لا أحد يشك في فضل القرآن في رمضان، فعندما يدخل علينا شهر رمضان الكريم؛ يتسابق الكثير من المسلمين إلى المساجد، وينكبون على المصاحف يتلونها، فمنهم من يختمه مرة، ومنهم من يختمه مرتين أو ثلاث أو أكثر. فرمضان شهر القرآن، والكل يريد أن يحصل على ثواب القراءة، وهذا أمر طيب.

ولكن هل تساءل أحدكم كم نقرأ وكيف نقرأ القرآن في رمضان؟ وإذا سألت الواحد ممن ختم القرآن في رمضان كم آية توقفت معها؟ وكم آية عشت معها بقلبك وجوارحك؟ وكم آية حاولت تطبيقها؟ فسنجد شيئا يدعو للأسف؛ حيث نرى قلة قليلة ممن عاشوا مع القرآن في رمضان، والكثير كان همه ختم المصحف أكثر من مرة؛ دون النظر إلى المعنى المقصود، ودون الوقوف مع آية واحدة. وهذا لأننا لم نتعايش مع القرآن في رمضان ونتدبره حق التدبر، ولم نحاول أن نفهم مقاصده ومراميه.

الهدف الأسمى

إن الهدف الأسمى من القرآن هو أن يكون منهجا لنا في هذه الحياة، وأن يغير السلوك السيئ إلى الحسن؛ أي أن نعيش معه ونعمل به، وحتى نعمل به لا بد أن نفهم معانيه ومراد الله عز وجل من الآيات.

وهذا لا يأتي من القراءة السريعة الخالية من التدبر؛ ولا بد أن نعلم أن رسول الله- - حينما حثنا على الإكثار من تلاوته، وبيَّن لنا في أحاديثه عظم ثواب القراءة كان الهدف من ذلك أن نداوم على الاقتراب منه، ونعيش مع آياته ونفهمها ونعيش بها.

أما أن نقترب منه، ونكثر من تلاوته، ولا نتدبره ولا نعيش معه، فهذا ليس هو المطلوب، فلا بد من التدبر عند قراءته، حيث قال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (محمد:24).

وقد نهى رسول الله- صلى الله عليم وسلم- عبد الله بن عمرو بن العاص أن يختم القرآن في رمضان في أقل من ثلاثة أيام، وقال له: “لا يفقهه من يقرؤه في أقل من ثلاث”، وهذا يدل على أن التدبر وفهم معاني القرآن، لا بد أن يلازم القراءة.

حال الصحابة مع القرآن في رمضان

وإذا نظرنا لحال الصحابة مع القرآن في رمضان لوجدنا أنهم جمعوا بين الأمرين: الإكثار من تلاوته والعمل به، ولذلك غيَّرهم القرآن الكريم، فهم قبل الإسلام كانوا مجموعة من الأعراب لا وزن لهم ولا قيمة، كان يعلو فيها صوت العصبية والجاهلية، كانوا غلاظ القلوب، تنشب بينهم الحروب بالأعوام لأسباب تافهة.

فلما دخلوا الإسلام، وعاشوا مع القرآن حوَّلهم إلى نسائم رقيقة في معاملة الناس جميعا، وكانوا وقَّافين عند حدود الله، فهم- رضي الله عنهم- لم يكونوا يتقبلون القرآن ويتلقونه على أنه شيء يُتلى وفقط؛ وإنما يتلقونه على أنهم هم المخاطبون به، المعنيون بما فيه من المعاني؛ ولذلك انتفعوا بالقرآن في رمضان وفي غير رمضان.

ونذكر مثالا للصحابة في تلقيهم للقرآن وتفاعلهم معه، حينما نزل  قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (الأنعام: 82)، شقَّ عليهم ذلك وذهبوا إلى رسول الله- - وقالوا: “يا رسول الله، أينا لم يظلم نفسه؟!”، أي كلنا واقع في الظلم، وهذه الآية لا يحصل فيها الأمن ولا الاهتداء إلا بالإيمان الذي لم يخلط فيه الإنسان إيمانه بظلم، فوضَّح لهم رسول الله- - أن المقصود بالظلم في الآية هو الشرك.

وهذا أبو بكر- رضي الله عنه- تُتهم ابنته عائشة بالزنى، ويبرئها الله جل وعلا في سورة النور في قصة الإفك، ويتبين أن من جملة من رمى عائشة، وتكلم فيها مسطح بن أثاثة، وهو قريب لأبي بكر- رضي الله عنه- كان فقيرا.

وكان أبو بكر يصله بالإعانة ثم لما تبيَّن الأمر وتبين براءة عائشة- رضي الله عنها- حلف أن لا يصله شيئا من عطاياه بعد أن فعل ما فعل، فأنزل الله جل وعلا قوله سبحانه وتعالى: ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ فقال أبو بكر رضي الله عنه: بلى بلى.

وقد ورد عن الصاحبة أن أحدهم كان يقيم الليل بآية واحدة، فهذا تميم الداري -رضي الله عنه- رُوي عنه أنه كرر قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ وظل يردد هذه الآية حتى أصبح، وهو لا يرددها طلبا للأجر بقراءةِ الأحرف؛ وإنما لطلب ما فيها من المعاني والخير والهدى.

ولا أعني بالتدبر والمعايشة للقرآن ألا نكثر من تلاوته طلبا لأجر التلاوة، فالإكثار من تلاوته مطلوب، وفهمه وتدبره مطلوب أيضا، فكلا الأمرين مهم، ولكن أعني ألا نجعل القراءة هي الأساس دون تدبر وفهم.

كما قال عبد الله بن مسعود: “لا تهذُّوا بالقرآن هذَّ الشعر، ولا تنثروه نثر الدقل، وقفوا عند عجائبه، وحرِّكوا به القلوب، ولا يكن همّ أحدكم من السورة آخرها”.. إذن ما دام كلا الأمرين مهم؛ فكيف نوازن بين الكم والكيف في رمضان؟، وكيف ننال الحسنيين معا، هذا ما سأوضحه في البرنامج العملي..

برنامج عملي متوازن

أولا: عليك أخي الحبيب أن تهيئ نفسك وقلبك عند قراءةِ وردك، بأن تتوضأ وتستعمل السواك وتستقبل القبلة، وتتخير الأوقات التي لستَ فيها مجهدا، وتستشعر بقلبك عظمةَ ما تقرأ، وأن هذا الذي تقرؤه رسالة من مولاك إليك.

ثانيا: أن تسأل نفسك قبل رمضان: كم ختمة أريد أن أختمها في رمضان؟، وأن تخصص وقتا كافيا لقراءة وردك، مثلا إذا أردت أن تختمه ثلاث ختمات، فلا تخصص نصف ساعة مثلا كل يوم لتقرأ فيها ثلاثة أجزاء.

ولكن هذا يتطلب منك أن تحدد وقتا أطول من ذلك يتناسب من الكم، فلتحدد ساعة بعد الفجر، وساعة قبل الإفطار، وساعة بالليل، وذلك حتى تُعطي لنفسك فرصة للتدبر والمعايشة.

فإذا لم تجد وقتا لثلاث ختمات، فلتختمه مرتين بتدبر خير من ثلاث بدون تدبر، حيث يقول الآجري في كتابه (أخلاق حملة القرآن): والقليل من الدرس للقرآن، مع التفكر فيه وتدبره؛ أحبُّ إليَّ من قراءة الكثير من القرآن في رمضان بغير تدبر ولا تفكُّر فيه.

ثالثا: أن تتدبر الآيات، وتقف عند معانيها ومقاصدها، وتتجاوب معها، ولا يكن همك الوصول إلى نهاية السورة.

رابعا: أن تعلم أن التدبر وسيلة وليس غاية، وإنما الغاية هي أن يُغيِّر القرآن من سلوكك، وأن يكون منهجا لك في حياتك.

خامسا: أن تجعل جزءا من وردك في الليل، وألا تقرأه كله بالنهار، وتصلي ركعتين في بيتك أو أكثر تقرأ فيها ما تبقَّى من وردك بتأنٍ وترتيل وتدبر، وإن مررت بآية حرَّكت قلبك فلترددها أكثر من مرة.

سادسا: لتجعل – أخي الحبيب- من كل جزء آية تتوقف معها وترددها كثيرا وتعيش معها وتطبقها في حياتك، وتجعل هذه الآية تؤثر فيك وتغير من سلوك.. إذا توقفت كل يوم مع آية واحدة، فسوف تتوقف مع ثلاثين آية في هذا الشهر الكريم.

تصور أخي الكريم.. ثلاثون آية تعيش معها وتؤثر فيك وتُغيِّر من سلوكك.. فإذا انتهى الشهر فسيكون حالك مختلفا تماما قبل رمضان؛ حيث ستكون أفضل بإذن الله، وبعد انتهاء الشهر تحاول أن تختم القرآن مرة كل شهر، وفي كل جزءٍ تتوقف مع آيةٍ أخرى غير التي توقفت معها في رمضان، وهكذا، ولترَ النتيجةَ بعد ذلك.

وأنا هنا لن أعرض للآيات الثلاثين التي ستتوقف معها، ولكن سوف أعرض نموذجا واحدا فقط، وعليك أخي الحبيب أن تقرأ القرآن في رمضان بتدبر وإمعان، فإذا وجدت آية أثَّرت في قلبك أو تمس شيئا فيه أو تُغيِّر سلوكا معوجا فيك؛ فلتتوقف معها ولترددها كثيرا، ولتقرأ تفسيرها وتنوي بينك وبين نفسك أن تطبق هذه الآية.

مثلا إنسان لا يستطيع أن يغض بصره، ويعاني من ذلك إذا مرَّ على آية غض البصر: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ (سورة النور:30).

الاهتمام بالقرآن في رمضان، يعني فلا يمر عليها مرور الكرام وهو يقرأ ورده، وإنما يتوقف عندها ويرددها ويتأمل معانيها، وأنها أمرٌ من ربه إليه، ثم بعد الانتهاء من ورده يقرأ تفسيرها، وينوي بينه وبين نفسه أن يطبق هذه الآية في حياته… وهكذا.

وختاما؛ أحب أن أؤكد مرة أخرى أنه ليس معنى كلامي ألا نهتم بعدد الختمات في رمضان، ولكن يجب أن نهتم بها مع التدبر والمعايشة، وأنت عندك الوقت الكافي لثلاث ختمات بل وأربع وخمس وبتدبر وتأنٍ، ولكن ما يحدث أن الفرد منا يجلس ساعة يقرأ أربعة أجزاء أو خمسة قراءة سريعة كقراءة الجرائد.

ثم بعد ذلك ينام ويلهو ويضيع باقي وقته، ويقول لقد ختمتُ القرآن في رمضان خمس مرات أو أكثر، وهو لم يعِ شيئا مما قرأه، ولم يقف مع آيةٍ واحدة وقفة تأمل وتدبر، فهذا هو المرفوض، لكن يجب أن نجمع بين الكم والكيف كما وضحَّنا في البرنامج العملي سالفا.


بقلم: فوزي منصور