ياسر أبو العلا**
د. عبد الحكيم خاطر

خلقنا الله لنعبده ونعرفه ونسير إليه “يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه” وخلال سيرنا إلى الله لا بد من سياج ومنهج يحرس السائرين ويمنعهم الابتعاد عن منهج الله. ويمثل القرآن هذا السياج.

كما تحتاج الأمة إلى أن تحافظ على مصدر عزها، “لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم” فشرف هذه الأمة ومصدر فخرها هو أن تنسب إلى كتاب الله، فإذا طلب قوم العزة في غير كتاب الله أذلهم الله تعالى”، ومن أراد أن يعيش العزة فليعشها في وحي الله فالعز كله في ارتباط الإنسان بالقرآن.

بهذه الكلمات الجميلة بدأ حوارنا مع واحد من أهل القرآن، نذر نفسه لدراسة كتاب الله وعلومه منذ طفولته المبكرة، فحفظ القرآن الكريم في سن الثانية عشرة، وعلّمه لعدد كبير من أبناء المسلمين بعد ذلك، إنه د. عبد الحكيم خاطر (عضو لجنة مراجعة المصحف الشريف بمجمع الملك فهد بالمملكة العربية السعودية)، الذي يطوف بنا في رحلة نورانية لحياة قرآنية خاصة في شهر رمضان.

نفحات رمضان وعبير القرآن

* رمضان والقرآن قرينان يشفعان للعبد يوم القيامة.. فكيف لنا أن نصل إلى هذه الشفاعة؟

** ارتباط رمضان بالقرآن وثيق؛ لأن القرآن نزل في رمضان وكان جبريل عليه السلام يدارس نبينا -صلى الله عليه وسلم- القرآن في شهر رمضان، فالدراسة والقراءة والفهم للقرآن في رمضان تزكي الإيمان، وتجعل الإنسان مقبلا على الله، محققا هدف الشهر الكريم.

والصيام والقرآن شفيعان “الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب إني منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن: رب منعته النوم بالليل فشفعني فيه، فيشفعان”. فالمؤمن الحريص على الاستفادة بوقته ينتهز هذه الفرصة التي لا تتاح إلا مرة واحدة كل عام، فيشغل أوقاته بتلاوة القرآن وتدبره وتعلم أحكامه ومطالعة تفسيره والعمل بما جاء فيه.

والمسلم الذي يريد أن يجدد إيمانه عليه أن يصوم نهارًا، ويجلس على مائدة القرآن نهارًا وليلاً، وأن يكون له ورد في الحفظ والتلاوة خلال هذا الشهر، فرمضان فرصة لا تعوض لأن يعايش الإنسان القرآن ويعيشه. وليس مطلوبًا أن يختم المسلم القرآن عددا معينا من المرات، ولكن ما يريده الله منا أن نقرأ بفهم وتركيز، حتى نرتبط بكتاب الله، ويكون ذلك دافعًا للاستقامة في الحياة، فالقرآن تربية وتزكية للنفس.

والناس يتفاوتون في حرصهم على هذا الشهر والاستفادة من أوقاتهم فيه، كل وفقا لطاقته ووقته، ولكن في كل الأحوال لا يجب أن يحرم الإنسان نفسه من هذا الخير الذي ليس له حدود فالله تعالى يقول: “فاتقوا الله ما استطعتم”، والإنسان قدر ما يستطيع لا بد أن يستفيد بوقته خاصة في رمضان حتى يعيش مع كتاب الله تعالى فـ”إن هذا القرآن حبل اللّه والنور المبين والشفاء النافع عصمة لمن تمسك به ونجاة لمن تبعه لا يزيغ فيستعتب ولا يعوج فيقوم ولا تنقضي عجائبه ولا يخلق من كثرة الرد اتلوه فإن اللّه يأجركم على تلاوته كل حرف عشر حسنات أما إني لا أقول ألم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف”.

والله تعالى يضاعف لمن يشاء وأجره جزيل، يعطي الأجر الكبير على العمل القليل، وعلى المؤمن أن ينتهز فرصة الصيام فيقرأ كتاب الله بتمعن ودراسة واستيعاب، ويسأل الله أن يتقبل فيه قراءته وأن يوفقه للعمل به، حتى يؤنسه ويكون شفيعا له في قبره.

الكتاب المبارك في الزمان المبارك

* شهر رمضان كله خير.. ولكن لتتم الفائدة فما أنسب وقت لقراءة القرآن في رمضان؟

** يختلف هذا الوقت من إنسان لآخر، كل حسب نشاطه وجهده ولكن يجب أن تكون القراءة في وقت النشاط، وأن يتخير الشخص الأوقات التي تصفو فيها روحه وتسمو، وليس مهما مقدار القراءة لأن “أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل”.

وأنا شخصيا أحب قراءة القرآن بعد السحور أو بعد صلاة الفجر، فخير الأوقات للقراءة ما كانت فيه النفس صافية ومقبلة على الله تبارك وتعالى، ومهيأة للتلاوة، فلا يجب أن يقرأ أحدنا القرآن وهو مشغول، أو يفكر في أمور المعاش، بل يفرغ قلبه ووقته للتلاوة حتى يستفيد من القراءة، وهناك أوقات مناسبة لقراءة القرآن مثل: (بعد السحور وبعد صلاة الفجر، أو عندما يستيقظ الشخص قبل الذهاب إلى عمله، وقبل المغرب بساعة).

وأذكر أن أحد مشايخي كان يختم القرآن كل يوم مرة، فحفظ القرآن عنده كان كسورة الفاتحة بالنسبة لنا، ويجب أن لا يهجر المسلم القرآن يومًا واحدًا، وهناك أثر نبوي يقول فيه النبي “إذا جاء علىَّ يوم لم أزدد فيه علما يقربني من الله فلا بورك لي في شمس هذا اليوم”.

وهذه فرصة أن نستغل هذا الكتاب المبارك في الزمان المبارك، فهو ظرف للخير، من حرص على هذا الخير انتفع به، وخرج من ذنوبه، وكفر الله عنه خطاياه، واستفاد من هذا الشهر ليشحذ همته ويعد نفسه لبقية الشهور الأخرى.

فرمضان شهر تربية النفس وإعدادها، وهو بمثابة شحن للبطارية حتى تستطيع مواصلة العمل، فالنفس تحتاج إلى شحن حتى تقبل على الله، وبهذا الإقبال تكون همة المسلم عالية، ويكون عمله مقبولا عند الله؛ فالله يحب من عباده أن يقبلوا عليه في هذه الأيام المباركة.

* يتسابق الناس لختم القرآن في رمضان أكبر عدد من المرات فهل هناك أفضلية لهذا السابق؟

** لا شك أن كثرة التلاوة، وختم القرآن عدة مرات فيه ثواب عظيم، إلا أن ذلك يجب ألا يلفتنا عن القراءة بتدبر وتفكر.

* أيهما أفضل وأعظم أجرًا.. أن يحفظ المسلم القرآن في رمضان أم يكثر من التلاوة؟

** كثرة التلاوة بالطبع أفضل، مع حفظ قدر قليل من القرآن، ولكن لا مانع بالطبع من حفظ قدر أكبر لمن استطاع، وأخبرني بعض من أثق فيهم أن أحد طلاب الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة اعتكف في المسجد طيلة شهر رمضان فحفظ القرآن في هذا الشهر، وهذا شيء نادر، لأن هذا الطالب كان حريصا على الاستفادة من الشهر بأقصى درجة، فأعطاه الله ما يريد.

وبالطبع ليس ملزما للجميع أن يحفظوا القرآن بنفس الشكل، ولكن هذا يرجع إلى التركيز والإقبال على الله، وهذه موهبة من الله لبعض عباده.

لنحيا بالقرآن

* نزل القرآن في رمضان على قلب المصطفى صلى الله عليه وسلم فكيف نستشعر أنه قد أنزل على قلوبنا كذلك؟

** يعيش المؤمن جو القرآن، ويوقن أنه مخاطب به، فالله تعالى يقول: “تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا” فخطاب الله للنبي هو خطاب للأمة في شخصه الكريم، فإذا استشعر المسلم هذا المعنى، وأن كل خطاب من الله موجه إليه فهذا يجعله مهيئًا لأن يتقبل أوامر الله تعالى برضا، وأن يستفيد من كتاب الله استفادة تامة.

* منّ الله عليكم بحفظ القرآن وإمامة المصلين في التراويح في كثير من البلدان فكيف تستشعرون العلاقة بين التراويح والقرآن في رمضان؟

** التراويح والقرآن زاد الإيمان في رمضان، وإن المرء ليتعجب لآلاف الناس الذين يسارعون في الصلاة في غير رمضان ثم يحرصون على صلاة التراويح خلف إمام يختم القرآن في رمضان ويصبرون على الصلاة وقوفًا والدعاء في الختمة لساعات، إنها بركة الشهر الفضيل، ونقاء القلوب حين تصفد الشياطين ونفحات الإيمان ينثرها الرحمن على قلوب عباده المخبتين التائبين.

وأذكر أنه من أروع الفترات التي صليت فيها التراويح في حياتي حين كنت أصلى أواخر السبعينيات بمجموعة كبيرة من شباب الصحوة الإسلامية في مصر الذين أقبلوا على الله بشغف، وكانوا شبابا صالحين تشعر معهم بالقرب من الله، وكان القرآن حينئذ له طعم مختلف، وأذكر أنه في إحدى المرات حين حضرت من السفر -وكان ذلك يوم 23 رمضان- كان الإمام قد وصل إلى الجزء الثالث والعشرين، فأكملنا الأجزاء السبعة الباقية من القرآن، وبدأنا في “الختمة” الجديدة وأتممناها في الأسبوع الأخير من الشهر، وكنا نوزع القراءة على التراويح ثم نستريح قليلا ونكمل الصلاة ثم ننام ونستيقظ للتهجد، وهكذا منّ الله علينا بقراءة 37 جزءً في الأسبوع الأخير من رمضان.

* البعض يبدأ شهر رمضان بإقبال شديد على قراءة القرآن، ثم ما يلبث أن يصاب بفتور، فما العلاج؟

** العلاج يتلخص في الاستمرار على ورد معين حتى لو كان قليلا، والمفروض أن معدل القراءة يزداد بالتدريج في رمضان ولا يقل، وأنصح بأن يقرأ المسلم على أحد الحفظة حتى يتمكن من الحفاظ على ورده طول الشهر، وذلك حتى يلزم نفسه بالقراءة ولا يتكاسل.

وأذكر أن فضيلة الشيخ محمد الغزالي رحمه الله كان يحضر أحد الحفظة ليراجع عليه –الغزالي- القرآن، كما كان يقرأ عليه وِرْدَه اليومي، وذلك حتى يظل القرآن في ذهنه وقلبه.

وعلى المسلم أن يعتدل منذ البداية، ولا يكلف نفسه ما لا يطيق في بعض ليالي رمضان حتى لا تفتر عزيمته، وليتذكر كل منا أن هذا العام يمكن أن يكون آخر رمضان في حياته، فكم من أحبابنا الذين شهدوا رمضان معنا في العام الماضي افتقدناهم في هذا العام.

فهل من مدكر؟!

* الكثير منا لا يصل القرآن إلى قلبه، فكيف نقرأ القرآن بقلوبنا؟

** للسان وظيفة، وهى المحافظة على مخارج الحروف، والنطق الصحيح للقرآن بالتلقي على شيخ “ثبت” في علم القراءات، أما العقل فوظيفته أن يتدبر فيما يقرأ صاحبه، ولا يردد من دون فهم، وعلى المسلم أن يقرأ القرآن متدبرًا، فليس مجرد القراءة أو الحفظ هما الهدف من قراءة القرآن، وإنما المقصود أن يعمل الإنسان بما علمه من القرآن، ويتخلق بأخلاقه، وأن يستوعب معانيه ويطبقها، وهو ما كان صحابة النبي يدركونه، حيث كانوا لا ينتقلون إلى آية إلا بعد أن يطبقوا أختها، فالقراءة ثم الفهم فالعمل بما استوعبه المسلم من القرآن هي السبيل لازدياد الإيمان في قلب المسلم. “إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون”.

فزيادة الإيمان وصفاء القلب نتيجة طبيعية للتحلي والتخلق بأحكام وآداب القرآن الكريم، وهو الأمر الذي إذا حدث فسيكون الإنسان قريبًا من الله بعيدًا عن شهواته وأهوائه.. الطرق شتى وطريق الحق مفردة والسائرون في طريق الله أفراد وطريق القرآن واضح، ويوصل إلى سعادة الدنيا والآخرة.

والقرآن هو الهداية الربانية التي تأخذ بأيدي الناس وتوصلهم إلى طريق الله تعالى، ويعينهم على استيعاب علوم الدنيا، فالقرآن والإسلام يدعون إلى أن نتفوق في كل المجالات، وأن نساهم فيما يبني الحياة ويسعد الناس.

فبالقرآن نحافظ على منهج الله واستيعابه ثم استيعاب العلوم التي تساعد في نهضة الأمة وتعيدها إلى نهضتها الأولى.

* في رأيك.. ما الذي يحول بيننا وبين فهم القرآن واستيعاب أوامره ونواهيه، والتفكير في مقاصده ومعانيه؟

** ليس هناك ما يحول بيننا وبين ذلك، وإنما قد يعود السبب لعدم وجود خطة قومية من جانب الدول العربية والإسلامية للحفاظ على القرآن.

فكما أنه إذا أرادت أي دولة أن تنهض بجانب معين فهي تضع خطة لذلك النهوض في مجال الطب أو الزراعة أو الهندسة أو غيرها، فلا بد أن تكون هناك خطة للعودة إلى كتاب الله ليكون الناس مرتبطين بالوحي الإلهي، عن طريق تشجيع حفظ كتاب الله من جانب الحكومات والأنظمة العربية والإسلامية.

وكما تهتم الحكومات بغذاء الأبدان لابد أن تهتم بغذاء العقول والأرواح، فنحن لا نعبد التراب، وليس الهدف من حياة الناس الحصول على الطعام والشراب والرداء، ولكن الأهم هو تربية النفس البشرية وتحصينها ضد الإغواء والاستدراج إلى مفاهيم خاطئة.

فشعوبنا مرتبطة بدينها بشكل كبير والدين لديها من ضرورات الحياة كالماء والهواء، فإن انفصل الإنسان عن دينه يموت.

وبالرغم من ذلك فإنني ألمس اتجاهًا طيبًا من جانب الشباب لحفظ كتاب الله، كما ألاحظ نشاطًا واسعًا من جانب الجمعيات الخيرية لتحفيظ أبنائنا القرآن، وهناك حلقات كثيرة تعقد الآن في المساجد، إلا إنني أؤكد أن ذلك غير كاف، فلا بد أن يجد هؤلاء الشباب من يدفعهم ويشجعهم.

* وبماذا تنصح المبتدئ في حفظ القرآن؟

** على المبتدئ في الحفظ أن يواظب عليه بأن يحفظ قدرًا -ولو يسيرا- كل يوم، وأن يرتبط بحلقة تعليمية ليصوب ما يقرأه أمام أحد الحافظين، ثم يجعل لنفسه خطة لحفظ القرآن ومراجعته.

رحلتي مع القرآن

* كيف بدأت رحلتك مع القرآن؟

** نشأت في إحدى قرى مركز الصف بمحافظة الجيزة، بين عائلة متوسطة الحال، حفظت القرآن على جدي “الشيخ بدوى خاطر” وأتممته حين كان عمري 12 عامًا وكنت أراجعه كاملا كل أسبوع، وحين أردت استكمال دراستي في الأزهر واجهت صعوبة شديدة، حيث يقع أقرب معهد ديني إلى بلدنا في محافظة بني سويف، وبالطبع لم أتمكن من ذلك لصغر سني وبعد المسافة، فلحقت بمعهد القراءات بالقاهرة وأكملت دراستي فيه.

وكان من عادة أهل الريف أن يحيوا احتفالاتهم بقراءة القرآن، وخلال أحد هذه الاحتفالات كان القارئ هو الشيخ محمد معبد الذي سمعت منه القرآن بقراءة “بن كثير المكي” فانجذبت إليه وإلى قراءته، وعلمت أنه طالب بمعهد القراءات بالقاهرة فأخبرني أن المعهد لا يشترط سنًا ولا مؤهلا غير حفظ القرآن كاملا، وهو الشرط الذي كان يتوفر لي، وكان التحاقي بالمعهد عام 1964م، حيث كان العام الأول الذي يكون له مبنى مستقل في كلية أصول الدين في شبرا بعد أن كان قسما في كلية اللغة العربية بالأزهر الشريف.

وتلقيت في المعهد القرآن الكريم ثم “الشاطبية” و”الدرة”، وكانت إجازة التجويد مدتها سنة واحدة يتعلم فيها الطالب بعض العلوم العربية والشرعية، ثم أحكام التلاوة، ثم يقرأ المصحف كله على أحد المشايخ، ثم يختبر شفويا وتحريريا، ويعطى إجازة “حفص عن عاصم” في التجويد.

* هل كان هناك توجيه من الأهل لحفظ القرآن أم أنه كان قرار شخصي؟

** كان توجيه الأهل في البداية بالطبع؛ فأخي الكبير يصطحبني معه إلى الكتاب، فتعلمت الهجاء وقراءة السور القصيرة، وكان ذلك دافعًا للأسرة لتشجيعي على الانتظام في الكتاب وحفظ القرآن.

والطريف أن الناس في قريتي كانوا يطلقون عليّ لقب “شيخ” منذ وقت مبكر، على الرغم من أنني لم أكن متمكنًا من حفظي بعد، فقررت أن أكون شيخًا أستحق اللقب.. ولأني كنت أحفظ القرآن فقد تمكنت من السيطرة على حفظي كله خلال 6 أشهر، ثم واظبت في القراءة على شيخي إلى أن ألممت بالأحكام ومخارج الحروف بشكل جيد، كما استوعبت علم القراءات، وهى العلوم التي درستها بالتفصيل بعد ذلك في معهد القراءات.

* وما أهمية أن يبدأ الإنسان في حفظ القرآن وتعلم أحكامه منذ الصغر؟

** ما أجمل أن تتولد عند الناس ملكة الاستيعاب في سن مبكرة، وحتى لو حفظ الناشئ القرآن من دون فهم فإن الفهم يأتي في مرحلة لاحقة، والحفظ في السن المبكر أثبتت التجارب أهميته، ولكن هذا لا يمنع أن يحفظ الإنسان القرآن حتى بعد أن يكبر، ويتوقف ذلك على عزيمة الإنسان وهمته ومدى حبه للقرآن وتفرغه واستعداده للحفظ، وهناك بالفعل عدد كبير من المسلمين يحفظون القرآن في سن متقدمة.

* أعتقد أن تحفيظ القرآن للأبناء في الصغر من أهم واجبات الوالدين.. أليس كذلك؟

** بالطبع؛ ولكن ذلك يسانده أيضا مدى استعداد الأبناء ورغبتهم، فمهمة الأب والأم تتوقف عند التوجيه والنصح والتحفيز على حفظ القرآن الكريم، وأرى أن ذلك كان يتحقق في الماضي إلى حد كبير حيث كان الأهل حريصين على أن يحفظ أبناؤهم القرآن. وكانت القرى الرافد الرئيسي لحفاظ كتاب الله حيث يمثل ذلك فخرًا للعائلة.

هذا بالإضافة إلى أن الأزهر الشريف في مصر كان يعتمد على أبناء الريف بشكل كبير، ولك أن تتخيل أن الكتاب الذي حفظت القرآن فيه كان يخرج سنويًا 20 من الحفاظ، وكانت الدولة ترصد لهؤلاء الحافظين جوائز قيمة، حيث تحدد لكل من يختم القرآن لجنة تختبره على مستوى المركز، وتخصص له جائزة قدرها 5 جنيهات، وكانت تلك الجنيهات في فترة الخمسينيات تعادل اليوم ما قيمته 5 آلاف جنيه، فضلا عن أن وزارة المعارف كانت تشرف على هذه الكتاتيب المنتشرة -حينئذ- في كل قرية مصرية.

* وفي رأيك ماذا خسرنا باندثار الكتاتيب؟

** خسرت الأمة واحدا من مقومات حفاظها على مصدر شرفها وحضارتها وتقدمها وهو القرآن الكريم، كما أدى غياب الكتاتيب إلى الضعف الواضح في مستوى قراءة الخريجين للقرآن، وما أقسى ألا يتمكن حاصل على الدكتوراه من قراءة سطر واحد من القرآن من دون أن يخطئ، وينطبق ذلك -للأسف-على عدد من خريجي الأزهر حيث بضاعتهم من القرآن قليلة.

* وهل هناك أجيال جديدة تقبل على تعلم القراءات وعلوم القرآن؟

** كان هناك أيام دراستنا معهد واحد في مصر لتعليم القراءات، أما الآن فقد انتشرت تلك المعاهد ووصلت إلى المئات، على الرغم من أنها تفتقد إلى المشايخ الكبار الذين يمثلون الخبرة والقدوة.

وفي المدينة المنورة كذلك هناك إقبال شديد على دراسة القرآن وعلومه من العرب، فضلا عن غير العرب الذين تخرج عدد كبير منهم، ونفع الله بهم المسلمين في بلادهم.

أزمة الأمة

* أشرتم في بداية الحوار أن القرآن هو سياج الحماية للإنسان والأمة فكيف ذلك؟.

** القرآن -يا ولدي- مصدر عز الأمة وفخرها.. وهل هناك أجمل من أن ترتبط الأمة بالوحي الإلهي الذي ينقلها من الذلة إلى العزة، ومن الضياع إلى الأصالة التي تربط الأرض بالسماء.

ويربط القرآن -أيضا- الأمة بالوحي الإلهي الذي يحول دون أن تتخطفها الأمم، أو تبعد عن حضارتها… وهو أساس الخير كله، ولا شك أنه كلما كان الإنسان قريبًا من القرآن كلما كان ملتزمًا طائعًا لله، فلابد للأمة أن تعيش مع القرآن حتى تنجو من الضياع.


** صحفي مصري.