرى عن حقها في الحياة؟؟

وقبل أن نتجول مع الطفيل داخل الإنسان ونجيب على هذه الأسئلة، فإننا نعرفه بداية بأنه كائن حي يعيش على حساب كائن حي آخر يسمى بـ “العائل” Host  مستمداً طعامه ومأواه منه وعادةً ما يسبب له قدراً من الضرر أو الإصابة. وتعتمد مقاومة العائل لمثل هذا الطفيل على عدة طرق، من أهمها إفراز الجهاز المناعي للأجسام المضادة Antibodies والاعتماد على خلايا الدم البيضاء W.B.C’s كخط دفاعي هام وأساسي في هذه المعركة.

حينما يدخل الطفيل فإن تركيبه الخارجي والذي يحمل مولد الضد أو Antigen يثير إفراز هذه الأجسام المضادة، ويثير الجهاز المناعي للتحرك ضده … إلا أن هناك طرقاً متعددة يتبعها الطفيل في معركته داخل الجسم بحسب نوعه وقوته.. وقد يستطيع الطفيل الواحد تتبع عدة وسائل دفاعية في آن واحد.

الطفيل المراوغ

 تقوم كثير من الطفيليات بدورة معقدة داخل عائلها تتميز بالتغيير المتوالي لأطوارها، بحيث يصعب على جهاز المناعة الاستجابة لتغيرات الشكل الخارجي الذي يحمل مولد الضد Antigen، فيستطيع الطفيل تغليب الطور الذي يتمتع بمقاومة أكبر لمناعة العائل؛ فتشلّ حركة الجهاز المناعي . يبدو ذلك جلياً في مرض الملاريا Plasmodium حيث تغير الطفيليات من أطوارها سريعاً وتقاوم المناعة المتخصصة للأطوار، يسمى هذا النوع من المراوغة بـ Stage Specificty of Parasite antigen.

وتستطيع طفيليات أخرى تغيير شكل مولد ضدها عدة مرات داخل الطور نفسه، وتمثل هذه الطريقة واحدة من أقوى وسائل المقاومة لجعل الجهاز المناعي غير ذي فائدة، مثل بعض أنواع الأوليات Protozoa والتي تتعرض بشدة لمواجهة الجهاز المناعي لوجودها الطبيعي في مجرى الدم.

والتريبانوسوما الأفريقية أيضاً التي تسبب مرض النوم في الإنسان لها أشكال متعددة داخل الطور الواحد، بحيث تشل حركة الأجسام المضادة .. تسمى هذه الوسيلة بـ Vartion Antigenic . في قدرة ثالثة على تغيير تركيبها الخارجي؛ تخلع بعض الطفيليات مولد الضد الخارجي الخاص بها بأكمله عدة مرات، وتستحدث تركيباً جديداً لشكله الخارجي في كل مرة.. مثل مرض النوم أيضاً والذي يستطيع فيه الطفيل أن يستخدم أكثر من مائة سترة خارجية إذا جاز التعبير، وتسمى هذه الطريقة Renewal of surface antigen .

الوسيلة الرابعة هي قدرة الطفيل على الالتصاق ببروتينات سائل الدم وكأنه يتنكر في شكل أحد مكونات الدم فيظن الجهاز المناعي أنه جزء من الدم فلا يقاومه ويقوم بهذه الطريقة والتي تسمى Antigenic disquise بعض الديدان وطفيل مرض البلهارسيا أو Shistosoma.

الطفيل المختبئ

تقوم بعض الطفيليات بالاختباء في أماكن تقل فيها الخلايا المناعية، فكثير من الطفيليات المسببة للأمراض عند الإنسان لها مكان داخل الخلية ذاتها Intra cellular location وتتواجد في الدم بصورة مؤقتة فقط . وهى بذلك تختبئ من إفرازات الجهاز المناعي الذي يقتصر نشاطه غالباً خارج الخلية .. وزيادة على ذلك فإن خليه الجسم المصابة لا تحمل على تركيبها الخارجي في بعض الأحيان مولّد الضد الخاص بالطفيل المختبئ .. فلا تثير الأجسام المضادة للاتجاه نحوه. أما إذا اكتشف الجهاز المناعي وجود الطفيل داخل الخلية فإن عليه قتل خلية الجسم المصابة أولاً ليتمكن من القضاء على الطفيل المختبئ . تقوم إحدى الأوليات Toxoplasma المسببة للإجهاض عند الإنسان بهذه العملية كما تقوم به الملاريا.

طفيليات أخرى كالديدان تختبئ في تجاويف القناة الهضمية Intraluminal location كالإسكارس .Ascaris

الهجوم خير وسيلة للدفاع

هذا هو الشعار الذي ترفعه بعض الطفيليات حيث تهاجم الخط الدفاعي للجهاز المناعي بطرق متعددة فتشل حركته أو تضعف قوته، فمثلاً تستطيع بعض أنواع البلهارسيا shistosoma mansoni أن تقوم بكسر الأجسام المضادة إلى نصفين بحيث لا تستطيع أن تقوم بعملها وذلك عن طريق إفراز نوع من الإنزيمات القاطعة للبروتين Protease، في عملية تسمى بـ Antibody cleavage  .

أما الديدان الشريطية فتستطيع يرقاتها أن توقف نشاط العوامل المساعدة للجهاز المناعي complement)) والتي تقوم بدور فعال في إعداد الأجسام المضادة وخلايا الدم البيضاء في مقاومة هذه اليرقات.

بينما تقوم بعض أنواع الأوليات Toxoplasma بإفراز مادة لديها القدرة على دفع الجهاز المناعي للعائل لأن يزيد من إنتاج نوع من الخلايا البيضاء تسمى بـ T-supressor  وهذه الخلايا تقاوم الجهاز المناعي وبذلك يجعل الطفيل الجهاز المناعي يوقف نفسه بنفسه ويسمى هذا النوع من الهجوم بـ Immunosupression .

أما الدودة الكبدية Fasciola فلها أسلوب آخر في تعاملها مع الجهاز المناعي فهي تستطيع تحويل وظيفة الخلية المناعية من خلايا مقاومة إلى خلايا متفرّجة لا تقدم ولا تؤخر حيث تقوم بتبديل وظيفة خلايا الدم البيضاء وتغير من توزيعها، بل وفاعلية سمومها مثل الدودة الكبدية والبلهارسيا S.mansoni والملاريا الفتاكة . وتسمى هذه الطريقة بـ Modification of leucocyte function .

كما يقوم طفيل الملاريا ببعثرة الجهود المناعية وإدخال الجهاز المناعي في معارك بعيدة عنه؛ حتى يخلو له جو السيطرة على العائل عن طريق استثارة الجهاز المناعي لإفراز أجسام مضادة غير متخصصة على الإطلاق، وتسمى هذه الطريقة علمياً بـ Polyclonal lymphocyte activation  .

أما النوع الخامس من هذه الوسائل فيكثر في الطفيليات التي تعيش لمدة طويلة في العائل قد تصل إلى عشرات السنين مثل البلهارسيا S. mansoni ألا وهي إنشاء رابطة بين مولد الضد الخاص بها والجسم المضادAntigen antibody interaction  وتترسب هذه الرابطة في بعض الخلايا الحيوية مثل الكلى مسببةً الفشل الكلوي، والرئة مسببة الربو الشعبي.

اقرأ أيضًا: